محنة فريد زكريا ومحنتنا

مجدي خليل في الثلاثاء 18 سبتمبر 2012


 

فى عدد مجلة تايم(13-20) أغسطس كتب المعلق السياسى البارز فريد زكريا عموده الأسبوعى بعنوان " قضية السيطرة على السلاح"، وظهر العمود على موقع المجلة يوم 10 أغسطس، قبل نزول المجلة للسوق. بعدها بساعات أكتشف أحد المدونيين أن فقرات من مقالة زكريا منحولة(أى منقولة مع تغييرات لبعض الالفاظ) من مقالة أخرى نشرت فى مجلة نيويوركر بعدد ابريل2012 لأستاذة التاريخ بجامعة هارفارد جيل ليبور، وقد اطلعت على الفقرات المنقولة وهى فى جوهرها إشارة لدراسة لأستاذ بجامعة جنوب كاليفورنيا عن الموضوع،ورغم أن النحل جاء من دراسة أخرى لا تخص الكاتبة، وقد اشار زكريا لمؤلفها كما اشارت الكاتبة، إلا أن هذا لا يبرر النحل، ولهذا لم يكابر فريد زكريا ويقول أننى نقلت الفقرات من دراسة المؤلف واشرت اليها وأنما بعد ظهور الفضيحة أعترف على الفور بقوله أنها هفوة كبيرة أتحمل مسئوليتها وحدى ،وأعتذر للمجلة وللقراء وللكاتبة. على الفور تم تعليق عمود فريد زكريا فى مجلة تايم لمدة شهر، وتم ايقاف برنامجه الاسبوعى على محطة سى أن أن، وعلقت صحيفة الواشنطن بوست تعاملها معه.وقد كرر فريد زكريا اعتذاره مرة أخرى فى حوار له مع جريدة نيويورك تايمز معتبرا ذلك "خطأ فادحا". ما شد انتباهى بإعجاب هو البيان الذى اصدرته مجلة تايم عقب الواقعة، حيث قالت المتحدثة بأسم المجلة:" لقد قبلنا اعتذار زكريا ، ولكن ما حدث يعد انتهاكا للمعايير الخاصة بالكتاب لدينا فى أن لا يكون فكرهم واقعيا فقط بل وأصيلا ايضا، ولا يعبر عن وجهة نظرهم الخاصة ولكن أيضا المفردات الخاصة بهم". هذا البيان يجب أن يدرس فى كل كليات الصحافة والإعلام فى العالم كله لأنه يوضح ماهية الإبداع فى الفكرة وفى اللفظ والمفردة وفى الأمانة العلمية فى النقل.

بعد التحقيق المطول مع زكريا لمدة اسابيع وتبرئته من تهمة السرقة ورجوعه للعمل لم يكابر مرة أخرى ويهلل كما يهلل اللصوص لدينا التى تبرئهم المحاكم، ولكن قال بالتأكيد كان خطأ وتعلمت منه الكثير.

السرقات العلمية والأدبية  والفكرية تعد من الجرائم الكبرى فى الغرب وقد تؤدى إلى فصل أستاذ من جامعته أو طالبا من كليته أو الموت المعنوى والأدبى لمن يقوم بها مع استبعاده من مكان العمل على الفور.

الدقة العلمية ليست فقط  فى الفكرة أو الفقرة أو  منهج البحث أو الاقتباسات من مراجع أخرى أو التعريفات التى تم جمعها أو المادة العلمية التى تم جمعها أو الاستخلاصات التى توصل اليها الباحث أو الكاتب، ليست هذه فقط هى من إبداعات وجهد كاتبها، ولكن المفردة أو اللفظة أو المصطلح أو الكلمة الواحدة المتفردة كلها تنسب إلى مبدعيها، فهل يتجرأ أحد وينسب لفظ " دول الستار الحديدى" لشخص أخر غير ونستون تشرشل، وعندما نردد مصطلح مثل " القوة الناعمة" لأبد من الإشارة للبروفيسور جوزيف ناى، أو " نهاية التاريخ" لا بد أن نشير بعدها مباشرة إلى عالم السياسة الأمريكى فرانسيس فوكوياما، وعندما نقول " صدام الحضارات" نستحضر على الفور روح عالم السياسة البارز صامويل هننجتون، وعندما نقول " النظام العالمى الجديد" نشير مباشرة إلى قول جورج بوش الأب... وهكذا كل مصطلح خرج من عقل مبدعه ولا يجوز لأحد السطو عليه ولو كان كلمة واحدة. خذ مثلا عندما نقول الليبرالية العربية الجديدة نشير على الفور لقائله وهو الراحل الدكتور سعيد النجار. وحتى الالفاظ الخفيفة لها اصحاب فعندما نقول لفظ الحربجية،أى الذين يروجون دائما للحروب، نتذكر الراحل رضا هلال، وعندما نقول جماعة بن لكن،أى الذين يدينون الإرهاب ولكن يبررونه فى نفس الوقت، نتذكر مأمون فندى... وهكذا.

منذ عدة سنوات أشار الدكتور مأمون فندى إلى شخص الف كتاب بعنوان " جماعة بن لكن" وأرسل لفندى نسخة وبها شكر أنه هو الذى أوحى له بالفكرة ولكنه لم يشر إلى ذلك مطلقا فى كتابه ولم ينسب المصطلح لقائله الحقيقى. منذ عدة سنوات أرسل لى كاتب معروف كتابه عن " الشارع العربى" وفيه أهداء كريم وشكر على أن برنامجى فى قناة الجزيرة عام 2002 هو الذى اوحى له بفكرة الكتاب، ولكن بداخل الكتاب لا أثر لذلك الإيحاء ولو بكلمة واحدة..... هذه أمور صغيرة ولكنها تعكس عدم الأمانة المهنية، ولكن تعالى بنا إلى الكبائر الفاضحة. رسائل علمية يحصل اصحابها على الماجستير والدكتوراة وهى سرقات بالكامل أو فى أجزاء كبيرة منها، روايات مترجمة وينسب اصحابها الرواية لأنفسهم، كتب علمية مترجمة وقام الأستاذ الجامعى مترجمها بكتابة أسمه كمؤلف،أبحاث لا حصر لها مسروقة كاملة أو أجزاء كبيرة منها سواء من الخارج أو من الداخل ويكتب سارقيها اسماءهم عليها. افلام سينمائية ومسلسلات مسروقة من افلام اجنبية، افكار لا حصر لها أدبية وفنية وعلمية مسروقة بدون الاشارة للأصل، وهناك مقالات وموضوعات صحفية لا حصر لها مسروقة بالكامل أو اجزاء كبيرة منها.

 منذ عدة أسابيع كتب أحد المتنطعين على المهنة مقالة يشتمنى فيها ويتهمنى بالنرجسية، رجعت للمقال وجدت جزء منه مسروق من موسوعة ويكيبيديا وجزء آخر مسروق من مقال عن النرجسية، حتى عندما يريدون الشتيمة يسرقون شتائمهم من الغير!!. كتب لا حصر لها رأيتها عبارة عن قص ولصق ولا تمت للكتابة العلمية بصلة.

من أكثر الأمور سخافة أن يشير أحد اليك كمرجع عدة مرات وهو فى نفس الوقت قام بمجرد تلخيص بحث فى بحث آخر، قرأت لأستاذ علوم سياسية بحث نشرته كراسات الأهرام عبارة عن تلخيص كامل لأحد أبحاثى، وعندما رأنى نوه لى أنه أشار لبحثى عدة مرات، فقلت له أنت قمت بتلخيص بحثى ولم تكتب شيئا جديدا رغم أنك تعمل رئيس قسم للعلوم السياسية فى أحدى الجامعات.

هناك موضوع آخر سخيف أن يقوم شخص بنقل كل ما قمت به من جهد وينسبه لنفسه رغم الجهد الرهيب فى جمعه، فى أحد الأبحاث قمت بجمع عدد كبير من التعريفات لمصطلح أقلية، وقد أخذ ذلك منى عدة أيام من البحث المضنى لجمعها،وفوجئت بشخص ينقلها كما هى فى أحدى التقارير وينسبها طبعا لقائليها، رغم أننى ضنيت فى جمعها.

أنسحب أحد المحكمين اللبنانيين لجائزة بوكر العربية عندما تم منح الجائزة لرواية عزازييل ليوسف زيدان لأن فكرتها مأخوذة من رواية انجليزية وليست إبداعا اصيلا، فكيف تمنح أعلى جائزة أدبية عربية لعمل مسروق فكرته؟، وقد قرأت الصفحات الأولى من الرواية الأنجليزية واكتشفت أن نظيرتها العربية سرقت الفكرة.

هذا غيض من فيض كما يقولون،ولا أستطيع فى مقالة قصيرة الإشارة إلى كافة أنواع السرقات الفكرية والأدبية والعلمية والمهنية والصحفية والإعلامية، ومن حسن الحظ ظهرت طرق فى الغرب لمحاولة كشف هذه السرقات وعقاب اصحابها، وخاصة فى ظل سهولة السرقة فى عصر الأنترنت وثورة التكنولوجيا المعاصرة والفضاء المفتوح،أما فى الثقافة العربية فمازالت المجتمعات غارقة حتى أذنيها فى جميع أنواع هذه السرقات وبطريقة تجعل الأصيل نادرا ، وكلما تراجعت الأخلاق العامة ازدادت هذه السرقات،والكثيرون يعتبرون مجرد التفكير فيها ترف لا يحتمل،فالمجتمع الذى يسرق أعمدة النور ويحولها لحديد خردة، ويسرق أغطية البلاعات ويعرض الناس للموت، وفلنكات السكك الحديدية مع خطورة هذا العمل على حياة البشر، ويسرق الأحذية من المساجد، ويسرق حضانات الاطفال الرضع، هل يتحمل أن نحدثه عن سرقة مصطلح؟.

وهذا يؤكد أننا ما زلنا بعيدين جدا عن ركب الحضارة الإنسانية. 

اجمالي القراءات 6434

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-09-27
مقالات منشورة : 95
اجمالي القراءات : 821,267
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 62
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt