كتاب الحج ب 4 ف 9 : أبو سفيان هو رأس المكر القرشى

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 17 ابريل 2013


كتاب الحج بين الاسلام والمسلمين

الباب الرابع : إنتهاك المسلمين للبيت الحرام والشهر الحرام

الفصل التاسع  : أبو سفيان هو رأس المكر القرشى

أولا  : المخرج أبوسفيان

1 ـ  المشاهد الساذج لعمل درامى لا يرى سوى أبطال الفيلم . لا يرى ( المُخرج ) وهو الصانع الحقيقى الذى يحرّك الممثلين ويضع الحوار على ألسنتهم ، ويحدد الديكور ويحرّك آلة التصوير ، وكل شىء يمسك خيوطه بأصابعه .

  2 ـ   فى موضوعنا عن ( المكر القرشى ) نبدأ بتحديد رأس المكر وقائد قريش ، وهو أبوسفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . لماذا ؟ لأنه كان القائد الأكبر لقريش فى حربها المعلنة ضد النبى ؛ هو قائد القافلة قبيل معركة  ، وهو قائد جيش قريش فى أحد ، وهو الذى قام بتجميع القبائل لاستئصال المسلمين فى غزوة ( الأحزاب ) ، ثم هو الذى أسلم عند فتح مكة ، واستفاد بتعيين إبنائه قادة فى الحروب فى مواجهة المرتدين ثم فى الفتوحات ، ثم تأسيس مّلك لابنه معاوية ولبنى أمية . أبوسفيان هو (المخرج ) لهذه الأحداث ، والذى كان يحبك المؤامرات ، ويقوم بتجنيد العملاء من البداية فى مكة الى قبيل فتح مكة .

ثانيا : التعتيم على دور أبى سفيان فى التآمر على النبى فى مكة

1 ـ ويلاحظ تجاهل المؤرخين لدور أبى سفيان فى إضطهاد النبى وأصحابه فى مكة ، كان التركيز على أبى جهل والوليد بن المغيرة وأبى لهب وأمية بن خلف وأمية بن أبى الصلت وصفوان بن أمية وغيرهم الذين ماتوا على الكّفر . واضطروا لذكر أبى سفيان لدوره الأساس فى موقعة بدر وأحد و الأحزاب . ثم عاد التجاهل لدوره الى أن ذكروه وهو يقابل النبى  وهو فى طريقه لفتح مكة ويعلن اسلامه للنبى  ، ثم ما يقولونه أن النبى أعلن أنّ من دخل دار أبى سفيان فهو آمن . السبب فى هذا التجاهل أن المصدر الأكبر للرواية الشفهية كان أبّان بن عثمان بن عفان ( الأموى ) وهو الذى تولى إمارة المدينة للخليفة عبد الملك بن مروان ( الأموى ) عام 76 . وانتشرت روايات أبّان بن عثمان التاريخية الشفهية ، وظلّ ما سكت عنه مجهولا، وهو دور أبى سفيان فى قيادة المكر القرشى ضد النبى فى مكة ثم فى المدينة .

2 ـ وقد راجعتُ تاريخ الطبرى فى الفترة المكية فلم أجد أى إشارة لأبى سفيان فى إضطهاد النبى والمسلمين . ولم يرد ذكره ضمن قادة قريش الذين قادوا حركة العداء للنبى والمؤمنين . على سبيل المثال يروى الطبرى وفود قادة قريش لأبى طالب بعد أن أعلن الرسول عليه السلام دعوته ، يقول الطبرى فى روايته عن موقفهم : ( فلما رأت قريش أن رسول الله لا يعتبهم من شيء يكرهونه مما أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج أو من مشى إليه منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب ألهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا ...فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه .. ). لم يرد هنا ذكر أبى سفيان فى هذه الرواية أو غيرها .

3 ـ ولكن هناك رواية وحيدة نراها كاذبة وساقطة مذكور فيها أبو سفيان ضمن كبار القرشيين ، وهى الرواية المشهورة التى يزعمون فيها أنهم اجتمعوا فى دار الندوة وتشاوروا وحضرهم ابليس متنكرا فى هيئة شيخ نجدى ، وبعد المداولة أخذوا برأى أبى جهل بقتل النبى ويتفرق دمه فى القبائل . تقول هذه الرواية الكاذبة فى تاريخ الطبرى : ( .. فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج عن ابن عباس قال ، وحدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال : لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله غدوا في اليوم الذي اتعدوا له ، وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة ، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل .. فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح . قالوا : أجل ، فادخل . فدخل معهم . وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة ؛ من بني عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ، ومن بني نوفل بن عبد مناف طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل ، ومن بني عبد الدار بن قصي النضر بن الحارث بن كلدة ، ومن بني أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب وحكيم بن حزام ، ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام ، ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ، ومن بني جمح أمية بن خلف ، ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش . فقال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا . قال،  فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم ، احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم . قال فقال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم ، هذا ما هذا لكم برأي فانظروا إلى غيره . ثم تشاوروا ، فقال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت . قال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حُسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحلّ على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بها فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ، أديروا فيه رأيا غير هذا . قال فقال أبو جهل بن هشام : والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد . قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدون إليه ثم يضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه ، فنستريح ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم . قال فقال الشيخ النجدي : القول ما قال الرجل هذا الرأي لا رأي لكم غيره . فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل رسول الله فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه قال فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي الأخضر فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم وكان رسول الله ينام في برده ذلك إذا نام قال أبو جعفر زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع وقال له إن أتاك ابن أبي قحافة فأخبره أني توجهت إلى ثور فمره فليلحق بي وأرسل إلى بطعام واستأجر لي دليلا يدلني على طريق المدينة واشتر لي راحلة ثم مضى رسول الله وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه وخرج عليهم رسول الله ..).لأول مرة تذكر رواية دور أبى سفيان فى التآمر ضمن قادة قريش .

وهى رواية ساقطة كاذبة من حيث السّند . فهم يسندونها الى ( ابن عباس ) ولم يكن قد وُلد بعدُ . أو كان رضيعا . فكيف له أن يروى حدثا سريا لم يشهده . وروايات ابن عباس يجب أخذها بحذر شديد لأن الفقهاء والمحدثين والقُصّاص فى العصر العباسى كانوا ينافقون الدولة العباسية باسناد الروايات الى ابن عباس ، جد الخلفاء العباسيين . 

وهى رواية ساقطة من حيث المتن ، فكيف يعرفون ان الشيخ النجدى هو ابليس ؟ وهل يحتاج ابليس الى التنكر والتجسّد ،وهو يرانا من حيث لا نراه كما قال رب العزة ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ   (27)الاعراف) . ألا يكفيه أنه بوسوسته ووحيه الشيطانى يتحكّم فى أشرار أبناء آدم بدون أن يحضر بنفسه مجالس تآمرهم !!؟ . ثم كيف يقال ( فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا )، وبنو مناف يشملون بنى عبد شمس وبنى أمية ، وحسب الرواية فقد كان أبرز زعماء الجلسة من بنى عبد مناف ؟ ومن الذى أعلم الراوى بأن جبريل نزل على النبى وأخبره بما حدث ؟ . ثم أن رب العزة يذكر أنهم هم الذين أخرجوا النبى والمؤمنين كما شرحنا فى مقال سابق. 

4 ـ المستفاد أنّ هناك تعتيما مقصودا فيما يخصّ دور أبى سفيان فى مكة ضد الاسلام ، وأن الرواية الوحيدة التى تذكر دوره هى رواية كاذبة من حيث السند ومن حيث الموضوع والمتن . هذا مع أن أبا سفيان كان أهم قائد فى قريش ، وانفرد بالزعامة بعد موقعة بدر وقتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبى جهل بن هشام وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج . وعُتبة بن ربيعة هو والد هند زوجة أبى سفيان ، وينتهى نسبه الى عبد شمس بن عبد مناف .

ثالثا  : مكانة ابى سفيان فى قريش وفى العالم وقتها

1 ـ قالوا فى ترجمته : ( أَبو سغيانَ صَخرُ بنُ حَرب بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأُموي، وهو والد يزيد ومعاوية وغيرهما‏.‏ ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أَشراف قريش، وكان تاجراً يجهز التجار بماله وأَموال قريش إِلى الشام وغيرها من أَرض العجم، وكان يخرج أَحياناً بنفسه . كانت إليه راية الرؤساءِ التي تسمى العُقَاب، وِإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس‏.‏ وقيل‏:‏ كان أَفضل قريش رأياً في الجاهلية ثلاثة‏:‏عتبة، وأَبو جهل، وأَبو سفيان‏.‏ فلما أَتى الله بالإِسلام أُدبروا في الرأي. ).

2 ـ وممأ يدل على إنفراده بالزعامة فى قريش ،  إنّه : ( وقعت دماء بين حيّين من قريش ، فأقبل أبو سفيان ، فما بقي أحد واضع رأسه إلا رفعه، فقال‏:‏ يا معشر قريش هل لكم في الحق أو فيما هو أفضل من الحق ؟ قالوا‏:‏ وهل شيء أفضل من الحق ؟ قال‏:‏ نعم العفو . فتهادن القوم واصطلحوا‏.‏) .

3 ـ وأراد ملك اليمن أن يعرف أكبر قائد فى مكة ، فأهدى عشرة من كرام الابل  إلى مكة وأمر أن ينحرها أعز قريشي‏.‏ فقدمت الابل الى مكة وأبو سفيان يقضى ( شهر العسل ) بعروسه هند بنت عتبة.  فقالت له هند ‏:‏ أيها الرجل لا يشغلنك النساء عن هذه المكرمة التي لعلها أن تفوتك.  فقال لها‏:‏ يا هذه دعي زوجك وما يختاره لنفسه ، والله ما نحرها غيري إلا نحرته‏.‏ وظلت الابل مكانها لا يقترب منها أحد حتى خرج أبو سفيان في اليوم السابع فنحرها‏.‏  

4 ـ وأبو قحافة والد أبى بكر ظل يعيش فى مكة ، وقد تشرب طاعة أبى سفيان والخضوع له ، وظل أبو قحافة حيا الى ان أدرك خلافة ابنه أبى بكر ثم مات بعده . وقد زار ابو بكر مكة ، وفيها حضر أبوقحافة مشهدا لم يتصوره . فقد " ( بلغ أبا بكر عن أبى سفيان امر فأحضره اليه ، وأقبل يصيح عليه ، وأبو سفيان يتملقه ويتذلل اليه . وأقبل أبو قحافة فسمع صياح أبى بكر فقال لقائده ( وكان قد عمى ) على من يصيح أبنى ؟ فقال له : على أبى سفيان . فدنا من أبى بكر وقال له : أعلى ابى سفيان ترفع صوتك يا عتيق ؟ .. لقد تعديت طورك وجُزت مقدارك .!! فتبسم ابو بكر ومن حضره من المهاجرين والأنصار ، وقال له : يا أبت ، إن الله قد رفع بالاسلام قوما وأذلّ به آخرين .!! ). هذا هو أبوسفيان فى قريش . فماذا عنه كشخصية عالمية تقود رحلة الشتاء والصيف ؟

5 ـ يروى الأصمعي قدوم أبى سفيان على كسرى فى الجاهلية ، وأن كسرى أعطاه ( مخدة ) . وأراد الأصمعى أن يستوثق من هذه الرواية فتأكّد من صحتها . الرواية حكاها ابو سفيان نفسه : (‏ قال أبو سفيان‏:‏ أهديت لكسرى خيلاً وأدماً ، فقبل الخيل ورد الأدم .وأدخلت عليه فكان وجهه وجهين من عظمه ، فألقى إلي مخدة كانت عنده.  فقلت‏:‏ وا جوعاه‏!‏ أهذه حظي من كسرى بن هرمز؟  قال‏:‏ فخرجت من عنده فما أمرّ على أحد من حشمة إلا أعظمها حتى دُفعت إلى خازن له ، فأخذها ، وأعطاني ثمانمائة إناء من فضة وذهب‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ فحدثت بهذا الحديث النوشجان الفارسي فقال‏:‏ كانت وظيفة المخدة ألفاً ، وأن الخازن اقتطع منها مائتين‏. ) .هذه الرواية تتفق مع قيادة أبى سفيان لرحلتى الشتاء والصيف ودوره فى التجارة العالمية وقتها . ويعزّز هذا رواية أخرى له قابل فيها هرقل ، وسأله هرقل عن النبى عليه السلام ، وهى رواية طويلة لا حاجة لذكر تفاصيلها .

رابعا : أبو سفيان يستعيد مكانته بعد أن دخل الاسلام متأخرا

1 ـ أسلم أبو سفيان عندما قابل النبى فى طريقه الى فتح مكة . دخل ابو سفيان الاسلام وهو يريد أن يحتفظ  بزعامته . وجاءته الفرصة بعد موت النبى وتولى أبى بكر الخلافة ، فليس أبو بكر بشىء بمقياس الشرف القرشى ، وهذا ما عبّر عنه أبو قحافة حين علم بتولى ابنه أبى بكر الخلافة ، يروى سعيد بنالمسيب أنه لما مات النبى  ارتجت مكة فقالأبو قحافة : ما هذا ؟ قالوا : قبض رسول الله. قال : فمن ولي الناس بعده ؟ قالوا : ابنك .قال  : أرضيتبذلك بنو عبد شمس وبنو المغيرة قالوا نعم قال فإنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطيلما منع الله ).!. لم يتصور أبو قحافة أن يكون ابنه خليفة فى وجود بنى عبد شمس ( ومنهم بنو أمية بن عبد شمس ).

كانت هذه هى الثقافة السائدة التى عبّر عنها بعفوية أبو قحافة . ومثل ذلك موقف خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وهو أموى ولكن أسلم وهاجر الى الحبشة ، ثم عاد منها الى المدينة وقت إختيار أبى بكر خليفة ، فاستنكر أن يكون خليفة بعد النبى وهو من ( تيم ) وليس من بنى هاشم وبنى عبد مناف ، وتوقف عن مبايعته فاسترضاه أبو بكر بأن جعله من قواد الفتوحات . تقول الرواية عن ابن خالد : ( قدم أبي من اليمن الى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر ، فقاللعلي وعثمان : أرضيتم بني عبد مناف ان يلي هذا الأمر عليكم غيركم ؟ ، فنقلها عمر الى أبيبكر فلم يحملها أبو بكر على خالد وحملها عمر عليه . وأقام خالد ثلاثة أشهر لم يبايعأبا بكر . )   

2 ـ خطّط أبو سفيان فأشعل حرب الردة ( بالريموت كنترول )، وأوقع أبا بكر والمسلمين فى أمرعصيب ، وفى وقت عاصفة حرب الردة ضغط على ابى بكر ، فقام بما يشبه المّظاهرة الاحتجاجية يزعم غضبه لحق بنى هاشم الضائع ، وهم بنو عمومته. وهو نفس ما فعله ابنه معاوية حينما تحجّج بدم عثمان وهو ابن عمه ، ومعاوية هو الذى ترك عثمان محاصرا الى أن قتله الثوار دون أن ينجده ، لأن كل ما أراده هم أن يأخذ قميص عثمان ليصل به الى الخلافة .!!. أقبل أبو سفيان يحرّض عليا بن أبى طالب والعباس ضد أبى بكر ، ويهدّد أبا بكر بالحرب .تقول الروايات: (لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان وهو يقول : والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم. يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان أين الأذلان علي والعباس ؟ وقال : أبا حسن ابسط يدك حتى أبايعك. فأبى عليّ عليه.  فجعل يتمثل بشعر المتلمس :

ولن يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف معكوس برمته وذا يشج فلا يبكي له أحد

فزجره علي وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شرا . لا حاجة لنا في نصيحتك ) ( قال هشام بن محمد وأخبرني أبو محمد القرشي قال لما بويع أبو بكر قال أبو سفيان لعلي والعباس أنتما الأذلان ) ( قال أبو سفيان لعليّ :  ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا.  فقال علي : يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضره بذاك شيئا إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا.) .وسكت أبو سفيان عندما نجح فى إبتزاز أبى بكر ، فاسترضاه أبو بكر بتعيين أبنه يزيد بن أبى سفيان قائدا . تقول الرواية : ( لما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان :  مالنا ولأبي فصيل إنما هي بنو عبد مناف . فقيل له: إنه قد ولى ابنك. قال  : وصلته رحم ).

3 ـ وفى تعيين أبى بكر ليزيد بن أبى سفيان ضمن القادة جاءت روايات متعددة ومختلفة ، منها : ( ولما وجه أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان إلى الشام شيعه راجلاً‏.‏ فقال له يزيد‏:‏ إما أن تركب وإما أن أنزل‏.‏ ) (لما قفل أبو بكر من الحج سنة اثنتي عشرة جهز الجيوش إلى الشأم ، فبعث عمرو بن العاص قبل فلسطين فأخذ طريق المعرقة على أيلة . وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة ابن الجراح وشرحبيل بن حسنة وهو أحد الغوث وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشأم ) (   وجه أبو بكر الجنود إلى الشأم أول سنة ثلاث عشرة فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص ، ثم عزله قبل أن يسير وولى يزيد بن أبي سفيان ، فكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشأم وخرجوا في سبعة آلاف . ودعا يزيد بن أبي سفيان فأمره على جند عظيم هم جمهور من انتدب له وفي جنده سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة. وشيّعه ماشيا . ) وقالوا فى ترجمة يزيد بن أبي سفيان : (  أسلم يوم فتح مكة،  .‏ واستعمله أبو بكر الصديق رضي الله عنه على جيش، وسيره إلى الشام، وخرج معه يشيعه راجلاً‏.‏ ) . والقيادة الحربية يستتبعها ان يكون القائد هو الحاكم لما قام بفتحه ، أى أصبح يزيد بن أبى سفيان حاكم دمشق . تقول الرواية : ( وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشأم كورة فسمى لأبي عبيدة بن عبدالله بن الجراح حمص وليزيد بن أبي سفيان دمشق ولشرحبيل بن حسنة الأردن ولعمرو بن العاص ولعلقمة بن مجزز فلسطين ).

خامسا : أبوسفيان يضع عينه على الشام

1 ـ  فى رحلة الشتاء والصيف توثّقت علاقة ابى سفيان بقبائل ( كلب ) التى كانت تسيطر على طريق القوافل من الجزيرة العربية الى مدن الشام . وبعد أن فشل مشروع رحلة الشتاء والصيف أراد أبو سفيان استغلال الاسلام ليسيطر ليس على طريق القوافل التجارى بين الرافدين واليمن بل على الشام والعراق واليمن . فكان لا بد من حرب الردة ، ثم تطويرها الى الفتوحات ، نجح تخطيطه بأن انتهى الأمر ومعاوية يحكم الشام كله فى خلافة عمر وعثمان ، وتزوج معاوية ابنة زعيم قبائل كلب ( ميسون بنت بحدل الكلبى ) فضمن الشام فى يده . وأصبحت دمشق مركز امبراطورية الأمويين التى توسعت فى قارات العالم الثلاث بعد موت أبى سفيان ، وبأكثر مما كان يحلم به أبو سفيان .  . وإذا كانت البداية بتخطيط حرب الردة ، فقد كانت الخطوة الأساس هى هزيمة الروم فى ( اليرموك ) .

2 ـ وقد إعتبر أبو سفيان اليرموك معركته الشخصية . تقول الروايات : ( شهد اليرموك ألف من أصحاب رسول الله ، فيهم نحو من مائة من أهل بدر . وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس فيقول : الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك . اللهم إن هذا يوم من أيامك اللهم أنزل نصرك على عبادك ) وتقول رواية اخرى إنه ( شهد اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل، ويقول‏:‏ ‏"‏يا نصر الله، اقترب‏"‏‏.‏ وكان يقف على الكراديس يَقص ويقول‏:‏ اللّه الله، إِنكم ذَادة العرب، وأَنصار الإِسلام، وإنهم ذَادة الروم وأَنصار المشركين‏.‏ اللهم، هذا يوم من أَيامك، اللهم أَنزل نصرك على عبادك ). وشارك فى المعركة معاوية بن أبى سفيان وأخته جويرية التى قاتلت ، والرواية تقول أن النساء قاتلن يوم اليرموك في جولة ، فخرجت جويرية ابنة أبي سفيان في جولة وكانت مع زوجها وأصيبت بعد قتال شديد ، وأصيبت يومئذ عين أبي سفيان ، فأخرج السهم من عينه أبو حثمة . وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك عكرمة وعمرو بن عكرمة وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وأبان بن سعيد . وهؤلاء من أتباع أبى سفيان وممّن أسلم بعد فتح مكة .

3 ـ ولهذا لا نصدق هذه الرواية الى حكاها عبد الله بن الزبير الذى يزعم أَنه رأَى أَبا سفيان يوم اليرموك وكان يقول‏:‏ إِذا ظهرت الروم‏:‏ إيه بني الأَصفر‏!‏ وإذا كشفهم المسلمون يقول‏:‏  وبنو الأصفر الملوك ملوك ** الروم لم يبق منهم مذكور. ) لا نأخذ بهذه الرواية لأن ابن الزبير خصم لبنى أمية ، ولأنه ليس معقولا أن يتمنى أبو سفيان هزيمة جيش كان ابنه أحد قادته ، وقاتل فيه ابنه معاوية وبنته جويرية .

4 ـ لقد كانت اليرموك خطوة أساس فى تحقيق حُلم أبى سفيان . ومات أبو سفيان فى خلافة عثمان . قيل عام 32 ، أو 33 ، أو 34 . مات بعد أن رأى ابنه معاوية يحكم الشام كله ، وبعد أن (اوصل أبوسفيان ) ابن عمه عثمان للخلافة . و سنتعرض لهذا فى حينه ، ولكن نشير  لهذه الرواية التى ذكرها المسعودى فى مروج الذهب ج 1 ص 551 ، ونراها صادقة: يروى المسعودى : ( حين بويع عثمان دخل أبو سفيان داره ومعه بنو أمية ، فقال ابو سفيان ـ وكان قد عمى ـ أفيكم أحد غيركم ؟ قالوا : لا . قال : يا بنى أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فو الذى يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم . ولتصيرنّ الى صبيانكم وراثة. ). 

4 ـ مات أبو بكر دون أن يعرف أن أبا سفيان هو الذى أشعل حرب الردة ليستغلها لمصلحته ، وأنه هو الذى أوعز الى أبى بكر عبر عملائه بالفتوحات . مات أبو بكر وهو لا يعلم انه كان تحت سيطرة عملاء أبى سفيان ، وأنه كان مجرد دمية يحركها أبو سفيان عن بُعد . مات أبو بكر دون أن يعرف أن أهم إثنين من قواده كانا من عملاء أبى سفيان . وهما خالد بن الوليد وعمرو بن العاص .

5 ـ انتظرونا ..

اجمالي القراءات 17749

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   نورالدين عباسي     في   الجمعة 09 اغسطس 2013
[72725]


بارك الله فيك يا دكتور أحمد منصور


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4008
اجمالي القراءات : 34,883,963
تعليقات له : 4,378
تعليقات عليه : 12,986
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي