أزمة التنوع فى أمريكا

مجدي خليل في الخميس 06 سبتمبر 2012


 

أزمة التنوع فى أمريكا

مجدى خليل

قامت التجربة الأمريكية على فلسفة واضحة أن أمريكا بوتقة أنصهار للمهاجرين حيث أن القارة معزولة عن العالم القديم، ومن خلال الثقافة والقيم الأمريكية يبدأ المهاجر تدريجيا الإندماج فى البوتقة بحيث يخرج بعد عدة سنوات جزءا من هذا العالم الجديد بدرجات مختلفة حسب سرعة استيعابه لهذا العالم، ولكن بالنسبة لابناءهم فهم بلا شك سيخرجون كجزء أصيل من هذه التجربة ثقافيا وقيميا. فى العقود الأخيرة تغيرت الفلسفة الأمريكية من بوتقة الانصهار إلى تمجيد التنوع كقوة للمجتمعات، ومع وجاهة مقولة التنوع قوة إلا أنها كانت لها أثارها السلبية على أمريكا والغرب، كانت الفلسفة الجديدة قائمة على تشجيع  الاحتفاظ بالتنوع الثقافى للمهاجرين ولكن مع محاولة استيعابهم فى القيم الأمريكية والغربية، ولكن للأسف فأن هذه الفلسفة تضخمت أثارها السلبية بشكل كبير فى ظل العولمة وذلك لتداخل الثقافى والدينى مع القيمى، واصبح الكثير من المهاجرين معزولين فى جيتوهات ثقافية وقيمية ولغوية أيضا، فهناك مناطق داخل الولايات المتحدة اللغة الاولى فيها هى اللغة الاسبانية، وهناك مناطق اصبحت تعيش وكأنها فى بلدانها الاصلية،ولم تكتفى هذه الجيتوهات بالإنحراف عن القيم الغربية فقط ولكنها اصبحت تعادى هذه القيم.وإذا استمر التنوع والتفتيت بهذا المعدل ستتحول أمريكا خلال عدة عقود إلى جزيئيات متنافرة لا يربطها سوى صرامة تطبيق القانون.

لقد ربطت العولمة ،من خلال ثورة الساتلايت والانترنت والاتصالات، المهاجر بوطنه القديم ثقافيا وقيميا وأخلاقيا أكثر من ربطه بوطنه الجديد،وإذا اضفنا إلى ذلك دخول نوعية جديدة من المهاجرين عن طريق الهجرة العشوائية والعائلية فى معظمهم لم يكن مستعدا للهجرة وغير مستعد للاندماج، نكون أمام عوامل عدة ساهمت فى بروز أثار التنوع السلبية.

مع تفاقم مشاكل التنوع ظهرت مشاكل مثل الفساد والمحسوبية والرشوة، فقد حمل هؤلاء المهاجرين هذه القيم السلبية من مجتمعاتهم الاصلية ولم تنجح قيم المجتمعات الجديدة ولا صرامة القانون فى جعلهم يتخلون بنسبة 100% عن هذه القيم الفاسدة، وتدريجيا بدأ الفساد يتزايد حتى وصل لنسبة 25% فى المجتمع الأمريكى وفقا لمنظمة الشفافية الدولية. وتعدى الموضوع إلى مسألة الفرص المتساوية التى كان يتيحها المجتمع الأمريكى، لم تعد الفرص متساوية  كما كان ،ومن الصعب الحصول على وظيفة بدون توصية، ودخلت المحسوبية والوساطات فى الوظائف، فالهندى يميل للتوسط للهنود واللاتينى يفعل نفس الشئ والمسلم يقوم بالشئ نفسه، بل وصلت الأمور إلى أن مؤسسة مثل الاف بى آى يحتكر المسلمون معظم وظائف الترجمة الخاصة بالغة العربية فيها  ويندر وجود مسيحى عربى فى هذه الوظائف، بل يقوم الجانب المسلم بتطفيشهم أو التدخل لعدم تعيينهم أصلا بحجة أنهم متحاملون فى ترجماتهم على المسلمين رغم أن صناعة الترجمة فى الشرق هى من انجازات المسيحيين العرب تاريخيا، ورغم امانتهم المعهودة فى هذا الصدد.

وصلت الأثار السلبية إلى درجة أخطر من هذا، فهناك احياء يخشى المواطنون الاصليون من الدخول فيها خوفا على حياتهم مثل سكن المغاربة والجزائريين فى ضواحى باريس والجيتو المسلم فى بلجيكا وبعض الشوارع التى يسكنها مسلمون فى الدول الاسكندنافية.

الأخطر أن التواصل الثقافى والقيمى مع المجتمعات الأم وصل إلى الجيل الثانى، فهناك ما تسمى ظاهرة التطرف الجهادى لدى بعض المولودين فى أمريكا وبعض أبناء الجيل الثانى من الباكستانيين فى بريطانيا.... وصلت الأزمة إلى أن المنظمات الإسلامية فى الغرب تطالب رسميا بتطبيق الشريعة على الجاليات المسلمة، وقد دفع هذا التخوف بعض الولايات الأمريكية لعمل استفتاءات رسمية لحظر تطبيق الشريعة الإسلامية.. ولكن فى نفس الوقت وخوفا من الإرهاب طالبت بعض الشخصيات الغربية البارزة بتطبيق الشريعة على الجاليات المسلمة كحل لمشاكلهم كما اقترح رئيس اساقفة بريطانيا،وإذا تم ذلك فى المستقبل فمعنى ذلك التضحية بأخر رابط يلملم هذه الجزيئيات المختلفة وهو سيادة القانون.

الهوس الأمريكى بفكرة التنوع  جعلها تصل إلى هذه الحالة، فكل شئ يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، ورغم وجاهة وصحة مقولة التنوع قوة إلا أنه عند نقطة معينة يكون التنوع ضعفا وخطرا على المجتمعات.

اجمالي القراءات 9992

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-09-27
مقالات منشورة : 95
اجمالي القراءات : 821,312
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 62
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt