بين البردي المصري والكاغد الصيني
صناعة الورق في العصور الإسلامية

في الأحد ٢٠ - ديسمبر - ٢٠٠٩ ١٢:٠٠ صباحاً

 

 
في بداية القرن الرابع الهجري حدث تطور مهم في صناعة الورق ، إذ تحررت من احتكار مصر لصناعة القراطيس البردية غالية الثمن وحل محله " الكاغد " أو الورق المصنوع من الكتان الذي ظهر في الصين ثم طوره المسلمون ونشروه في العالم .
احتكرت مصر الفرعونية إنتاج اللفائف الورقية من نبات البردي ، وحتى العصر البطلمي كانت الدولة تحتكر إنتاج ورق البردي وتصدره للعالم عبر الإسكندرية وفي الدولة الرومانية البيزنطية كان الإشراف تاما على إنتاج الورق المصري البردي وتصديره .
وبعد الفتح العربى حافظت مصر على مكانتها وتفوقت في إنتاج أصناف مختلفة من البردي منه الغالي النفيس ومنه الخشن الرخيص ، وكانت المصانع المصرية تنتج سبعة أصناف من ورق البردي كان أجودها وأغلاها يستخدم في الدواوين حتى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أمر  بالاقتصاد في استعمال الورق بسبب ارتفاع ثمنه .
وكان يطلق على أوراق البردي " قراطيس " وقد جاء ذلك في القرآن الكريم حين طلب المشركون العرب من النبي عليه السلام أن يأتي لهم بآية حسية .. فقال تعالى " ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين : الأنعام 7" .
وتوزعت مصانع القراطيس البردية حول الإسكندرية وشرق الدلتا والفيوم ، ثم أصبحت الفسطاط أهم مركز لإنتاج الورق من البردي حيث يذكر ابن عبد الحكم في تاريخه أن العرب كانوا يقيمون مساكنهم حول مصانع القراطيس .
وفيما بعد ذكر ابن ظهيرة في " محاسن مصر " أن أسيوط كانت تضم مصنعا لإنتاج البردي وتصنيع القراطيس بمواصفات خاصة .
وكان العمال المصريون يضعون عبارات مسيحية فوق ورق البردي ، وحين قام عبد الملك بن مروان بتعريب الدواوين جعل العمال المصريين يكتبون العبارات الإسلامية محل الرموز المسيحية ، ورفضت بيزنطة استيراد القراطيس المصرية بعد ذلك التعديل ، ثم اضطرت إلى مجاراة الظروف الجديدة .
وقامت صناعة البردي على حشائش البردي التي كانت تنمو في مستنقعات الدلتا والفيوم حين يغمر النيل القرى المصرية وقت الفيضان وتنتشر نباتات البردي على الضفاف والترع والمستنقعات ، وكانوا يقومون بتقطيع النبات ثم غمره في الماء ثم ينزعون القشرة الخضراء ، ويقسمون ساق النبات إلى شرائح ثم يرصونها فوق بعضها ويضعون فوقها أثقالا لتجف ، ثم يصقلونها ، وقد يصلون بعضها ببعض لتكون لفائف طويلة يبلغ طول الواحدة منها أحيانا 15 مترا أو ثلاثين ذراعا وكان ثمن الواحدة منه ما بين 1.5 درهم إلى دينار واحد حسب الجودة .
وذاعت شهرة مصر في إنتاج القراطيس البردية واستورده منها العالم الإسلامي برغم غلو ثمنه ، إذ لم يكن له منافس حتى أواخر القرن الثالث الهجري .
واستعمل ورق البردي في كتابة المخطوطات وزخرفتها ، وتم نسخ الكتب الدينية المسيحية على ورق من البردي ، وقام العلماء والناسخون بكتابة العلم ونسخ المصحف على أوراق من البردي ، ويضم معرض دار الكتب المصرية بالقاهرة مجموعة من المصاحف المخطوطة ، منها مصحف مخطوط بالقلم الكوفي على ورق من البردي كما أن أقدم كتاب مكتوب على ورق البردي هو كتاب في الحديث منسوب لابن وهب الفهري المولود سنة 125 هـ .
واستخدمت أوراق البردي أيضا في تحرير العقود والمراسلات والمكاتبات الرسمية ، وظلت سائدة في دنيا الكتابة إلى بداية القرن الرابع الهجري .. وأخر ما عثر عليه من ورق البردي المكتوب ينتهي سنة 323 هـ في بداية الدولة الإخشيدية.
وانتشر الورق الكتاني أو الكاغد منذ سنة 300 هـ في تاريخ المسلمين .
 
الورق الصيني (الكاغد )
 
وقد بدأت صناعة الورق من الكتان في الصين ثم انتقلت إلى سمرقند في أوساط القرن الثاني الهجري " الثامن الميلادي " بعد أن فتحها المسلمون سنة 94 هـ وهناك رواية تقول أنه بعد فتح سمرقند على يد القائد قتيبة بن مسلم استغل الأسرى الصينيين في تطوير صناعة الكاغد أو الورق الصيني والعمل على تنقيته من الشوائب بحيث أصبحت سمرقند بعد فترة قصيرة من أهم مراكز صناعة الكاغد ، وانتشرت منها الصناعة إلى حواضر الدول الإسلامية .
ويقال أن أول مصنع للكاغد تأسس في بغداد كان بإشارة الوزير الفضل بن يحيى البرمكي في خلافة الرشيد سنة 178 هـ ـ سنة 794 ، وأمر الفضل أخاه جعفر البرمكي بإحلال ورق الكاغد محل القراطيس البردية في الدواوين .
إلا أن بعض الخلفاء العباسيين سار على نهج جده المنصور في تفضيل البردي مثل الخليفة المعتصم الذي " أرسل إلى واليه على مصر بأن يحمل إليه من يعمل القراطيس وغيرهم من أهل الحرف والصناعات " وكان يهدف إلى إقامة حركة صناعية في مدينته الجديدة " سامرا "
ومع ذلك عانت صناعة البردي المصرية من المنافسة الخطيرة من ورق الكاغد الذي بدأ يتسيد ميادين الكتابة في الشرق منذ منتصف القرن الثاني الهجري وظلت مصانع الورق البردي في الدلتا والإسكندرية تواصل إنتاجها حتى سقوط الدولة الطولونية في مصر وعودة مصر للدولة العباسية ، وانتهى دور الوثائق البردية سنة 323 هـ
وبعض الروايات تقول أنه ظل في مصر مركزان لصناعة البردي في الدلتا ، كما أن ابن حوقل يذكر أنه في صقلية استمرت بعض مصانع البردي في إنتاج ورق مخصوص للسلطان على قدر كفايته .
وفي النهاية عم انتشار الكاغد السمرقندي وتحولت مصر وغيرها إلى إنتاجه بديلا عن القراطيس البردية وردد المؤرخون مقولة " إن كواغد سمرقند عطلت قراطيس مصر " لأنها كانت أحسن وأنعم وأرفق وأوفق .
وقد أدخل المسلمون تحسينات على الكاغد الصيني بتنقيته من الشوائب التي كان يضعها فيه الصينيون من ورق التوت والغاب الهندي .
وانتشر الكاغد بهذه الطريقة الجديدة ببلاد ما وراء النهر ثم انتقل إلى العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا والأندلس ، وعم المشارق والمغارب ، ومع ذلك احتفظت سمرقند بمكانتها الأولى في إنتاجه ، وظل الكاغد مرتبطا بمدينة سمرقند بمثل ما كان البردي مرتبطا بمصر ، حتى أن الخوارزمي في رسائله يداعب أحد أصدقائه لأنه لم يكتب له فيسأله " هل سمرقند بعدت عليه والكاغد عز عليه ؟ " .
وذكروا أن صاحب خزانة كتب السلطان بهاء الدولة في شيراز كان مغرما بجمع كل طريف وظريف من الكاغد الصيني والسمرقندي .
ويذكر الإدريسي في القرن السادس الهجري أنه يعمل بمدينة شاطبة بالأندلس من الكاغد ما لا يوجد له نظير في معمور الأرض ، وأنه يعم المشارق والمغارب أي فائق في الإنتاج وفي الجودة أيضا . وعلاوة على ما قيل عن أول مصنع للكاغد في خلافة الرشيد فإن ياقوت الحموي يذكر إنشاء مصنع أخر للورق بدار القذفي ببغداد ، بل وأنه عثر على كاغد يدل على وجود مصنع للورق في الشاطئ الجنوبي الغربي للجزيرة العربية .
   
الكاغد في مصر
 
وزحف الكاغد إلى مصر التي احتكرت من قبل ورق البردي وواكب غزو الكاغد لمصر غزوا سياسيا عسكريا آخر هو الغزو الفاطمي ،  وكانت الدولة الجديدة دولة أيدلوجية صاحبة دعوة تريد نشرها في مصر وخارجها ، لذلك كان من أسلحتها الجديدة ورق الكاغد لذلك ارتقت صناعة الورق الجديد في مصر الفاطمية ، وبرزت حركة عارمة للنسخ والتأليف والدعوة والدعاية وتداول الكتب ونشرها داخل مصر وخارجها .
وأثمرت هذه الحركة تنوع الأحبار وأدوات الكتابة من الأقلام والمحابر وأنواع المداد بالإضافة إلى تنوع مماثل في أنواع الورق " الكاغد "
ويذكر القلقشندى أنواعا من الورق الذي تنتجه الفسطاط وأجوده الورق المنصوري، وكان اكبر قطعا وحجما من الأنواع الأخرى داخل مصر وخارجها ، ومن أنواع الورق ما كانوا يصقلونه على الوجهين ، ومنه ما يكون على درجتين من حيث القيمة والسعر .
وكان نوع الورق وسعره يختلف حسب نوع المادة المستخدمة ، فالورق الأبيض المصقول الذي يصنع في الصيف كان أغلى ثمنا من الورق الأسمر الخشن الذي يصنع في الشتاء ، والسبب أن النوع الأبيض كان يدخل فيه القطن الأبيض مضافا إلى الكتان أما النوع الأخر فكانوا يستخدمون فيه الخرق البالية ومواد أخرى .
وبعض الوراقين كان يقوم بتعتيق الورق الكاغد .. فيقوم بغلي النشا في الماء في أوان نحاسية حتى ينقص الماء ثم يضيف إليه مادة الزعفران بكمية مناسبة للتلوين ، وبعد أن يبرد الماء يتم توزيعه في أطباق واسعة ، ثم يغمس الورق فيها برفق ، ثم ينشرونه حتى يجف مع التقليب المستمر حتى لا يلتصق الورق بما تحته ، وفي النهاية يصير الورق في أصلح حالته للكتابة .
والدليل على ذلك أن المخطوطات القديمة التي كتبت في عصور السلف لا تزال تحتفظ بقوامها ولمعانها برغم مرور مئات السنين .