الدستور الإخواني (علماني صِرف)

سامح عسكر في الخميس 20 ديسمبر 2012


 

الدستور الذي يُصوت عليه المصريون الآن علماني صِرف، لقد اخترت هذا العنوان للحديث بشأنه كي نلفت أنظار بعض مؤيدي الدستور -ممن يتحدثون باسم الشريعة- إلى حقيقة هذا الدستور..والذي يخالف مبادئهم ويضعهم في مواجهة مع ذواتهم ...فقد اخترنا أن نكشف حقيقة هؤلاء لأنهم يجاهدون لإقرار ما يتهمون به خصومهم في سلوك لا أخلاقي غريب، هؤلاء أفرغوا ولا زالوا يُفرغون ما في جُعبتهم من انتقاص وتشهير وفضح في حق أي خصم يرفض الدستور بشكله الحالي .. أو بطريقة إقراره، والحق أن الخلاف الجوهري بين المؤيدين والرافضين لا يمس الشريعة ولا يدعو لا علمانية ولا لإسلامية كما يظن بعض المؤدلجين من انطبعوا على السعي وراء المُسميات والتصنيفات، ولكن هناك فئة من التيار الإسلامي تعمدت تزييف الحقائق عبر ادعائها بأن معركة الدستور هي معركة بين الشريعة وبين أعدائها..وهذا كذبُ صراح والمُحزن أنه مُتعمد لغرض جمع الأصوات فحسب.

سنتعرض الآن لبعض دعاوى مؤيدي الدستور والذين يزعمون أنه "إسلامي" من أجل كسب أصوات الفقراء والجُهال لأغلى هدف يعيش له المصريون وهو"الشريعة"مع تحفظي على مُصطلح"دستور إسلامي"بفهم هؤلاء:

إلى البيان:

1-في شريعتهم لا يجوز للمرأة والكتابي الولاية العامة أي يحرم عليهم جميعاً تقلد منصب رئيس الجمهورية ، ولكن الدستور الجديد لا يمنع هذا المطلب حيث يُتيح دستور الجمهورية تقلد المرأة والكتابي هذا المنصب في نص مادته رقم"33"حيث تقول المادة الدستورية.."المواطنون لدى القانون سواء ، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم فى ذلك "..انتهى..والمادة واضحة بالجواز لإطلاق الحقوق والواجبات دون تمييز مُطلق..حتى من يظن في تقييد هذه المادة بالمادة الثانية أو بالمادة 219 فظنه خاطئ..لأن المادة الثانية قالت بالمبادئ ولم تتعرض إلى أحكام- خاصة أو عامة- يجوز تفسير المادة بها، أما المادة 219 فقالت بأن مبادئ الشريعة تشمل الأدلة الكلية والقواعد الأصولية ولا تُحصر فيها، أي يجوز-حسب نص المادة-الاستدلال بقواعد وأدلة أخرى هذا إذا سلمنا بأن قواعد وأدلة مذهب السنة لا تقضي بجواز الولاية قولاً واحداً وهذا غير صحيح، فهناك اجتهادات وصلت إلى غير ذلك خاصة في العصر الحديث.

2-في شريعتهم لا توجد حرية اعتقاد إلا لصالح الدين الإسلامي، أي يجوز للكافر أن يُسلم ولكن لا يجوز العكس، وعليه فقد قاموا بتقنين حد الردة في شريعتهم -رغم الخلاف الفقهي حوله-ومع ذلك فالمادتين 45،43من الدستور تكفلان حرية الاعتقاد والرأي بوضوح وبإطلاقية..حيث تنص المادة 43 على أن.."حرية الاعتقاد مصونة،وتكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية على النحو الذى ينظمه القانون"..انتهى..أما المادة 45 تقول.."حرية الفكر والرأى مكفولة ، ولكل إنسان حق التعبير عن فكره ورأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير"..ومن هاتين المادتين نرى بأن الدستور الجديد لم يحظر حرية الاعتقاد نهائياً ، وعليه فلا جرائم ينص عليها القانون تتعلق بتغيير أو مراجعة أو النظر في الدين أو الفكر..حقيقة هذا الأمر سيُفضي حتماً إلى تشريع متميز وقوانين منضبطة في الجُرأة على التراث بشكلٍ عام.

3-في شريعتهم يُحظر التعرض لرموزهم"الدينية والسياسية"سواء بالنقد أو بالنظر والمراجعة، بتوضيح أكثر لا يجوز التعرض بالنقد أو بالنظر لكُتب الصِحاح والمسانيد أو ابن تيمية أو ابن حنبل أو ابن عبدالوهاب أو شيوخ المتصوفة أو الأشعرية..وهذا كله سقط بالمادة"46"..حيث نصت المادة على أن.."حرية الإبداع بأشكاله المختلفة حق لكل مواطن"..وهذا لا يتعارض بختام المادة الذي ينص على أن "الدولة ستتخذ التدابير اللازمة للحفاظ على التراث الثقافي الوطني"..لأن هذا التراث لم يجرِ تعيينه فضلاً على أنه لا يتعارض مع حرية الإبداع كما تم تقنينه بأنه"وبأشكاله المختلفة..وهذا سيُفضي إلى اجتهادات فقهية وبحثية موسعة ستتعرض حتماً لهذه الرموز سواء بالنقد العلمي أو الأدبي.

هذه أهم ثلاث رؤى للدستور في مُخيلتهم يعتقدون-علماً أو جهلاً-بأن الدستور يحمي متطلباتهم للشريعة، والحق يُقال أن هذه الفئة من الناس غير متحدة مع نفسها ،وبالتالي تضطر على الكذب على نفسها والناس من أجل تسويق دستور بنداء مغشوش ، بالضبط كالذي ينادي على بضاعته الفاسدة بنداء صالح يجلب الزبائن من كل حدبٍ وصةب..وهذا هو عين الغش الأخلاقي والاجتماعي..في مقابل هؤلاء سنرى أناساً آخرون على نفس منهجهم الفكري أو التنظيمي كانوا أكثر صِدقاً مع أنفسهم واتساقاً مع ذواتهم حيث أعلنوا عن رفضهم التام لمشروع هذا الدستور لتعرضه للشريعة ولدعوته الصريحة والفجة للعلمانية -حسب توصيفهم.

العلمانية أو بتوصيف البعض بأنها الليبرالية- لن أقف على المُسمى لأني أتعامل مع معنى شائع وليس تعريفاً أكاديمياً قد يختلف حوله الباحثون-ولذلك سنأخذ المعنى على الشيوع..فالعلمانية تنادي بفصل الدين عن أي ممارسة سياسية ومع ذلك فأرى أن هذا النداء متحقق بقوة في أي مجتمع يقوم على التعددية السياسية وحُرية المنافسة، ومواد الدستور تسمح بهذا التنظيم في مواده الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية من المواد"43-57"..كذلك فالعلمانية تنادي بالحرية الشخصية والفكرية والدينية وقد سبق بأنها مكفولة بنص الدستور،أيضاً فالعلمانية لا يوجد لها تعريفاً محدداً نقف عليه لنقول بأنها منتوج ذو مواصفات معينة بل هي أقرب إلى ثقافة عامة وبالتالي فمواد الحريات والمنافسة الحزبية والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية تكفي لصناعة هذه الثقافة العامة في عُرف المجتمع..وبالممارسة الجادة تتجذر العلمانية بإشاعة قيم الحرية والعدل والمساواة لتخرج في النهاية كموروث عادة بالضبط كما هو عند الشعوب الغربية..ولكن سيظل الشعب المصري مختلفاً عن نظيره الغربي بالانتماء الديني والسلوك وسائر العلامات الأخرى كالجنس واللغة والعُرف.

كذلك فالديمقراطية كما أنها تعني حُكم الأغلبية إلا أنها تعني حقوق الأقلية، وهذا المعنى مُتحقق إلى درجة كبيرة في الدستور، ولو كان هناك بعض العيوب-وهذا ما أراه-فمرجعها في النهاية إلى الحوار الجاد أو النضال من أجل مقاومة هذه المعائب والتي تخرج-بالكلية-عن أي معاني يفهمها القائلون بالشريعة، فلا أظن أن قوانين تقييد الصحافة أو حقوق التأمين الصحي أو سلطات رئيس الجمهورية أو اختصاصات مجلس الشورى..وغيرها..لا أظن أن القائلون بالشريعة يهتمون لهذه الأشياء أصلاً لأن مفهوهم عن الشريعة لا يتعرض لمثل هذه الأشياء..فضلاً على أنها مِلك خاص لصانعها والتي تعبر عن أيدلوجيته ورؤيته للدولة حصرياً..وهذه النقاط أظنها وغيرها هي أصل الخلاف الحالي حول الدستور إضافة إلى طريقة تمريره بسلوك سياسة الأمر الواقع حتى على الأقليات الدينية والتي رأت بضرورة تعديل مواد بعينها لأجل الاتفاق وتم رفض مطالبها.

سيسأل سائل ولماذا بعد كل هذا السرد الموجز عن رؤية علمانية هذا الدستور تقوم بإعلان رفضك له جُملة وتفصيلاً..أقول أنني لست علمانياً أو إسلامياً كي أرفض أو أقبل بناءاً عن توجه أيدلوجي مسبق..إنما أنا باحث حر ومستقل..وقد ارتأيت أن تجاوز الرئيس مرسي للقانون كان علامة فارقة لُصنع شريعة الغاب وبالتالي شيوع الظلم بين المواطنين..فالإعلان الدستوري والذي بموجِبه تم تمرير هذا الدستور في التأسيسية كان إعلاناً جائراً على كافة القوانين المنظمة للدولة، فقد راعى الإعلان مصالح جماعة معينة على حساب كافة المواطنين الذين يخالفونهم في الرأي، وبالتالي كانت طريقة تحضير هذا الدستور أشبه بتمكين جماعة وفرض قانونها الخاص..وهذا لعمري لهو ضد الدين والسياسة معاً..علاوة على أن هذا الوضع المُلغّم سيُفرغ مواد الدستور من معناها الحقيقي إلى معاني أخرى أكثر تطرفاً وعنفاً بفضل التفرقة، وسيساعد ذلك مطاطية بعض الكلمات والجُمل الدستورية والتي تحمل في مضمونها خطراً على الدولة والكيان المجتمعي ككل، فيقوم المتنفذ في السُلطة بحساب مصلحته العليا بتشريع القانون الموافق لتلك المواد وسيجري إهمال الآخر حتماً.. فهي شريعة الغاب وقد سبق له نفاذ رأيه أكثر من مرة رغم الاعتراضات وبالتالي فلا أحد سيوقفه..وسلوك كهذا هو كافي لشيوع الظلم والفِتن بين العِباد.

أرفض هذا الدستور وأدعو إلى التصويت برفضه جُملةً من أجل الحوار وإعادة اللُحمة الوطنية، فالمسيحيون يتخوفون من مواد بعينها من ضمنها المادة 219 وحُجتهم مقبولة في ذلك لتعيين المذهب بتحكمٍ ممجوج لا يصلح أي إدارة سياسية، فالاجتهاد في الفقه متوقف عملياً منذ القرن الرابع الهجري، وبالتالي فقواعد وأدلة المذهب مُعرفة منذ هذا الزمن ..أما المعاصرون فيتحركون من خلالها ..وقد يُحتم علينا هذا الزمن تغيير أو النظر في تلك القواعد أو الأدلة لاختلاف مشاهد العصر وأدواته ومؤثراته..كان يكفي اعتماد الدليل دون إشارة إلى المذهب أي إلى.."كتاب الله وسنته"وليس إلى"مذاهب أهل السنة والجماعة"..فكل فصيل سياسي أو إسلامي ينشد الأولى ومنه يجتهد لرصد الأدلة، أما الثاني فمن الصعب تعيينه..هذا لأن مذاهب أهل السنة مختلفة في الفقه وفي العقيدة وفي السياسة إلى درجة بلغت حد التكفير، وبناءاً عليه سنقف أمام مُُعضلة لتفسير المبادئ والتي لم نكن بحاجة لتفسيرها منذ البداية، كذلك فعزائم الناس تهبط مع أولى مشاهد الاستبداد بالرأي أو بظهور الظلم حتى شيوعه دون مقاومة، ولا أظن أن حاكما المُبجل-أياً كان هو-لن يستخدم القانون أو الدستور ذوداً عن نفسه أو عن سُلطانه أو عن جماعته إلا لو كان ملاكاً من السماء.

اجمالي القراءات 5141

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,100,951
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt