غرائب ومعتقدات وفواجع فى عصر قايتباى

آحمد صبحي منصور في الإثنين 15 اكتوبر 2012


كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى):دراسة فى كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى .

الباب الثانى : أحوال الشارع المصري في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى:

الفصل التاسع غرائب ومعتقدات وفواجعفى عصر قايتباى

معتقدات إجتماعية :

عرضنا لبعضي المعتقدات السائدة في العصر المملوكي وهى الخوف على السلطان إذا كان العيد يوم جمعة وخطب فيها خطبتان، خطبة صلاة العيد وخطبة صلاة الجمعة، ومنشأ ذلك إلى ما تعود الخطباء من الدعوة للسلطان القائم، ومجيء خطبتين في يوم واحد يشير إلى احتمال قيام سلطانين، أى قيام فتنة وذهاب السلطان والاتيان بسلطان آخر. وفي عصر عرف الصراعات السياسية المسلح كالعصر المملوكي التى كانت تعنى حروبا وفتنا وفوضى وسلبا ونهبا للبيوت والمتاجر كان لا بد أن يفتقد  الناس فيه الأمن، وكان أرباب السلطان هم أكثر الناس خوفا وقلقا وافتقاداً للأمن. من هنا كانت حساسية منصب السلطنة وما يتصل بها على المستوى الرسمى والشعبى ، مما سبّب رواج الاعتقاد فى خوف السلطان وآله من حدوث خطبتين فى يوم واحد .

أكّد رواج هذه المعتقدات سيادة دين التصوف السّنى الذى جمع نوعى الجهل السّنى والصوفى ، وتحالفا معا فى تهميش دور العقل فانفتح واسعا المجال الى الايمان بخرافات الكرامات وشتّى فنون التخلّف، والتى كان الشيوخ (العلماء ) أبرز المؤمنين بها . والعادة أن المعتقدات الاجتماعية تهبط بها الحياة الدينية حين يسيطر عليها دين أرضى مثقل بالخرافات وتحكم شيوخ الجهل. ثم تأتى سيطرة الظلم والاستبداد والصراع على السلطة فيتعانق الجهل مع الخوف والقلق . وفي هذه التربة القلقة العفنة ترعرعت معتقدات ضالة ، ومنها التطير أو التشاؤم .

التشاؤم والتفاؤل :

1 ــ إبن إياس فى تاريخه ( بدائع الزهور ) كان أكثر من إبن الصيرفى فى تعبيره عن المعتقدات الشعبية بسبب إرتباطه أكثر بالشارع المصرى ، حتى يتكرر تعبيره بقول ( أشيع ) أو ( شاع ) أى كان ينقل إشاعات الشارع المصرى القاهرى ويسجلها أوّلا بأول . كما يكثر فى تعبيراته القول بالتفاؤل،أو (تفاءل الناس) ، ومنه نفهم أنّ التفاؤل كان يعنى وقتها فى أغلب الأحيان الإثنين معا أى التشاؤم والتفاؤل ، لأن إيقاع العصر القلق الحزين غلّب جانب التشاؤم وجعل الناس يتشاءمون من تعبير التشاؤم نفسه ، فاستعملوا كلمة التفاؤل لتدل على المعنين ( تشاؤما ) من النطق بكلمة التشاؤم. أمّا ابن الصيرفى المنحاز الى طبقته من المشايخ فقد تناثر فى تاريخه بعض مظاهر(التشاؤم ) فيما يخص الطبقة العليا التى يتعلّق بأهدابها.ونعطى لها أمثلة.

2 ــ كان السلطان إذا وقع من على فرسه وانكشف رأسه تطير وتشاءم لأن ذلك قد ينبيء عن سقوطه من كرسى الحكم. ففى يوم الأحد 29 شوال 875 لعب السلطان قايتباى الكرة هو والأمير جانبك حبيب، فوقعت عمامة السلطان من على رأسه إلى الأرض، ( فاحتدّ وتسودن)على حدّ قول مؤرخنا. لماذا؟ لأنه تشاءم من ذلك. وفي يوم الثلاثاء الثانى من ذى القعدة 875 ( لعب السلطان الكرة ، على عادته، فتقنطر، ووقع على ظهره وسقط شاشه ( عمامته )عن رأسه ، ونزل الأمراء  عن خيولهم ، وبادرا لحمل السلطان ،ولم يحصل له أدنى شدّة ولا تشويش غير أنه احتدّ وتسودن..).. تانى.!!

3 ــ ومن هذه المعتقدات التشاؤمية أنه إذا ماتت سيدة في دار يوم السبت فإن كبير الدار يموت بعدها، وكان  على هذا الاعتقاد بعض كبار الأشياخ مثل قاضى القضاة إبراهيم الديري ت 876، وقد  تولّى نظارة الجيش في سلطنة الأشرف اينال، ثم تولّى كتابة السر في سطنة الظاهر جشقدم بعد أن أقنع السلطان أن أخاه كاتب السر قد عجز عن تلك الوظيفة، ودفع رشوة، وتولّى بدله ، ولكن ما لبث أن عزله السلطان عن كتابه السر بعد قليل، والسبب في عزله ذلك المعتقد المضحك، فقد ماتت السيدة والدة أحمد بن العينى وأخرجوها من الحريم السلطانى بالقلعة، وجلس الأمراء والقضاة والمباشرون ينتظرون خروجها والسير في جنازتها، وتكلم إبراهيم الديري كاتب السر مع الداودار الكبير وقتها وأسرّ إليه بتلك الحكمة الغالية؛ قال له:( إن العادة إذا خرجت ست يوم السبت من مكان أو دار يتبعها كبير ذلك المكان )، فقال له الداودار الكبير:"إذا فالسلطان يتبعها، أو يموت بعدها":، فقال له: نعم، فلما انقضت الجنازة والدفن صعد الداودار للسلطان وأخبره بتلك المقالة فاستفتي السلطان بعض الأشياخ ، فوجدوها فرصة للإيقاع بالديرى ، فأفتوا للسلطان بأن هذا الكلام لا يُعبأ به، فعزل السلطان إبراهي الديري عن كتابة السر.

معتقدات فى الكواكب ورصد لها :

1 ـ  في ليلة الخميس 15 جمادي الثانية 876 يذكر ابن الصيرفي أنه ( خُسف جرم جميع القمر بعد عشاء الآخرة بأربعين درجة وقيل ثلاثين، واستمر نحواً  من ثلاثين درجة، وعملوا النسوة عادتهم القديمة القبيحة من ضربهم على الأوانى النحاس وهو محمّر جميعه. ). وكانت لا تزال تلك العادة في الريف فى طفولتنا. ولعلها زالت فى عصر الانترنت.وفي يوم الأحد 16 ذى الحجة 885/17 أمشير "نزلت الشمس برج الحوت والمثل الساير يتمثلون فيه أنها تقول للبرد: موت".).

2 ــ كان العصر وقتها أسير الاعتقاد فى الكواكب ، لذا نجد مؤرخنا يهتم برصد حركات الكواكب  ويسجل ذلك في تاريخه سواء كان ذلك عادياً أو غير عادي. عن ليلة الخميس 15 محرم 873 ، يقول : ( خُسف جميع جرم القمر بالقرب من عقدة الرأس، وهو في الدرجة الحادية والعشرين من برج  الدلو، وابتدأ به الخسوف على مضى سبع ساعات ونصف الساعة من الليلة المذكورة، وكان انتهاؤه من ناحية  الشرق للجنوب، وتم خسوفه  عند انتهائه واستغرق جرمه في السواد على مضى ثمانى ساعات وثلث ساعة ودقيقة، وانجلى إنجلاء  تاماً بعد شروق الشمس بأربع درجات، وكان لونه في وسط خسوفه أسود  تعلوه خضرة، ثم  تغير إلى لون مركب بين السواد  الخضرة والصفرة.). وبرغم أن ابن الصيرفي استعمل لغة عصره وبعض مدلولاتها  الحسابية تختلف عن  مدلولاتها في عصرنا، إلا أنه أورد وصفاً تفصيلياً دقيقاً يعطينا الثقة في أخباره الفلكية الأخرى. يقول في ليلة السبت المذكور الذى هو رابع عشرة (14رجب) 873 : ( خُسف جميع جرم القمر، وكان ابتداء الخسوف بعد الغروب بعشرين درجة وربع درجة، ثم خذ في الإنحلال إلى ستين درجة  ودقائق.).

3ــ ويذكر ابن الصيرفي ظاهرة فلكية غريبة حدثت في أول شعبان 876، يقول :( ظهر هيئة نجم من الغرب وقيل أنه صار يطلع من الشرق نصف الليل ويستمر إلى بعد الآذان وله ذنب فيه شعاع نور زائد مستطيل أطول من رمح . وتعجب الناس من ذلك وصاروا يلهجون  بالأقاويل الكاذبة التى لا يعول عليها.).

هل كان ذلك النجم هو مذنب هالى؟.!. إن مذنب هالى يزور الأرض كل 76 سنة، والحادثة المذكورة يوافقها تاريخها 15 يناير 1472م، ومعناه أنها لا تنطبق على موعد زيارة هالى، والأمر متروك لعلماء الفلك. ويكفي ابن الصيرفي فخراً أنه وصف ما يراه بدقة، وهو قد سار في ذلك على نهج أستاذه  المقريزي الذى إهتم برصد هذه الظواهر الفلكية في حوادث تاريخه "السلوك".

غرائب

1 ــ وجاء مؤرخنا ببعض الغرائب الأخرى: ففي يوم الجمعة 16 ربيع ثانى 875 بيع صندوق  بباب الجامع الأزهر مرات عديدة وفي كل مرة  يرده المشترى، وأخذه بعضهم  وجعل يعبث في أدراجه فوجد فيه ركناً مخفياً فإذا به كيس به ستمائة  دينار وستون دينار ذهباً، وهى حكاية غريبة ذات نهاية سعيدة. وليس مثلها كل الحكايات ، ففي شهر ذى الحجة 885 ذكر ابن الصيرفي أن شخصاً ساكناً ( بحانوت بجوار رأس سوق أمير الجيوش، وبجوار الحانوت سرداب قد نظّفوه وغطّوه ، فقام ذلك  الشخص في الليل ليقضى حاجته، فسقط في السرداب فمات وذهب دمه هدراً  ..ولا قوة إلا بالله .).!. ويقول : ( وهذا السرداب الحاكمي، أخبر جمال الدين يوسف بن تغري بردي في بعض مؤلفاته أن هذا  السرداب سقط فيه قطار جمال محملين بالتبن وماتوا ولم يظهر لهم أثر ولا يعرف لهم خبر. ). وجامع الحاكم الفاطمى لا تزال تحوطه الأسرارمثل صاحبه الخليفة الفاطمى المعتوه ، ومن بينها وجود السراديب. والسرداب من خرافات التشيع الكبرى .

2 ــ ومن غرائب المواليد في عصر قايتباى ما حكاه ابن الصيرفي في أحداث الخميس 20 محرم 875 يقول : ( وبلغني ممّن أثق بنقله أن امرأة من مدة ستة شهور ولدت ولداً بلا يد ولا رجل  ولا ساق والحكم لله والواحد الخلاق.). ويقول في أحداث يوم الخميس 27 ذى الحجة 876 : ( وضعت امرأة أربعة أولاد في بطن واحدة : اثنان ذكور واثنان إناث، ووالدهم فقير من حارة باب اللوق، فوقف بهم السلطان فلما رآهم قال لأبيهم: أنت شاطر. ورسم  له بعشرة دنانير وخمسة أردب قمح على ما بلغنى من  عدة خلائق، ومات منهم بعد ذلك اثنان، والله المستعان.). كأنه لابد لأحدهم أن ينجب أربعة كى يحظى بلفتة من السلطان وعشرة دنانير وخمسة أردب قمح علاوة. ولو لم يقف للسلطان ما روي ابن الصيرفي ذلك الحادث، وما كانت إحدى الغرائب.

3 ــ ومن مواليد البشر إلى مواليد الحيوان في عالم الغرائب. ويذكر ابن الصيرفي خبراً يؤمن بصدقه لأنه منسوب لأحد الأولياء الصوفية الذين كانوا يتمتعون بإعتقاد الناس وقتها وتصديقهم لكل ما يهرفون به ، ولكن لنا كل الحق في تكذيب هذا الخبر برغم أنف  إبن الصيرفى . يقول في أحداث شعبان 875: ( وحدث في هذه الأيام أمور تؤذن باقتراب الساعة ، منها أن السيد الشريف الوفائي نائب قاضى الحنفية أخبرنى بحضوره أن الأمير تمر المحمودى حاجب الحجاب شاهد عنده بغلة ولدت وعاش الولد أياماً ومات بعد ذلك.). ومع ذلك فإن الساعة لم تقم بعد. رغم أنهم جعلوا البغلة تلد.

4 ــ ولكن ابن الصيرفي يذكر واقعة غريبة رآها بنفسه ولم يحكها على لسان غيره، يقول في أحداث يوم السبت 14 شعبان 876 ، ( فى هذا اليوم رأيت عجيبة من مخلوفات الله تعالى ، وهو أن شخصاً من أصحابي الأفاضل أعزّه الله ، أحضر لى في مجلس الحكم ( أى محلّ عمله فى المحكمة قاضيا يحكم بين الناس) بباب القنطرة ، عجلاً صغيراً وعدلة بيد واحدة ورجلين واليد الواحدة أغلظ من الرجلين والجبهة واليد الأخرى التى من جهة الشمال لا أثر فيها ولا كتف ولا لوح، فسبحان الخالق..). وذلك معقول.

ومن الغرائب إلى الفواجع:

1 ــ وبعضها يجمع بين الغرائب والفواجع معا، مثل غرائب المناخ التى تتسبب في كوارث وبعض المنافع.

في أخبار الأربعاء 17 ربيع ثاني 874 ( أمطرت السماء مطراً غزيراِ ، يومين وليلتين ، آخرهم يوم الخميس المصبحة عن التاسع عشر من شهر تاريخه حتى دلقت البيوت ووهى بنيانها من كثرة الهواء والمطر، وحكى غالب الناس أن لهم سنين عديدة ما رأوا مثلها، وأخبر الفلاحون وأهل البلاد أن قد حصل لهم بهذا كثير في مزارعهم وزرعوا الأراضي العلو التى ما وصل إليها البحر، وحصل لهم بها فرح وسرور، ومع هذا فالأمطار قد ملأت الأسواق والدروب ، والناس يخوضون في ذلك قريب أوساطهم، والخبز لا يوجد ، والناس يزدحمون عليه في الأفران ، وهو أسود كمكم، والرطل بسبعة ونصف فلوس، وأما الفقراء والمساكين ففي أمر عظيم، والأمر إلى الله العلى العليم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ). كانت تلك الأمطار كارثة للقاهريين وكانت فائدة للفلاحين زرعوا بها الأراضي المرتفعة كما قالوا.. وقاسى القاهريون من أزمة الرغيف، وكان المساكين أكثرهم معاناة، وكأنما يصف ابن الصيرفي أحوالنا اليوم عندما نفاجأ كالعادة بهطول الأمطار ونشأة البرك والمستنقعات ، وتغرق القاهرة فى ( شبر ميّه )..وفي لية الأربعاء 25 شعبان 876 أمطرت السماء مطراً متراسلاً واستمر إلى ليلة الخميس 26 شعبان فعمّت البلاد ، وحصل بها نفع وبعض الضرر، وانهدم من الأماكن البيوت بسبب ذلك عدة، وامتلأت البلاد بالطين والوحل ولم يعهد مثلها إلا نادراً.). هكذا قال إبن الصيرفى.وكالعادة قد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد، والفلاحون يستفيدون من المطر أحياناً ولكن القاهريون يسوؤهم المطر دائماً، ولا يوجد في الدنيا الشرّ المحض أوالخير المحض، فكل شيء نسبي.

2 ــ وبالإضافة للأمطار الغزيرة التى نفاجىء المصريين دائما فإن رياح الخماسين قد تأتى شديدة مزعجة تتسبب في هدم بعض الأماكن ، كما حدث يوم الجمعة 9 ربيع الأول 877، يقول ابن الصيرفي: ( ومضى من الخماسين 48 يوماً، وحصل شعث زائد وهواء مزعج جداً ، بحيث سقط منه أماكن مخلخلة، وحرقت منه دُور، ورسم السلطان بنصيب خيمة المولد النبوي بالحوش السلطانى على العادة، فلما انتهوا من نصبها انكسرت أعمدتها وسقطت من عظم الهواء والرياح التى كانت ، فاحتاج السلطان نصب خيمة جديدة صنعوها له غير أنها أصغر من تلك، ثم جاءت مع الخماسين هبة مطر شديدة يوم 13 ربيع الأول 877، ولكنها جاءت بفائدة إذ ساعدت على التخلص من أسراب الجراد.

3 ــ وحوادث الغرق في النيل كانت أبرز الفواجع، وكانت تتكرر، ولا تزال.. وربما لنفس الأسباب أن تحمل المركب فوق طاقتها فتغرق بمن فيها. في أوائل شهر ذى القعدة 876 ركب بعض التجار مركباً في النيل وكان معهم عبيدهم من السودان بالإضافة إلى أحمالهم وأثقالهم من المنسوجات والمتاع والأموال، بالإضافة إلى ذلك جميعه كان في المركب ركاب من الناس، ولأن الحمولة كانت فوق طاقة المركب فقد غرقت بهم المركب عند بيسوس، ولم ينج منهم إلا ثلاثة. وبلغ السلطان الخبر فأمر ابن غريب الاستادار أن يتوجه إلى المكان ومعه القاضى ابن الأمانة وبعض الغطاسين لانقاذ السلع، لا الجثث، يقول ابن الصيرفي "فتوجهوا وحضروا أخر النهار ولم يظفروا بطائل ولا نائل إلا قدر يسير من قماش وغيره.

وحتى الزوارق الصغيرة التى تصل بين شطى النيل كانت ــ ولا تزال ــــ تحمل أكثر من طاقتها، وينتج عن ذلك غرقها بمن فيها، كما حدث ليلة الجمعة المصبحة عن 7 صفر 876، يقول ابن الصيرفي (غرقت المعدية المتوجهة لأنبوبة، (أى امبابه) بجميع من فيها من الرجال والصبيان والدواب، ولم يطلع منهم إلا الغرقي الذى لهم أهل، وبقية الغرقي استمروا طعماً للسمك ، ودخل بعض الغرقى من باب القنطرة فشاهدناهم وقد انتفخوا وانتنوا. وكانت تلك المعدية تحمل الناس والدواب فوق طاقتها فغرقت، والغرقي الذين لهم أهل وجدوا من يستخرج جثثهم، أما الباقون فلم يأبه بهم أحد ، وتركوا جثثهم تأكلها الأسماك وقد انتفخت وانتنت، وشاهدهم الناس وقد حملهم الموج إلى امبوبه إلى باب القنطرة .)

كان مؤرخنا ابن الصيرفي وسط الجمهور الذى يتفرج على تلك الجث الآدمية، ومقر عمله قريب من ذلك المكان، ولم يحاول أحد أن يكرّم أصحاب تلك الجثث بإخراجها ودفنها، وإنما شاهدوها وتفرجوا عليها فقط، بالضبط كما كانوا يشاهدون ويتفرجون على المحكوم عليهم بالإعدام وهم يطاف بهم والمسامير تثبت أطرافهم على الخشب المحمول فوق الجمال.ففي عصور القهر والاستبداد يتبلد الاحساس وتسود نغمة "وأنا مالى" ويبحث كل إنسان عن مصلحته ويقول "إذا جاءك الطوفان فاجعل بنك تحت قدميك" وهذا ما يناقض الإسلام، وما يناقض شريعته الحقيقية التى تكرّم بنى آدم . وعندى أن الإسلام دين الله الذى جاء به كل الأنبياء هو ذروة الحضارة، وذروة التكريم للإنسان وأخطر ما يبتلى به الإنسان والإسلام أن يرفع البعض شعاراته ويطبعها تطبيقاً أعوج ليكرس الاستبداد والطغيان. ونعود إلى فواجع الغرق. في صفر 877 ( غرقت معدّية بنهر النيل فيها عدة أنفس من رجال وصبيان ونساء وغرق فيها شخص من جماعة قاضى القضاة، قطب الدين الخيضرى أعزه الله .)ـ هذا ما سجله ابن الصيرفي.

4 ــ ومن الغرق الى سقوط البيوت والدّور والمنازل . وفي يوم الاثنين 14 ربيع الآخر 876 ( سقط بيت في النيل، وغرقت امرأة وطفل، واستخرجوا المرأة ولم يعرفوا للولد أثراً .)، وفي هذه السنة 876 كثرت حوادث الغرق في النيل، يقول ابن الصيرفي: ( "وفي هذه السنة كثر غرق الناس بالبحر والخلجان حتى النسوة .! والأمر لله .!!). وسقوط المبانى فوق رؤوس الناس كانت من الفواجع التى تحدث في عصر قايتباى، وفي عصرنا أيضاً بطبيعة الحال، ولكن لم يكن السبب في عصر قايتباى هو مخالفة رخصة البناء أو الغشّ في مواد البناء أو فساد الذمم والضمائر لدي المقاولين والمهندسين والموظفين. فهذا من مناقب عصرنا الراهن. فى يوم الأربعاء 17 رجب 876 ( وقع بناء يقع موضعه في مقابل المدرسة التى بالأرباين ). هكذا يقول ابن الصيرفي، ومات تحت الهدم أربعة أنفار من المسلمين. وفي يوم 20 شوال 876 صعد نجار إلى سطح القلعة ليهدم بعض أطباق المماليك السلطانية فسبقه الهدم وسقط عليه، وكان ذلك أخر الليل، يقول مؤرخنا:  ( فبات تحت الهدم ، واصبح أهله وأولاده فوقفوا للسلطان ، فرسم بمائة دينار يشتري به مكان لبيت الميت، ورسم للميت بثوب بعلبكي وثلاثة أشرفية "(الأشرفي عملة صغيرة ) لخرجته ( أى لجنازته ) ومصروفه فنصره الله، وجزاه خيراً ) وهذا هو كل ما حصل عليه أهل الميت الذى فقد حياته في خدمة السلطان وفي العمل في القلعة، هذا كل ما حصل عليه الورثة من إصابة العمل لعائلهم.

5 ــ ونختم الكوارث بكارثة الكنافة في باب اللوق.

يقول ابن الصيرفي في حوادث رجل 875 واتفق في هذه الأيام أن جماعة بباب اللوق أكلوا كنافة وكانوا نحو سبعة أنفس فمات منهم خمس أنفس والإثنان الباقيان في السياق، ( أى على وشك الموت)، ولا ريب أنهم ماتوا..) كما مات ابن الصيرفي وكما سينتهى كل ما عليه، وسبحان الحى الذى لا يموت.

غارات الفرنجة البحرية:

1 ــ وفي عام 876 أضيفت إلى الفواجع غارات الصليبيين الفرنجة البحرية على المواني المصرية.

وقد بدأ ذلك بعد منتصف شهر ذى الحجة 876، وقد قال ابن الصيرفي متألماً : (ما هذه الفتن في هذه الأيام إلا كثيرة، الفتن مرّة من بنى حرام بالشرقية، ومرة من عُربان قبلي، ومرة من المخذول شاه سوار، وهذه المرة من الفرنج، فالله يلطف ويدبر بحق محمد وآله آمين. وقد حضر وفد من أهل رشيد للسلطان وأخبروه أن خمس مراكب من الإفرنج تعرضوا لمركبين من مراكب التجار المسلمين وأخذوهم فوقع بينهم قتال شديد، إلا أن أهل رشيد أخذوا من الفرنج مركباً واحداَ، وأخذ الفرنج المركب الأخرى وما فيها من المسلمين.).ويقول ابن الصيرفي : ( وبلغني ممن أثق بنقله ) ولا ريب أنه كاتب السر ابن مزهر الأنصاري الذى أبلغ مؤرخنا بذلك، ( أن السلطان لما بلغه ذلك انزعج انزعاجاً شديداً وحلف أنه لولا لمهم أى الانشغال الذى هو به من متعلق المملكة لكان بنفسه. )، أى لكان هناك بنفسه.

2 ــ ثم ورد يوم الخميس 20 ذى الحجة 876 أن الفرنج أخذوا مراكب للمسلمين من ميناء دمياط أو ميناء الطينة، بسيناء، يقول ابن الصيرفي : ( فشقّ ذلك على كل من يسمعه من قريب أو بعيد ، والحكم لله يفعل ما يريد.). وواضح أن مؤرخنا يصف المراكب المصرية بأنها مراكب المسلمين، طالما يتعلق الأمر بالحرب ضد الأوربيين الذين يسميهم بالنصارى ، وتلك شريعة السّنة التى تقسّم العالم الى دارين : دار السلام والسلام والاسلام ، ودار الحرب والكفر. ويحتفظ الأوربيون للمسلمين بنفس الشعور . وذلك هو النبض السائد في مجتمع العصور الوسطي، حيث الحروب الدينية والمحاكمات الدينية ، وحيث يسيطر الدين الأرضى على كل شيء، وطبقا لشريعة السنيين كانت تضاف كلمة الدين للألقاب والأسماء، ففلان هو زين الدين أو عماد الدين أو صلاح الدين، ومع ذلك فالسلوك والمعتقدات أبعد تكون عن حقيقة الاسلام وسماحة الاسلام .

3 ــ وفي يوم الأربعاء 26 ذى الحجة وصلت بشري من نائب الإسكندرية المملوكي تفيد بأنه تم القبض ( على مركب من مراكب النصاري المفسدين بالبحر، وأنهم غنموهم وغرقوا المركب ، وقتلوا منهم نحو من ثلاثين نفراً وأسروا عشرة أنفار.). ثم في يوم الخميس 27 ذى الحجة بعد العصر وصل مبعوث من نائب أو حاكم الإسكندرية ومعه الأسرى الفرنج في الحديد ليعرضهم على السلطان، وحدثت مشكلة بسبب ذلك. فالذى حدث أن الذين هزموا الفرنجة وأسروهم لم يكونوا جند المماليك وإنما كانوا من أهل اتكو (ادكو) وقد جاء وفد منهم للسلطان يخبره بما حدث، بينما أرسل الأمير قجماس يعلم السلطان أنه هو الذى قبض على الفرنج وأخذ مركبهم، وزاد في رسالته للسلطان أن أهل اتكو (ادكو) قد تعدّوا ونهبوا ما في مركب الفرنج، وهذا في حد ذاته يفيد الاعتراف بأنهم الذى هاجموا الفرنج وغنموا المركب، ومع ذلك فإن السلطان وقد تأكد من أن المصريين من أهل أدكو هم الذى حاربوا الفرنج وهزموهم فإنهم كافأهم بأن أمر بسجنهم في سجن المقشرة أسوأ السجون المملوكية وأفظعها. هذا لأن فلسفة الحكم المملوكي أن وجودهم قائم على أساس أنهم القوة الوحيدة التى تحكم المصريين فلا ينبغى للمصريين أن يستعملوا السلاح أو أن يتعاملوا مع أى تدريب عسكري حتى لو كان في خدمة الدولة المملوكية أو في قتال أعداء الوطن، لأنه إذا عرف المصريين الدفاع عن أنفسهم فلا حاجة حينئذ للوجود المملوكي، ولذلك فإن قايتباى حين كافأ شجعان أدكو على هزيمتهم للفرنجة بالسجن مع نفس الأسرى الفرنج في المقشرة إنما كان يدافع عن وجوده هو وعن وجود جنس المماليك وتلك الطبقة الأجنبية العسكرية التى تحكم المصريين بقوة السلاح ولا تزيد أن يشاركها المصريين في حمل السلاح.

ومؤرخنا ابن الصيرفي ذكر الحادثة وتأسف على ما حدث لمجاهدي ادكو من المصريين ودافع في نفس الوقت عن السلطان قايتباى دفاعاً أعوج، يقول : ( وحضر أهل اتكوا وقالوا أنهم هم الذين قبضوا عليهم، ولما عرضوا الفرنج على السلطان كما قدمنا وصحبتهم أهل ادكوا، وكان قجماس عرف السلطان أن أهل اتكوا تعدّوا ونهبوا ما في المركب ، فلما وقفوا بين يدى السلطان رسم ( أى قبض ) على جماعة منهم من أكابر أهل اتكو، وأودعوا الفرنج سجن المقشرة، فما هان على غالب الناس الترسيم على أهل اتكو فإنهم مجاهدون وصلحاء وصنعوا جميلاً، غير أن مولانا السلطان نصره الله غُطي عليه في أمرهم، وأصبح يوم الأحد سلخه فطلب السلطان الفرنج المسجونين بالمقشرة فأسلم منهم ثلاثة فأطلقوا وسجنوا من تأخر بلا إسلام بالمقشرة.)

أى أطلق بعض الأسرى الذى نطقوا (بالشهادتين)، بينما ظل المجاهدون المصريون في السجن.!!

 وحدث بعدها في شهر ربيع الأول 877 ( وصل إلى دمياط مركب عظيم مشحون بالبضائع وفيه عدة من المغاربة التجار فأخذه الفرنج بتمامه وكماله ولم ينتطح فيها عنزان ) على حد قول ابن الصيرفي .

من يدري؟. ربما انطفأت الروح المعنوية لأهل دمياط بعد ما حدث لأهل ادكو. فاعتمدوا على المماليك فلم يغن عنهم المماليك شيئاً..

وهذه خاتمة الفواجع.

  1. الهصر: 281، 283، 447، 366، 495.
  2. الهصر: 10، 53، 402، 219، 506، 196، 444، 248، 403.
  3. الهصر: 152، 153، 405، 478، 481.
  4. الهصر: 428، 326، 475، 338، 333،
  5. الهصر: 389، 423، 424، 242.
  6. الهصر: 441: 445، 481. 
اجمالي القراءات 10995

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الإثنين 15 اكتوبر 2012
[69450]

حقيقة سيكولوجية علمية مسجلة .. وفاة أحد الزوجين الكبار يعجل بوفاة الآخر..


 الدكتور / أحمد صبحي منصور .. في مقالاته يعيدنا إلى محاضرات الطب النفسي في الجامعة والتي كان يلقيها الدكتور / محمد شعلان .. ومما ذكره في أحد محاضراته أن الزوجين بعد زواج  ناجح  دام لأكثر من ثلاثين عاماً  تأخذ تعبيرات وجهيهما تشابهاً كبيراً  ونغمة الصوت تتشابه كثيراُ و يتأثر السلوك   وحركات الجسد حتى يؤدي ذلك إلى الايهام بأنهما أخذا ملامحاً للوجه تقترب كثيرا من بعضهما البعض ..
 ليس هذا فحسب بل إن أحد الزوجين عندما يموت .. يموت الآخر بعده حزنا وكمدا ولوعة عليه ولا يطول العمر إلا بضعة أسابيع  وفي بعض الأحيان بضعة أيام..
 وهذه حقائق ملموسة.. في أحيان كثيرة..
 وهذا الموت المصاحب لموت أحدهما يكون بسبب الاكتئاب الشديد والحزن  المميت..
 ولو  تعلم المصريين تعليماً حقيقيا وأعملوا عقولهم وقتها و في  يومنا هذا لفهموا تلك الحقائق.. لكنهم هجروا القرآن الذي ينير العقول والبصائر.. واستجاروا بالبخاري وخرافات التصوف ... ووصلوا إلى التطير والتشاؤم والتفاؤل .. وخمسة وخميسة..
 حتى ان  من ضمن الدعاية الانتخابية للإخوان السلفيين وقت الانتخابات الرئاسية.. فتوى سلفية سنية إخوانية مكتوبة بخط قذر على سور السكة الحديد في شارع أحمد حلمي  في عشران اللافتات ..و تقول الفتوى ( أخي السائق إعلم أن  الـ خمسة وخميسة حرام  شرعاًـ)..!
 هذا هو ما  آل إليه حال المصرين عشية انتخاب  رئيس إخواني..
 شكراً لك أستاذنا العزيز.

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4380
اجمالي القراءات : 41,052,571
تعليقات له : 4,657
تعليقات عليه : 13,546
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي