فضيحة القضاء الشرعى السّنى عام 876 فى عصر قايتباى

آحمد صبحي منصور في السبت 22 سبتمبر 2012


 

كتاب ( المجتمع المصرى فى ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى):

دراسة فى كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى .

الباب الأول :طوائف المجتمع المصري في ظل تطبيق الشريعة السنية فى عصر السلطان قايتباى

الفصل الحادى عشر:( فضيحة القضاء الشرعى السّنى عام 876 فى عصر قايتباى )

 السلطان قايتباى يعزل كل القضاة ويقضى بين الناس بنفسه.

بعد أن وصل إحتقاره لهم للذروة : السلطان قايتباى يتفحص بنفسه أحوال القضاة:

1 ـ ونتعرف على القشّة التى قصمت ظهر البعير : ففي يوم الأربعاء 28 جمادى الآخرة أمر السلطان بمنع القضاة جميعا من الحكم بين الناس ، وأمر قضاة القضاة أن يحضروا إليه بنوابهم بين يديه ليعرضهم ، أى ليستعرضهم جميعا أمامه ويحقق معهم بنفسه . ويوضح مؤرخنا السبب وهو أن آل الشحنة لم يعجبهم عزل السلطان للشريف الوفائى دموع يقول: "فما هان عزل الشريف على بيت الشحنة فسعوا بكل الطرق من الأمير تمر الحاجب ومن الأمير تنبك الداودار الثاني ومن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري فتكلموا مع السلطان مرتين أو ثلاث فما وافق على ذلك، فألحّوا عليه حتى أن الأمير تم المذكور قبّل رجل السلطان" .

وأدى هذا الضغط على السلطان إلى أثر عكسي فأعلن منع كل القضاة من الحكم ، وجمع كل القضاة برؤسائهم ليحقق معهم ، أو بتعبير ابن الصيرفى " أمر بأن ينادي في المدينة أن أحداً من القضاة لا يحكم حتى يصعد إلى السلطان. وكان هذا الأمر عاراً على جميع القضاة وقتها، ومنهم يومئذ مؤرخنا ابن الصيرفي القاضى الحنفي، ونقرأ ما كتبه في هذا الصدد يعبر عن أحاسيسه ، يقول:( وبات قضاة القضاة ونوابهم من كل مذهب بكل شر وسوء، فإن هذا عار عظيم وبهدلة زائدة وكسر قلوب لعباد الله المؤمنين ومعلوم كل ما يترتب من قوله ( ص): "هدم الكعبة حجراَ حجراً أهون عند الله من كسر قلب مؤمن " وما حصل للناس بواسطة عبد البر وصاحبه ، وكانوا سبباَ في قطع أرزاق المسلمين الذين لا يقدرون على إظهار السؤال المستحق غالبهم لتعاطى البر والصلات، والمسئول من وابل فيض دنيا الكريم الخلاق أن يحل هذه العقدة بإطلاق وأن يستمروا على حالهم ببركة المصطفي المنزَّل عليه ..والله المستعان ).هنا يتحفنا مؤرخنا بحديث بذىء منسوب للنبى عليه السلام فيه إهانة للكعبة ، لكى يهاجم قرار السلطان بطريق غير مباشر . وهو يعبّر عن الأسى الذى عمّ القضاة الذين خانوا أمانة الحكم بالعدل . هذا مع إنّ مساوئهم التى ذكرها ابن الصيرفى نفسه تشهد عليهم ، وطبقا لما ذكره هو بنفسه من مساوئهم كان عليه أن يمدح تصرف السلطان ويفرح به ، ولكن لأنه كان فاسدا مثلهم فقد غضب من القرار ، ولأنه أعجز من التصريح بغضبه فقد تحوّل الغضب الى ( أسى ) ، وقام بتصوير القضاة الفاسدين المنحلّين الظالمين ( مسلمين مستحقين لتعاطى البرّ و الصلات ) أى يجعل الرشاوى برّا وصلة .

2 ـ وبدأ عرض كل القضاة على السلطان . صعدوا للقلعة للعرض على السلطان يقودهم قضاة القضاء الثلاثة بدون قاضى القضاة الحنبلى الذى كان قد مات ولم يتم تعيين من يخلفه.  وكان منهم إبن الصيرفى التابع لابن الشحنة قاضى القضاة الحنفى. يقول مؤرخنا عن ذهابهم ليوم (العرض) مجللين بالخزى: ( فيه صعد قضاة القضاة الثلاثة وهم القاضى ولى الدين الأسيوطي الشافعي والقاضى محب الدين بن الشحنة الحنفي والقاضى سراج الدين عمر بن حريز المالكي ونوابهم، وكنت منهم ــــــــ فإن القاضى عز الدين أحمد العسقلاني من حين وفاته من حادي عشر جمادي الأولي ستة تاريخه والمنصب شاغر إلى القلعة ــــــــ ليهنوا السلطان بالشهر على العادة ، وجلسوا ينتظرون السلطان بالجامع هم ونوابهم ، ليعرضوا عليه حسبما برز المرسوم الشريف. ) وكان السلطان يحكم أحكامه السياسية في الاصطبل السلطانى فلما فرغ من ذلك طلب قضاة القضاة ونوابهم، يقول مؤرخنا:( فدخلوا وكاتبه معهم)،  يعنى نفسه.

3 ـ وكان بعض الفقهاءالذين ليسوا قضاة قد سبقوا القضاة في ذلك الوقت العصيب فصعدوا للحوش السلطانى وهنأوا السلطان ، ومنهم الأقصرائي وسراج الدين العبادي. وقد جلس سراج الدين العبادي مع قضاة القضاة في الجامع بالقلعة قبيل أن يصعدوا للسلطان ورأى ما فيهم من الاضطراب والوجل، فأرسلوه للسلطان كى يتوسط لهم عنده، فدخل على السلطان وقال له: ( أريد أن أتكلم بكلام على نوع الفضول إن رسم السلطان تكلمت به وهو نصح ،  فقال له: تكلم، فقال: "هذه الخرقة (أى الوظيفة ) أعنى خرقة الفقهاء رفيعة ") ، وصار يحكى له عن عزة القضاة في عهد جقمق والمؤيد شيخ، وقد حكى الشيخ سراج الدين العبادي أقواله تلك لمؤرخنا وسجّلها، وقد رد السلطان قايتباى على سراج الدين العبادى فقال له: يا شيخ سراج الدين أنا ما بهدلت الشرع والقضاة وإنما أريد أن يكونوا على الأوضاع".أى يريدهم صالحين . وأدت محاولة الشيخ سراج الدين العبادي إلى زيادة حدة السلطان فصار كاتب السر يترضّاه ويهدئه.. ثم قال سراج الدين العبادى للسلطان: ( يا مولانا أن الناس من باب المدرج إلى آخر باب النصر اجتمعوا لينظر ما يُفعل بالقضاة ومن ينزل منهم مجبور ومن ينزل منهم مكسور) .يقول مؤرخنا عنه:( ودعا له وإنصرف) أى دعا للسلطان ثم إنصرف، وعبّر مؤرخنا عن إمتنانه للشيخ سراج الدين العبادى فقال:( فجازاه الله خيراً عن المسلمين" آمين.).

4 ـ وبدأ عرض القضاة كل فريق بمذهبه وقاضى قضاته . وبدأ بالقضاة الشافعية، يقول ابن الصيرفى : ( ثم بدأ كاتب السر يستدعي القضاة واحداً واحداً ويعرضه على السلطان ) إلى أن وصل إلى القاضى فتح الدين السوهاجي فبمجرد أن سمع السلطان اسمه شاط وعاط على حد قول مؤرخنا ( وقال له: أنت تعمل الحر عبداً والمسلم كافراً والحق باطلاً! وما زال كاتب السر بالسلطان يهدئه إلى أن رضى عنه ولم يعزله.).واستدعى القاضى أبوبكر الأبشيهي الشافعي وهو مؤلف كتاب (المستطرف فى كل فنّ مستظرف) وقد حنق عليه السلطان وذكر عنه أموراً ووبّخه على حد قول ابن الصيرفى . وقد إرتجل الأبشيهى بيتين يتسول بهما عطف السلطان ، يقول:

لا تكسرن قلوباً قد أتيت بها
 

 

وقابلنها بحسن العفو والرحب
 

وعم بالخير من قد جاء منكسرا
 

 

وبالخصوص إذا ما كنت في رجب
 

 

5 ـ وبعد عرض القضاة الشافعية وموافقة السلطان عليهم بوساطة ابن مزهر كاتب السر بدأ ابن مزهر استدعاء القضاة الأحناف، وقد وضح غضب السلطان عليهم ؛ فقد وبخ وهدد القاضى ابن إمام الشخونية، وحين أبصر كمال الدين الطرابلسي سبّه وشتمه وقال لقاضى القضاة الحنفية: "من عمل هذا القاضى" هذا مع أن كل قاضى يتقدم للسلطان يتم تعريف السلطان به وبمن عينه، ولكن السلطان كان يقول "من عمل هذا القاضى ؟ " ليس للاستفهام ولكن للاستنكار والاحتقار".يقول مؤرخنا "ثم طلب الطولوني السمين الذى يجلس بحانوت مجاور لبيت الشيخ خير الدين السنسي.. فحين رآه سبه وعزله صريحاً وقال للقاضى الحنفي: من عمل هذا قاضياً ؟ فقال له: خير بك الداودار" ثم طلب ابن ظهير فلما رآه قال له: أنت مباشر لص وحرامي من عملك قاضياً، ثم التفت إلى مستنيبه أى قاضى القضاة الحنفى ابن الشحنة الذى جعله نائباً، وقال له هذا صهرك، فقال له قاضى القضاة الحنفي ابن الشحنة: ( أحضر لى خط الشيخ تقي الدين الشمني على كتاب الكنز باجازته له ) ، أى إنّه كانت معه إجازة علمية من الشيخ الشمنى بأنه درس كتاب ( الكنز )، وكان الشمنى متوفيا ،أى لا يصح طلب شهادته ، لذا قال قايتباى لقاضى القضاة الحنفى مستهزئا : (تحتج علىّ بالأموات؟ ) ( فلم يزل المقر الزيني يتطلف به حتى سكت )." فالسلطان سأل ابن الشحنة عمن أوصل ذلك اللص الحرامي إلى منصب القضاة وهو صهر ابن الشحنة، فاحتج ابن الشحنة بأنه أحضر له شهادة من الشيخ تقي الدين الشمني بأنه قرأ عليه كتاب الكنز في الفقه، ولما كان تقي الدين الشمني قد مات فإنه لا يصح الاستشهاد به في هذا المجلس فقال له السلطان: تحتج على بالأموات؟ ثم تدخل كاتب السر كالعادة حتى هدأ السلطان.

6 ــ ونمضى مع مؤرخنا وهو يصف المجلس الخطير، يقول "ثم طلب ابن الردادى فقال السلطان: من عمل هذا قاضياً ؟ فقال مستنيبه (أى قاضى القضاة ) سألنى فيه أكبر الشافعية سراج الدين العبادى ) إى إحتج بتوصية الشيخ العبادى . وجاءت لحظة عرض ابن الصيرفى نفسه على السلطان ، يقول عن نفسه : ( ثم ُطلب كاتبه ( يعنى ابن الصيرفي نفسه) من فوق المصطبه ، وأوصلني المقرّ الزيني حقي ، وقال عنى للسلطان: أنى من طلبة الشيخ محيي الدين الكافيجي وأنّه سأل في ولايتي ، وأنى قرأت على علماء ومشايخ منهم شيخ الإسلام ابن حجر، فلم يتكلم ببنت شفه ) أى إن السلطان لم يقل عنه ( من عمل هذا قاضيا ) . ونحن لا نستطيع تكذيب أو تصديق هذا لأن المؤرخ هو وحده الذى إنفرد بالرواية وكان شاهدا على هذا المجلس الخطير . ولكن نعترف بابن الصيرفى كاتبا ومؤرخا ودارسا على يد إبن حجر والكافيجى، هذا علاوة على صلته بكاتب السّر إبن مزهر الأنصارى الذى قال للسلطان إنه السبب فى تعيينه قاضيا . وإبن مزهر الأنصارى هو الذى أنقذ الكثيرين من جهلة القضاة فى يوم العرض هذا . يقول ابن الصيرفى عن سيده كاتب السّر ودوره فى إنقاذ كثيرين من منحرفى القضاة وجهّالهم : ( مع أن المقرّ الزينى ) يقصد ابن مزهر كاتب السر ( ستر على قوم من الشافعية والحنفية والمالكية، فمن الحنفية الشريف الوفائى المقسي وابن القصيف وغيره، وممن طلع ولم يقف للسلطان وتعلل بأنه حصل له قولنج خير الدير الرميثي الشافعي، وكان لما عرض القاضى بدر الدين الدميرى كتكوت قال له: أنت أيضاً قاضى؟ فقال: يا مولانا السلطان لى عشرين سنة قاضى، قال: يكفاك استريح- ثم عرضوا نواب المالكية فلم يقع فيهم كلام سوى أنه سأل عن واحد أو اثنين من ولاهم، وانصرف المجلس على ذلك.." ثم توسط ابن مزهر في إعادة الشريف الوفائى والميموني فوافق على عودتهما.

نوبة عدل تهبط على السلطان:

1 ـ وانتهر الناس الفرصة فهرعوا يستغيثون بعدل السلطان الذى نزل عليه فجأة، ويشتكون له ظلم القضاة وكبار وصغار الموظفين . يقول مؤرخنا عن أحداث يوم الثلاثاء رابع شهر رجب: ( كان الموكب السلطانى وكثرت الشكاوى على الأكابر والأصاغر.).وفى نوبة العدل هذه كانت محنتهم .

2 ـ ففي يوم السبت التالى ثامن رجب:( كانت الخدمة بالاصطبل على العادة وشُكى الاستادار وناظر الخاص وأمير آخور كبير وقاضى الشافعية وابن زوين كاشف الوجه الغربي). وأخذت السلطان نوبة العدل هذه فأخذ الظلمة من أعوانه بالشدة، وارتبطت هذه الشدة أحياناً بالعطف على الفقراء، يقول مؤرخنا: ( ووقف له جماعة من الفقراء بقصص- أى شكاوى- فرسم لغالبهم بدينار ورسم لشخص مقطوع الرجلين بثلاثة دنانير، وشُكى له ــ نصره الله ــ نائب غزه فجهز له بريدياً، وشكوا له قضاة حماة فرسم بإحضارهم".) أى أمر باعتقالهما وإحضارهما له من غزة ومن حماة .

3 ــ وفي يوم الاثنين 10 رجب وقف الشيخ عثمان الحطاب المقيم بالمدرسة السيفية أمام السلطان واشتكى أن الأمير تغري بردى المحمودى اغتصب من المدرسة السيفية إيواناً وجعله إسطبلاً . ( والشيخ عثمان الحطاب كان قائماً بتجديد المدرسة المذكورة وعمارتها ، وأقام بها خلاوى للفقراء ) أى حجرات للخلوة والعبادة الصوفية حسب المعتاد وقتها من إقامة المؤسسات الصوفية ( أو التكايا ) ليعيش فيها الصوفية وكان لقبهم ( الفقراء ) عالة على المجتمع يعيشون مجانا ويتبرك الناس بدعائهم . ونعود لمؤرخنا وهو يقول عن المدرسة السيفية والقائم عليها الشيخ عثمان الحطّاب : (وكان ينفق عليهم مما يصله من تبرعات المحسنين، وكانت المدرسة المذكورة في الأصل كنيسة وليس لها كتاب وقف) أى كانت كنيسة بلا مورد لها بالوقف والانفاق عليها ، فاستولى عليها من جعلها مؤسسة صوفية . وطمع الأمير المملوكي تغرى بردي المحمودى فى قطعة أرض بجوارها فاستولى عليها بإذن من القاضى ابن حجر المؤرخ والمحدّث المشهور ثم العيني ، وهو أيضا مؤرخ ، وكان هذا قبل عصر قايتباى.ثم أذن له البساطى وعز الدين المقدسي في عهد قايتباى. ولأن السلطان قايتباى لم يعد يثق في قضاته فإنه أرسل كاتب السر والداودار الثاني تنبك قرا لينظرا هذه القضية (ويعملا ً بالشرع فيها). ولم يحسما الأمر فغضب السلطان وقال :( أنا أرسل في قضية كاتب السر والداودار والحاجب وما ينقضى لى شغل؟ أنا أتوجه بنفسي، هاتوا الفرس . ) . وتدخل بعضهم ليثني السلطان عن عزمه، ولكن نوبة العدل التى حلت علي السلطان فجأة جعلته يصمم على الذهاب بنفسه للمدرسة ليحل مشكلتها، وتوجه معه موكب من كبار المماليك، ووصلوا للمدرسة وأرسل السلطان للقضاة الثلاثة (الشافعي، الحنفي، المالكي) فجاءوا بهم على وجه السرعة ووقف العوام ينظرون إلى القضاة وهم يسرعون بهم للسلطان، يقول مؤرخنا يصف ذلك المشهد وأهل القاهرة يشمتون بالقضاة ويشتمونهم : ( ومرّوا بالقاهرة والخلق من العوام والأوباش ينظرون إليهم ويقولون فيهم ما شاءوا وصار بعضهم ينسبهم إلى خراب الأوقاف وبعضهم ينسبهم إلى بيعها.)

وحدث أخذ ورد وجدال في القضية بسبب عجز القضاة عن الاتفاق على حكم ، وأثار ذلك السلطان فقال: ( قضاة القضاة يستحسنوا ويدلسوا على ويغطوا .. قل لى كتاب الوقف عند من؟ ) . ويقول ابن الصيرفي أخيراً ( وطال الأمر على السلطان فركب ورسم للقاضى كاتب السر والأمير تمر حاجب والقضاة أن لا ينصرفوا من هذا المجلس حتى ينهوا أمره . ) وقد أعاد ابن الصيرفي رواية تلك الحادثة وجاء بتفصيلات أخري منها أن ( السلطان إحتد على ابن مزهر الأنصاري حدة مفرطة وكلمة بكلام ما سمعه منه قط، وأساء على القاضى نور الدين الأنبابي إساءة مفرطة من جملتها: يا شيخ رجلك في القبر وأنت تداجي على؟ والله أضربك بالمقارع .!!).

4 ــــ واكتسب السلطان قايتباى مكانة عالية بين جمهور العوام بسبب موقفه من فساد القضاة. وحدث يوم الاثنين 17 رجب أنه توجه إلى أبى زعبل ليفتتح سبيلاً أنشأه هناك ، وحلّ آذان المغرب فنزل وصلى إماماً بالناس بمدرسة الجناب العلمي ابن الجيعان . ودخل من باب القنطرة من بين الصورين، وأثناء مروره بالقاهرة اجتمع حوله الناس يدعون له بالبقاء والدوام.

الناس يحتكمون للسلطان في قضاياهم الشرعية:

1 ـ وانتهز المصريون نوبة العدل التى هبطت على قايتباى وعزله للقضاة فتوجهوا اليه بالشكوى ورفع المظالم . وفي يوم السبت 22 رجب كان الموكب السلطاني بالإسطبل على العادة ووقف الشاكون أصحاب الشكاوى ونودى في المدينة بأن من له دعوى على ضامن الخضر من الغياطين أو غيرهم يحضر بين يدى السلطان، فشكي ابن المقسي ناظر الخاص بأنه له في ذمته مبلغاً ثمن مشتريات لم يعطه ثمنها، فالتفت السلطان لمن حوله وصار يذكر لهم مساوئ ابن المقسي، وتدخل كاتب السر ليحل الموضوع، ولكن كان ذلك بداية المحنة التى سيلقاها ابن المقسي فيما بعد.وترك الناس التحاكم بين القضاة بعد ما حدث واتجهوا للسلطان في كل أمورهم الشرعية والسياسية الحكومية، وكانت محنة لكل أرباب المناصب، وكانت تتكرر هذه المحنة يومي السبت والثلاثاء حيث يعقد السلطان جلسته في المسطبة للحكم.

2 ــ في يوم الثلاثاء 25 رجب يقول مؤرخنا: ( كان الموكب السلطانى بالاصطبل وشُكى على جماعة، منهم الشيخ عفيف الدين الزاهد العالم المقيم بسطح جامع الحاكم بسبب الخلوة التى هو ساكن بها، فأخذ رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصار كاتب السر حفظه الله قصته ووعده أن يعمل مصلحته، فحضر إليه وأعطاه شيئاً من الحطام ( أى أعطاه رشوة ) وكتب عليه إشهاداً، وشُكي صاحبنا الزينى عبد الحفيظ الداودار من الصيادين ببحر منجا فطلبه السلطان فتكلم بين يديه بكلام متع (أى جيد) فرسم له أن يواظب طلوع القلعة ورسم له أن يتوجه إلى الأمير الداودار الثاني لينظر في أمرهم، وشكت امرأة على زوجها للسلطان أنه تزوج عليها ويضاجرها فردها رداً قبيحاً، فلا قوة إلا بالله، وكثرت الشكاة حتى أن بياع الفجل قال اشتكى السلطان.).!!.والملاحظ مما سبق أن السلطان كان يتلقى الشكاوى السياسية من ظلم أرباب الوظائف كما كان يتلقى الشكاوى الشرعية وقضايا الأحوال الشخصية كما حدث في الشكوى من الشيخ عفيف الدين المقيم بخلوة فوق جامع الحاكم، وكما حدث من تلك المرأة التى اشتكت زوجها الذى تزوج عليها ويضاجرها. والملاحظة الهامة أن كل الناس كان يقصد السلطان للشكوى في كل شيء حتى أن بياع الفجل يقول اشتكى السلطان.

3 ــ ففي يوم السبت 29 رجب شكى ثلاثة ناظر الخاص ابن المقسي، وكان أحدهم قد تكرر وقوفه للسلطان يشكو من ناظر الخاص وقد كلف السلطان كاتب السر أن يحل الموضوع ولكن كان ناظر الخاص يتهرب من إنصاف ذلك المظلوم برغم إلحاح كاتب السر. وفي هذا المجلس كانت نوبة الإنصاف والعدل قد تملكت السلطان لسوء حظ ابن المقسي، وهكذا فعندما اشتكى ذلك الرجل ابن المقسي واشتكى اثنان معه منه احتدّ السلطان وطلب ابن المقسي وسبّه ولعنه والتفت إلى كاتب السر واحتدّ عليه أيضاً، وقال له: ( أنت ما تنصحنى.! )، وأمر بضرب ابن المقسى (.. فبطحوه بين يديه وضربوه على مقاعده وكان يوماً شديد البرودة وأمر السلطان بنزع ثيابه وضربه على ملابسه الداخلية فصار يستغيث فلا يغاث حتى انقطع حسه بعد ذلك فقام الأمراء وتشفعوا فيه لدى السلطان فازداد غضب السلطان وأمر بضربه ثانياً عرياناً، فضربوه نحو خمسين مقرعه فشفع فيه الأتابك أزبك وبقية الأمراء، فأراد السلطان قطع ثيابه من فرط غضبه عليه، وصار يقول له" أنا أعدل وأنت تظلم؟ أنا أعمّر وأنت تخرّب، ثم التفت إلى كاتب السر وأمر بتعيين ابنه القاضى بدر الدين في نظارة الخاص فأخذ كاتب السر يعتذر ويهدئ السلطان ).ويقول مؤرخنا يصف هذا المشهد ورعب أعيان الدولة ( الظالمين ) خوفا من نوبة العدل التى تملّكت قايتباى : ( هذا ، مع أنه من حضر هذا المجلس من الأكابر عُد كالهالك ، خصوصاً مباشرى الدولة ، وأعظمهم رعباً وخوفاً شرف الدين بن كاتب غريب المتكلم في الوزارة والاستادارية عوضاً عن الداودار الكبير، وأما ناظر الجيش وكاتب المماليك فما نزلا إلا  محمولين، وكانت ساعة نسأل الله منها السلامة.! ورسم بالترسيم ( أى السجن )على أن ابن المقسي وأودع الطشطخانة ثم نقل إلى طبقة الخازندار.).وشُكي في هذا اليوم الأمير المملوكى ابن قمتى رأس نوبة الداودار، فرسم بحضوره من أى مكان فيه، وشكى قاضى جدة أبو البركات من ظهيره من امرأة بسبب ميراث أبيها، ثم شكى ضامن الخفير، والغيطان  المشهور بتقي الدين ،وهو من أسماء الأضداد، ( يعنى ابن الصيرفى أن هذا الرجل إسمه تقى الدين وهو لا يتقى الله ) فرسم السلطان لأصحاب الغيطان أن يحضروا غدا تاريخه بين يدى السلطان. ) وقرّر السلطان بعد هذا المجلس تعيين بدر الدين إبن كاتب السر ابن مزهر الانصارى في نظارة الخاص بعد عزل ابن المقسي وسجنه وضربه.

4 ــ والخطأ السياسي الذى وقع فيه ابن المقسي أنه لم يهتم بالتغيير الذى حدث في السلطان قايتباى وجعله ينقلب إلى النقيض، وقد أدرك بعد فوات الأوان أن السلطان كان جاداً في تحرى العدل بعد أن وصل مستوى القضاة والقضاة إلى الحضيض.والقاضى ابن المقسي في النهاية هو مثل كلاسيكي لكل أرباب الوظائف في عصر قايتباى ولا نجد أصدق من وصفه إلا ما قاله عنه مؤرخنا ابن الصيرفي تعليقاًُ على ما حدث له، يقول القاضى ابن الصيرفي "ولقد تأسف بعض الناس على ابن المقسي وحزنوا عليه حزناً شديداً حتى أعداؤه، وما أحسن من قال:

رثى له الشامت مما به
 

 

يا ويح من يرثي له الشامت
 

 

غير أنهم أيضاً ذكرواً أنه سيئ المعاملة جداَ، ومعلوم أن المعاملة هى الدين، وأنه إذا ابتاع شيئاً لايقول في نفسه إلا أنه ملكه،ولا يدفع ثمنه إلا لمن له جاه أو صولة أو شوكة أما الضعفاء والفقراء.. فنهاية ما عنده لهم كتابة الوصولات ، ويكتب بخطه بالصرف على كل وصل، أى وصل نحو العشر مرات ولا يصرف لهم شيئاً وغالبهم يضيع وصوله وغالبهم يتعب وغالبهم يترك والنادر من يتجوه- أى يبحث عن جاه- بأحد حتى يصل إلى بعض شيئ.). إذن نحن هنا أمام نصاب محترف يتقوى بنفوذه على أكل مال الضعفاء ويعطيهم "وصولات" غير قابلة لدفع، أو بتعبير عصرنا "شيك بلا رصيد". ومن خلال هذه المظالم أصبح ابن المقسي من كبار الأثرياء، يقول عنه القاضى ابن الصيرفي: ( وله المماليك الحسان ويركبون الخيول الخاص والسروج والذهب والأقمشة الملونة من الديباج والحرير والصوف والسمور وكذا العبيد الحبوش، وفي خدمته شخص يسمى ابن الصناج داوداره ، يلبس كل بدلة بمائة دينار، وبلغني أنه طلع للسلطان بشئ من عند أستاذه فوجد عليه مقربة بعلبكية لابسها فقال له: قل للقاضى ناظر الخاص يفصّل لنا مثل هذا ، وأمثال ذلك من إنعامه على من يجتمع عليه من ندمائه وجلسائه بالصوف والسنجاب والسمور وغير ذلك، وسمعت أن جامع المقسي الذى هو متحدث عليه قطع غالب معاليم قومته، ( أى مرتبات موظفيه) ، وأبطل ملء فسقيته وغير ذلك ، فدعوا عليه عشاء وضحى وعصراً ومغرباً .والدعاء من المظلوم في الأسحار لا يخطئ.). أى إن ابن المقسي كما كان نهما في أكل أموال الضعفاء وقطع أرزاق الموظفين في المسجد الذى يقوم برعايته كان على العكس من ذلك كريماَ في تعامله مع ندمائه وجلسائه ولذلك لا ينبغي أن نحزن لما ذاقه من الضرب والنكال.وقد استمرت محنته فأصدر السلطان أمراً يوم الأحد 8 شعبان بانتقاله من سجن الزمام إلى بيت ابن مزهر كاتب السر ليحاسبه على ما في جهته من أموال السلطان.

5 ـ وظل القضاة معزولين وظل السلطان يقوم بوظيفة القضاة إلى يوم الثلاثاء 10 شعبان حين اشتكي له شخص من رأس نوبة نقيب الجيش، واقتنع السلطان بصدق دعوى الشاكي فضرب المدعى عليه، وظهر كذب المدعى فضربه السلطان، ثم أمر الوالى أن ينادي في المدينة أن أحداً لا يشكو أحداً للسلطان حتى يقف أوّلا على القضاة والحكام فإن أنصفوه وإلا يقف له، وبذلك أعاد السلطان القضاة مسئوليتهم وجعل نفسه الدرجة الأخيرة في التقاضى.وخمدت نوبة العدل عند السلطان قايتباى ، وانتهت محنة وفضيحة قضاة الشرع السّنى ، وعادوا الى مباشرة وظيفتهم فى إقامة الظلم بين الناس .

هوامش ما سبق

1)        خطط المقريزي3/39: 41.

2)         خطط المقريزي 3/66: 67، 73، 71: 72.

3)        الهصر: 143: 144، 172: 173.

4)         خطط المقريزى: 3/68.

5)        الهصر 485/ 279، 98: 100.

6)        الهصر: 16، 21، 22، 23، 24، 26، 28، 33، :40، 43.

7)        الهصر: 20، 23: 24، 148، 189، 214، 216: 217، 226، 243، 245، 246، 331، 338، 382، 281.

8)         الهصر: 56، 60، 121، 186، 281، 285، 319، 328، 351، 362، 363، 377، 378،، 382، 387: 378، 391: 392،442.

9)        الهصر: 32، 56، 139، 47، 481، 493، 498، 195، 146: 147، 501.

10) 47: 48، 481: 482.

11) الهصر 420: 422، 484: 485.

12) الهصر: 485: 486، 101: 103، 362، 365، 367، 97: 100، 230: 232، 309، 194: 195، 227، 66.

13) الهصر 152، 504، 446.

14) الهصر 448، 231.

15) خطط المقريزي: 3/68.

16) الهصر: 485، 425، 5، 8، 438، 439.

17) الهصر: 307، 232، 408: 409، 450، 346، 348، 476، 493.

18) الهصر: 153: 154، 323.

19) المقريزي: السلوك 3، 2، 933.

20) الهصر: 449: 450، 463.

21) الهصر: 290، 487، 476، 126: 127، 136، 7: 8، 220، 412، 225.

22) الهصر: 148: 251، 254، 257، 260: 261، 263: 265، 268، 270، 282، 329، 331، 336، 337، 338، 341، 342، 343، 352، 358، 360.

23) الهصر: 370: 371، 371: 377، 378: 379، 379: 381، 385: 386، 378، 388، 391، 392، 394، 400: 401.

اجمالي القراءات 6543

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   السبت 22 سبتمبر 2012
[69087]

عادوا الى مباشرة وظيفتهم فى إقامة الظلم بين الناس .

السلام عليكم ومن المضحات المبكيات في هذا المقال  : ان العدل كان نوبة  ، دلالة على أنها كانت مؤقتة ، وغير مسنمرة ، فهي تشبه نوبة الصرع الني تداهم الإنسان فجأة دون انتظار ، وقوية في نفس الوقت ، وقد اتجه الناس  للسلطان في كل أمورهم الشرعية والسياسية الحكومية، وكانت محنة لكل أرباب المناصب!!!!!!!!!!!  وكانت تتكرر هذه المحنة يومي السبت والثلاثاء،  حيث يعقد السلطان جلسته في المسطبة للحكم. ، وقد تم قفل حنفية العدل ورجوع القضاة إلى مناصبهم وبالتالي : عادوا الى مباشرة وظيفتهم فى إقامة الظلم بين الناس !!!!!!!!!!!!!!


ـ


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3570
اجمالي القراءات : 28,592,701
تعليقات له : 4,026
تعليقات عليه : 12,214
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي