بيـن الـواقـع والـخـيــال ... في حــدوتـة مـصــريـة

رضا عبد الرحمن على في الأحد 02 ديسمبر 2012


بيـن الـواقـع والـخـيــال ... في حــدوتـة مـصــريـة

يحكى أن شابا كان يعيش في أسرة متوسطة الحال ومعظم أصدقائه وأقاربه من الأثرياء ، ظل هذا الشاب يعيش في الدنيا وحيدا لا عمل له ولا وظيفة ولا قدرة على تحمل المسئولية ، وفجأة اجتمع الأقارب والأصدقاء الأثرياء وقرروا أن يزوجوه لكي ينصلح حاله وتتغير أحواله ، وعـدوه بأنه لن يخسر أي شيء ولن يدفع أي شيء وأنهم سيتكفلون بكل المصاريف وسيدفعون كل التكاليف ، تزوج الشاب بعد أن قام الأصدقاء والأقارب الأثرياء بتجهيز وتأسيس كل شيء ولم تنقطع مساعداتهم له حتى بعد الزواج ، عاش بلا عمل وبلا درس ولا خبرات يتعلمها في الحياة تساعده في إدارة شئون حياته الجديدة خصوصا أنه كان يرزق بطفل كل عام تقريبا ومع زيادة عدد أفراد أسرته ازدادت مسئوليته وقلت معها مساعدات واهتمامات الأقارب والأصدقاء ، ورويدا رويدا تركوه وتخلوا عنه جميعا وتركوه يواجه مصيره بنفسه بعد أن أصبح مسئولا عن أسرة كبيرة وتعلقت في رقبته أفواه عديدة تحتاج المأكل وأجساد عارية تحتاج الستر والكسوة ومسئولية إدارة البيت اجتماعيا وأدبيا واقتصاديا ، وأصبح الرجل يعيش مع أسرته الكبيرة التي وضعت على كاهله مسئوليتهم وكفالتهم جميعا وأصبح من الطبيعي والمنطقي جدا أن يبحث عن عمل بدخل مناسب أو يعيد زراعة قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه وتركها وأهمل فيها حتى أصبحت جرداء لا زرع فيها ولا ماء ، ولم يفكر بجد في المطالبة بأمواله التي لا تحصى ولا تعد عند التجار الذين كانوا شركاء أبيه في تجارته الكبيرة ، كل هذه الحلول لم يفكر فيها ليحقق مطالب هذه الأسرة الكبيرة لمواجهة الظروف الجديدة الصعبة ليوفر لهم الغذاء والعلاج والسكن والملبس وجميع احتياجاتهم ومتطلباتهم وفوق كل هذا توفير الحماية لهم وتأمين حياتهم بحيث يشعروا بالطمأنينة والهدوء والسكينة ، لأن هذه هي واجبات مُلِحة وضرورية تفرضها الأعراف الإنسانية والرجولة على أي رب أسرة يظن في نفسه أنه محل احترام الناس ، وهي واجبات كل رب أسرة يظن أنه مسئول وعلى قدر المسئولية ، على الأقل ليكون مثل الحيوانات في الغابة التي ترعى صغارها وتحميهم وتدفع عنهم كل شر وسوء وتوفر لهم المأكل والمشرب.

فشل هذا الأب ـ الرجل ـ العائل ـ لهذه الأسرة في تحقيق أقل القليل من متطلبات بعض أفراد الأسرة ، وفشل في تحقيق وتوفير أي شيء من ضروريات الحياة اليومية ، كان هذا الأب يعول أسرة مكونة من عشرة أفراد أو أكثر بعضهم في مراحل تعليم مختلفة ، والبعض بلا تعليم من أصحاب الحرف اليدوية والبعض فاشل وعاطل وبلا عمل ، وهذه الأسرة مجتمعة هي مسئولية هذا الرجل الأب وكانت لهم بعض المطالب الضرورية منها مطالب يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية ، منها مطالب داخلية وخارجية ، ونعطي أمثلة : كان أحد أفراد الأسرة في حاجة ماسة للعلاج والذهاب للطبيب للكشف الطبي وتشخيص حالته الخطيرة ، والآخر يحتاج ثمن كتاب مهم ، والثالث يحتاج لملابس جديدة للعام الدارسي الجديد ، الرابع يحتاج لحقيبة (شنطة) يضع فيها كتب الدراسة ، والخامس تأخر في سداد مصروفات الدراسة والدروس الخصوصية والسادس يبحث عن عمل ، والسابع فاشل يصطحب بعض الفاشلين ويدخلهم البيت ويعبث معهم في البيت ويشربون المخدرات ويتلصصون على نساء البيت بدون علم الأب المغيب ، والثامن والتاسع انخرطا في إحدى الجماعات المتشددة وأصبحا يتهمان كل من حولهما بالكفر حتى أخوتهم وأبويهم.

  وكانت الأم تشكو دائما قلة ذات اليد وتطالب الأب بإيجاد حلول لهذه المشاكل الحياتية اليومية ، وبدأت تطالب الأب بتغيير وتجديد وتنجيد المراتب والأَسِرّة لأنها تهالكت وأصبحت قديمة وغير صحية وغير نظيفة وتسببت في نقل أمراض جلدية للأبناء وأصابت عظامهم بالانحرافات القوامية ، كذلك طالبت الأب بتجديد دهانات المنزل التي تآكلت من الرطوبة وشوهت وأخفت المعالم الأساسية المميزة لحيطان المنزل الذي كان قبل سنوات رمزا في الشارع وأفضل وأجمل منزل في الشارع كله ، كما طالبته بتغيير باب المنزل الرئيسي الذي تآكلت أخشابه من أشعة الشمس حرصا على تأمين البيت ، كذلك طالبته بتنظيف المكان المحيط بالمنزل والبحث عن حل لجبال القمامة التي تحيط المنزل من كل الاتجاهات ، وإصلاح ماسورة المياه الرئيسية التي انفجرت منذ أسابيع وتسببت في تحويل الشارع إلى برك ومستنقعات مائية صغيرة لا تصلح لمشي الآدميين ، وصرخت الأم في وجهه قائلة هل ستترك سلك الكهرباء الذي انقطع وتدلى أمام بيتك ولامس الماء الذي يملأ المكان حتى يسير عليه أطفالنا فيُصْعـَقـُوا بالكهرباء فيموتوا.؟ ، متى تفكر فينا وفي تحقيق احتياجاتنا.؟ ، متى تهتم بما يحتاجه أولادنا وما يحتاجه بيتك.؟   

والأم تسكت حينا لكنها لم تنسى ولن تنسى ما هي متطلبات بيتها وماي هي احتياجات أولادها لأن هؤلاء الأولاد قطعة منها وحملت كل واحد منهم تسعة أشهر في بطنها فلا يمكن أبدا مهما طال الوقت تهمل فيهم وتنسى ما يريدون أو تتجاهل فيما يفكرون ، وترجع الأم وتستجمع قواها فتقول للأب المهمل: أنها تحتاج لتغيير أسطوانة الغاز وتحتاج لسداد فواتير الكهرباء والماء والتليفون والانترنت وتحتاج لأساسيات غذائية في البيت لإطعام كل هؤلاء ثلاث وجبات كاملة يوميا (تحتاج للزيت والسكر والأرز واللبن والبيض واللحوم والدواجن والأسماك وجميع أنواع الخضروات والفاكهة) ، فهذه مشاعر طبيعية فطرية تشعر بها كل أم تجاه أولادها.

ورغم كل هذه المشاكل وكل هذا التقصير من الأب العائل الوحيد لهذه الأسرة ترك هذه الاحتياجات وهذه المتطلبات وأخبرهم أنه يريد التحدث معهم جميعا ، انتبه الجميع ولبوا الطلب : بدأ كلامه معهم قائلا  بصوت عالٍ يجب ان تعلموا جميعا أنني هنا كبير البيت وأنا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وليس من حق أي فرد من أفراد الأسرة أن يفعل أي شيء بدون إذني وليس من حق أحدكم الاعتراض على أي كلمة من كلامي ، يجب عليكم جميعا الالتزام بقواعد العيش في هذا المنزل الخروج بإذن والدخول بإذن وليس من حق أحدكم التأخر خارج البيت لساعات متأخرة ، ويجب عليكم جميعا أن تُحافظوا على الصلاة ولا تتركوا ركعة واحدة ولو عرفت أن أحدكم لا يصلي سوف أطرده من البيت ، ويجب أن لا تشاهدوا التليفزيون والانترنت ، ويجب أن تهتموا بدينكم حتى تتدخلوا الجنة.

الأخطر من هذا كله  أنه رغم تجاهله وإهماله لمطالبهم الأساسية التي لم يحقق منها أي شيء قد كتب كل هذه التعليمات والتحذيرات في ورقة وطلب من الأسرة جميعا أن يوقعوا عليها ويوافقوا ويلتزموا بما جاء فيها ، بدون أن يسمح لأحدهم أن يقرأ هذه الورقة أو يسأل ما مضمون هذه التعليمات خصوصا أن نصف أفراد الأسرة من الأميين والغير متعلمين.

اجمالي القراءات 8588

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (5)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الإثنين 03 ديسمبر 2012
[70456]

مصر ليست فقيرة

الفكرة مفهومة .ولكن - مصر ليست فقيرة ،ودائما وفى أحلك الظروف هى التى تُعطى أقاربها (بغض النظر عن نوعية وكم هذا العطاء ) فهى على الأقل  تُعطى خبرات وعلم أبنائها. والحاكم (الفاشل) ليس أبا للمصريين ،وهذا الإيهام (من الحاكم وجماعته ) انه أب للمصريين هو وهم وخداع .وإنما هو فرد من 90 مليون مصرى كان يتوقع المصريون منه أنه على قادر على تحمل  المسئولية ،ولكن خاب ظنهم ،فمن الطبيعى أن يرحل بهدوء ،وما يحدث منه   ومن عشيرته من مماطلات هى مماطلات النزع الأخير .ولكن الأسرة ما زالت بخير ولديها مواردها الخاصة الكافية ،وأبنائها الذين سينهضون بها قريبا إن شاء الله ،وهذا قدر ،ونحمد الله أن جاء هذا الرجل المريض وجماعته قريبا لكى تنتهى سيرتهم السياسية واحلامهم فى حكم مصر للأبد .


2   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الثلاثاء 04 ديسمبر 2012
[70458]

أخي الفاضل الدكتور / عثمان محمد على ـــ اتفق معك تماما ولذلك كان العنوان

أخي الفاضل الدكتور / عثمان محمد على


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ادعو الله العلي القدير ان تكون بخير وعائلتك الكريمة جميعا هذا اولا


ثانيا: انا متفق مع حضرتك تماما فيما قلته وما كتبته في هذه القصة يختلط فيه الواقع بالخيال ولا أدعى أن كل ما جاء في هذا التشبيه هو سليم أو موجود أو مطابق للواق مائة بالمائة ولكن على الأقل حاولت التعبير عما يجري في صورة بسيطة ليفهمها أبسط الناس


وما دفعنى لكتابة هذه القصة المتواضعة أنني قبل خمسة أيام كنت عند الحلاق وهو شاب بسيط جدا ومؤدب وليس له أي انتماءات سياسية أو دينية سألني عما يدور وما يجري في مصر ولأنه شخص بسيط جدا قلت له باختصار هذه القصة في صورة أن أب يعول أسرة ويهمل في النفاق عليهم وتوفير احتياجاتهم اليومية ورغم ذلك يريد أن يتحكم فيهم ويفرض عليهم سلطته فاقتنع وأعجبته الفكرة وقال فعلا كلامك بسيط وواضح جدا عجبتني الفكرة وقررت إعادة صياغتها في مقال لكن مع مراعاة أن ابين أن ما في القصة لا ينطبق على الواقع كلية


وربنا جل وعلا ينقذ مصر وأهلها من هذه الجماعة وأهلها وعشريتها ورئيسها لتبدأ مصر في بناءدولة حقيقة تليق بالمصريين جميعا وتليق بتاريخ مصر العتيق ..


3   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الثلاثاء 04 ديسمبر 2012
[70459]

الأدب السياسي من أفضل وسائل التفهيم والتعليم.


 الأستاذ الفاضل / رضا عبدالرحمن كل عام وأنتم بخير بمناسبة اقتراب امتحان التيرم الدراسي الأول 2012 /2013م  ولعلك وأسرتك الكريمة بخير وسعادة.. والله أسال أن يجيب. 
 هذا مقال ينضوي على نوع من الأدب هو الأدب السياسي.. وهو كان سائد في عصور القمع والردع العسكري في أوروبا في العصور الوسطى وكذلك في ادب عبدالله ابن المقفع في كتاب كليلة ودمنة.

  حيث كان الأديب والكاتب السياسي يكتب ليعلم الناس التمرد والتفكر  ولكن بطريقة غير مباشرة خوفاً من بطش الحاكم أو السلطان.


  ومع عصر الحرية والسموات المفتوحة  وتلاشي الكثير من الخوف من قلوب المصريين بعد انتفاضات يناير قبل  الماضي، إلا أننا ما زلنا بمصر بحاجة ملحة لإعادة هذا النوع من الأدب السياسي إلى الشارع المصري والبيت المصري للتعليم والتفهيم وكشف المجرمين المتسربلين بالدين.


  والأدب السياسي فيه من التمثيل والتشبيه وخلط الواقع بالخيال والممكن بالمحال.. حتى تتضح الصورة والمشهد الاجتماعي والاقتصادي لأبسط العقول لهذا المجتمع المصري الحبيب.


  ولنا في رائعة الكاتب الانجليزي (جورج أورول) قد  ألف في سنة 1948م رائعته (أنيمال فارم) أو مزرعة الحيوانات  وهى رواية وقصة من الأدب السياسي الرائع الذي فضح فيه الماركسية والشيوعية والاشتراكية فضيحة .. سقطت على أثرها أوهام كثيرة كانت سائدة في أوروبا في ذلك العصر.


 نحن بحاجة  إلى جوروج أورول جديد بمصر يزيل اللبس والغموض عند جموع المصريين ونحن بحاجة إلى  أنيمال فارم جديدة مكتوبة بطبيعة مصرية ومفردات مصرية تعلم وتفهم وتحرر العقول المصرية من أسر الوهابية السنية الحنبلية.


 شكرا لك وأتمنى لك المزيد من الرفعة والرقي في كتاباتك وفي توجهاتك التنويرية وجعله الله تعالى في ميزان حسناتك وخالص الأمنيات لك ولأسرتك الكريمة.


4   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الثلاثاء 04 ديسمبر 2012
[70460]

أخي الفاضل دكتور / محمد عبد الرحمن ــ أشكرك جدا

الأخ الفاضل / دكتور ـ محمد عبد الرحمن


السلام عليكم ورحمة والله


أتمنى لك الصحة والعافية ولجميع أفراد أسرتك الكريمة حفظكم الله من كل سوء


بكل امانة لا أخفيك سرا لقد كتبت هذه القصة بصورة عفوية والسبب الرئيسي هو ما قلته فيتعليقي السابق ، ولا أكذب حين أقول انني لم أقرأ في الأدب السياسي الذي وضحته أعلاه لكن ما تفضلت به فتح أمام عيناي آفاق كبيرة للبحث والكتابة وتعلم أسلوب جديد في عرض الأفكار الاصلاحية التنويرية


وبخصوص رواية (أنيمال فارم) أو مزرعة الحيوان فقد حملت هذه الرسالة في عام 2000 تقريبا لكني لم أقرأ ما فيها وذلك حين كنت في المدينة الجامعية وكانت هذه الرواية في بيتكم وحضرتك طلبت مني إحضارها مع بعض الكتب الأخرى وحملتها مع كتب أخرى لتوصيلها إليك لكني لم أقرأها حتى اليوم


وفي الحقيقة تشجيع هذا سيساعدني في استعادة عافيتي الفكرية والذهنية لاستعادة مستواي في الكتابة والبحث لأنني ومنذ أكثر من خمسة أشهر أمر بظروف نفسية سيئة جدا أدخلتني في وعكة فكرية وذهنية أسوأ


أدعو الله أن أتخلص من هذه الحالة وأكتب ما ينفع الناس ...


5   تعليق بواسطة   الشربيني المهندس     في   الثلاثاء 04 ديسمبر 2012
[70464]

عن النهاية

قصة بلغة سهلة وسرد ببساطة لكنها تفتقر الي جماليات السرد واساليبه لتشويق القارئ 


النهاية لا تتسق مع هذا الاب المغيب فلا حادثة تهزه ولا مشكلة تؤرقه


الفن لا ينقل الواقع بحذافيره لكن بطريقة غير مباشرة


المهم الرسالة واصلة وتحياتي


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-08-21
مقالات منشورة : 258
اجمالي القراءات : 3,627,881
تعليقات له : 2,475
تعليقات عليه : 1,178
بلد الميلاد : مصر
بلد الاقامة : مصر