مشكلة النفط الأسود

في الثلاثاء 13 مايو 2008

النفط العراقي: أولويات مقلوبة و مستقبل قد يضيع

د. محمد علي زيني
خبير في النفط و الأقتصاد
مركز دراسات الطاقة العالمية - لندن
لماذا أولويات مقلوبة
وضعت مسودة قانون النفط و الغاز العراقي من قبل ثلاثة خبراء عراقيين تشرف عليهم شركة قانونية مختصة عينتها أمريكا. القانون، من أوله إلى آخره يعالج جهة واحدة من الصناعة النفطية وهي مسألة استغلال النفط الخام، بما يشمل ذلك من عمليات استكشاف، تطوير، استخراج وتسويق. إن القانون هذا يخص السوق العالمية فقط. إنه يخص إشباع الطلب العالمي على النفط، ولكن ماذا عن إشباع الطلب المحلي للمشتقات النفطية؟ ماذا عن تلبية حاجات العراقيين إلى البانزين (الغازولين) وإلى الديزل وإلى الغازويل وإلى النفط الأبيض (الكيروسين) وإلى الغاز السائل؟ القانون لا يتطرق إلى هذا، وكأن العراق بلا شعب. حينما يتحدث القانون عن شركة النفط الوطنية فهو يتحدث عن شركة تتعامل بالنفط الخام فقط، أي بما يحتاجه العالم الخارجي، ولا علاقة لهذه الشركة بما يحتاجه الشعب من مشتقات نفطية.
ولكن لو نظرنا إلى شركات النفط العالمية مثل شل، BP، أكسون، شفرون، توتال، وكذلك شركات النفط بالشرق الأوسط مثل شركة أرامكو السعودية، شركة نفط الكويت وشركة النفط الإيرانية، نرى أن جميع هذه الشركات متكاملة عمودياً (vertically integrated ) فهي تتعامل بشؤون المنبع (upstream) بما يشمل ذلك عمليات الاستكشاف والتطوير والإنتاج والنقل وتسويق النفط الخام، ولكنها من جهة أخرى تتعامل أيضا بعمليات المصب (downstream) بما يشمل ذلك تصفية النفط (أو تكريره) ثم تجهيزه إلى المواطنين. هكذا تكون شركات النفط عادة، إلا شركة نفط العراق، فيراد لها خدمة العالم الخارجي فقط، أما الشعب العراقي فليذهب إلى الجحيم.
لقد مرت خمس سنوات وهناك شحة داخل العراق في المنتجات النفطية وخصوصاً المنتجات التي تمس حاجة الشعب وحاجة البيت العراقي مثل البانزين والنفط الأبيض والغاز السائل. فنرى الناس يقفون لساعات طويلة يومياً للحصول على المشتقات النفطية، والعراق يطفو على بحيرة من نفط. وفي غالب الأحيان يضطر المواطن لشراء ما يحتاجه من السوق السوداء التي تسيطر عليها عصابات الجريمة والموظفون الفاسدون وحتى بعض التكوينات والأحزاب السياسية المسيطرة على مقدرات العراق بالوقت الحاضر، في حين تقوم الحكومة باستيراد المشتقات النفطية بكلفة تقدر نحو خمسة مليارات دولار سنوياً.
لقد مرت خمس سنوات على سقوط النظام واحتلال العراق ولم يتم بناء مصفى جديد واحد، في حين أصبحت مصافي العراق الحالية قديمة، مهترئة، لا تعمل إلا بنصف طاقتها، ومنتجاتها ذات مواصفات رديئة، والبانزين لا يزال يعامل بالرصاص من أجل تحسينه، والرصاص مادة سامة تمّ منع استعمالها لتحسين البانزين في جميع أنحاء العالم تقريباً، ولكنها لا زالت تسمم بيئة العراق. لم يتم بناء مصفى جديد واحد بالعراق رغم مرور خمس سنوات على الاحتلال في حين يتم بناء المصافي بالشرق الأوسط على قدم وساق، وها هي المملكة العربية السعودية وكذلك الكويت، تقومان ببناء مصافي مخصصة للتصدير – ناهيك عن سد الطلب المحلي – بل تقومان ببناء مصافي جديدة داخل بلدان أخرى، بضمنها داخل أمريكا والصين، بالمشاركة مع شركات نفط محلية، ووزارة النفط العراقية لم تتمكن من إكمال بناء مصفى جديد واحد داخل البلد.

مشكلة النط الأسود
لقد مرت خمس سنوات ولم يتم تطوير مصفى واحد من المصافي الكبيرة في صلاح الدين وبغداد والبصرة لمعالجة مشكلة زيت الوقود (fuel oil) أو ما نسميه بالعراق (نفط أسود). إن طاقة المصافي العراقية حالياً هي حوالي 700 ألف برميل يومياً، ولكنها لا تشتغل بسعتها الكاملة، و نظراً لقدم التكنولوجيا المستغلة، فإن الناتج من المشتقات النفطية هو حوالي 45٪ نفط أسود لا يحرق منه إلا القليل لتوليد الطاقة الكهربائية، فما هو مصير الباقي؟ لا تتمكن وزارة النفط – في غالب الأحيان – من تصدير كافة الفائض من النفط الأسود، وكان نظام صدام المقبور يلقي النفط الأسود الفائض بالصحراء على شكل برك ثم تحرق تلك البرك، فيذهب النفط هدراً من جهة وُتلوث البيئة من جهة أخرى. الآن توقف هذا الحرق ، ولكن يعاد حقن الفائض من النفط الأسود في الحقول النفطية المنتجة، وهذا يؤذي النفط الخام العراقي ويحط من نوعيته ويقلل من سعره.
إن سعة الأنبوب المخصص لنقل النفط الأسود من مصفى البصرة إلى منصات التصدير هي 6000 طن يومياً، في حين ينتج المصفى حوالي 10 – 11 ألف طن يومياً، فأين يذهب الفائض؟ قسم منه يعاد حقنه بالمكامن وقسم آخر يخلط مع النفط الخام المصدر، وكلا الحالتين عملية اقتصادية مضرة. وما هو مصير الفائض من النفط الأسود المنتج في صلاح الدين (بيجي)؟ كان يحقن في مكامن جبل مكحول قرب الفتحة على نهر دجلة وقد تسبب ذلك العمل بكارثة بيئية كبيرة قبل حوالي سنتين، حينما تسرب النفط الأسود إلى مياه النهر. ولكن ماذا يصنع بالنفط الأسود في مصافي العالم المتطورة؟ إنه يعاد تكريره في مصافي خاصة لإنتاج مشتقات بيضاء كالبانزين والديزل والنفط الأبيض، ولكن هذا لا يحدث بالعراق، لعدم تطوير المصافي بهذا البلد، وهي عملية لا تستغرق أكثر من سنتين.
القانون مرة أخرى
عودة إلى مشروع قانون النفط و الغاز، نرى أنه مليء بالمثالب، على أن مثلبه الأكبر هو إعطاء حق التصرف بالحقول المستقبلية إلى الإقليم والمحافظات المنتجة دون إشراك الحكومة الفيدرالية بهذا الأمر. إن احتياطيات العراق المكتشفة حالياً هي حوالي 115 مليار برميل، على أن هناك احتمال كبير بأن ما سيكتشف بالمستقبل هو ضعف ما هو مكتشف حالياً، أي حوالي 230 مليار برميل. إن إعطاء صلاحيات منح تراخيص التنقيب والتطوير والإنتاج المتعلقة باحتياطيات النفط العراقية غير المكتشفة وذات الحجم الهائل إلى حكومات إقليم كردستان العراق والمحافظات العراقية المنتجة بمعزل عن الحكومة الفيدرالية هو إجحاف كبير بحقوق الشعب العراقي وإهدار فاضح لثرواته النفطية. ذلك أن الإقليم والمحافظات، وهي قليلة الخبرة بشؤون النفط والغاز، سوف تصبح فريسة سهلة لشركات النفط ذات الممارسات والخبرات الطويلة في شؤون النفط و الغاز بأنواعها المختلفة، و بضمنها الشؤون القانونية المعقدة والالتفاف على الشروط الموضوعة من قبل الطرف الآخر.
إن الدستور العراقي، بوضعه الحالي، يعطي الحق لمحافظة أو أكثر من محافظات العراق بتكوين إقليم على غرار الإقليم الكردي، وإن هذه الأقاليم تتمتع بموجب الدستور أيضاً بسلطات إصدار قوانين محلية تعلو على القوانين الفيدرالية في حالة التعارض فيما بينها. انظر إلى الإقليم الكردي لترى مصداقية ما نقول. لقد قام الإقليم الكردي بإصدار قانون نفط خاص به وأسس شركة نفط خاصة به، ثم استولى على حقل خرمالة النفطي وهو جزء من حقل كركوك، وأوقف أعمال التطوير التي كانت تجري لذلك الحقل من قبل وزارة النفط، وكذلك أوقف أعمال التطوير التي كانت تجري لحقل خورمور الغازي.
لقد قام الإقليم الكردي، مستغلاً الفقرة الأولى من المادة (112) من الدستور، بإبرام عشرين عقداً، من عقود المشاركة بالإنتاج، من أجل القيام بعمليات استكشاف وتطوير رقع نفطية داخل الإقليم، و كأن هذا الأقليم ليس جزءاً من العراق و فيه نحو 60 حقلاً مكتشفاً تنتظر التطوير، يقدر مجمل إحتياطياتها بحوالي 70 مليار برميل. كما اشتملت العقود المبرمة أراضي خارج الإقليم ضمن ما تسميه حكومة كردستان « مناطق متنازع عليها » تقع في محافظات الموصل والتأميم وديالى وصلاح الدين. لقد تم إبرام تلك العقود بسرعة فائقة لم تحدث بتاريخ أي بلد من بلدان العالم وبشروط سخية جداً، حتى بدا وكأن الأمر هو الإمعان المتعمد بإهدار ثروات كردستان العراق وارتهانها بأيادي أجنبية كما لم يحدث بأي بلد نفطي بالتاريخ الحديث. ولقد سبّب ذلك تصادماً وتناحراً بين حكومة الإقليم والحكومة الفيدرالية.
أقلمة المحافضات العربية
هناك أيضاً أصوات تداعي بأقلمة المحافظات العربية، كما يسمح به الدستور العراقي الحالي، خالطة عن قصد أو عن غير قصد بين خياري المركزية و الفدرالية، مدعية عن قصد أو غير قصد أيضاً بأن البديل عن خيار الأقاليم وما يستتبعه من فيدرالية هو المركزية المقيتة، وهذا غير صحيح، بل هو التضليل بعينه، ذلك أن شكل الحكم منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولغاية سقوط نظام صدام حسين كان مركزياً، وذلك صحيح، غير أن شكل الحكم قد تبدل بعد ذلك إلى النظام اللامركزي بخصوص المحافظات العربية، فهي تمارس الآن انتخابات بموجب القانون ولديها حكومات محلية منتخبة ولديها أيضاً ميزانياتها الخاصة، فأين هي المركزية إذن؟!
إن الدعوة إلى أقلمة المحافظات العراقية وربطها بالمركز بعلاقة فيدرالية إنما هي دعوة لتجزئة العراق وتمزيقه. فالدستور العراقي بوضعه الحالي يؤسس لأقاليم قوية مرتبطة بحكومة فيدرالية ضعيفة، لينتج عن ذلك عراق ضعيف بين دول قوية بالشرق الأوسط مثل إيران وتركيا وإسرائيل. إن التناحر والتصادم بين الأقاليم والحكومة الفيدرالية سيحدث لا محالة، وما الخلاف المشتد في الوقت الحاضر بين الإقليم الكردي من جهة والحكومة الفيدرالية (وبالأخص وزارة النفط) من جهة أخرى إلا مثال صغير ومقدمة بسيطة لما سيحدث من صدامات بالمستقبل.
إن الصدام فيما بين الأقليم و الحكومة الفدرالية (أي المركزية)، و حتى الصدام بين بين المحافظات العربية نفسها، في غياب سلطة فيدرالية قوية، و في خضم الفوضى العارمة التي ستؤججها قوانين الأقاليم والمحافظات المتضاربة ووجود العديد من الحقول النفطية العابرة لحدود المحافظات وحتمية الاختلاف على ملكيتها أو ملكية أجزاء منها، سيقود إلى تفتيت العراق. إن هذا الصدام سوف لن يكون عسير الوقوع، إذا علمنا أن العراقيين أصبحوا من الآن يقتتلون فيما بينهم من جهة وكذلك بينهم وبين قوات الحكومة الفيدرالية من جهة أخرى كما يجري الآن في محافظات البصرة و الكوت و القادسية و كربلاء و بابل و بغداد. انظروا إلى ما يجري الآن في محافظة البصرة، كما ورد في تقرير صدر مؤخراً من قبل مجموعة الأزمات العالمية (International Crisis Group) التي زارت البصرة خلال العام الماضي، جاء فيه ما خلاصته:
« إن البصرة، وهي ميناء البلد الوحيد وعاصمة العراق الاقتصادية حيث يكمن نحو 60٪ من موارد العراق النفطية، هي مبتلاة الآن بإدارات سيئة تستغل سلطاتها من أجل الإثراء وإفادة الأحزاب والتنظيمات التي تنتمي إليها، وهي مبتلاة أيضاً بالاغتيالات السياسية والثارات العشائرية وغياب القانون والأمن في المناطق السكنية، مع قيام الأحزاب الدينية في تلك المناطق بفرض طرائق الحياة التي ترتئيها تلك الأحزاب، وكذلك مبتلاة بازدهار مافيات الجريمة. هنالك في البصرة تتقاتل الميليشيات أو التنظيمات العسكرية التابعة للأحزاب السياسية فيما بينها وبالتعاضد مع عصابات الجريمة للسيطرة على مناطق المدينة والهيمنة على ثروات المحافظة الغنية بالنفط، من أجل استحواذ كل منها على الحصة الأكبر من الأموال المتأتية من سرقة النفط، وخصوصاً من تهريب المنتجات النفطية إلى خارج العراق، وهي شحيحة أصلاً وتصرف الحكومة بلايين الدولارات سنوياً من أجل استيرادها ».

ماذا تريد أمريكا
وأخيراً ماذا تريد أمريكا من العراق؟ لقد جاء الدستور العراقي غامضاً ولربما صيغ هكذا بتعمد. كما جاء ليجزئ العراق إلى أقاليم تتمتع بقوة نسبية كبيرة إلى جانب حكومة فيدرالية ضعيفة، وقد يتمزق العراق بالنهاية، نتيجة لهذا الدستور، إلى دويلات طائفية ضعيفة وبذلك تنتهي أسطورة العراق العظيم الذي عرفه التاريخ لآلاف السنين. إن هذه النهاية المأساوية تريدها إسرائيل حتماً، ولربما تريد هذه النهاية أيضاً الإدارة الأمريكية التي يقودها أولياء إسرائيل. وفي هذا الشأن لم يتردد الكونغرس الأمريكي بالإعلان عن هذه الرغبة بقرار منه صدر في العام الماضي. وإلى جانب إضعاف العراق، ولربما قتل العراق لمصلحة إسرائيل، تريد أمريكا السيطرة على نفط العراق الغزير الذي قال عنه نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني: العراق يطفو على بحيرة من نفط.
إن العراق يملك الآن نحو 115 مليار برميل من الاحتياطات النفطية الثابتة، وإذا تحققت توقعات الخبراء العراقيين بان الاحتياطات النفطية العراقية التي لم تكتشف بعد هي ضعف ما تم اكتشافه لحد الآن، فإن العراق سيفوق بثرواته النفطية حتى المملكة العربية السعودية، وسيصبح سيد الدول النفطية بامتياز، إن أمريكا تعرف هذا وتريد السيطرة على هذه الثروات.
قد يسأل سائل إن أمريكا دولة غنية جداً وبإمكانها شراء النفط من السوق العالمية، كما فعلت دوماً. كما أن الدول المنتجة للنفط ومنها العراق يجب أن تبيع نفطها لكي تستفيد منه، فلم إذن تريد أمريكا السيطرة على نفط العراق وهو ليس ممنوع عنها؟ إن الجواب لهذا السؤال هو أن السيطرة التي ترومها أمريكا هي سيطرة إستراتيجية، ويتم ذلك بواسطة شركات النفط العالمية عن طريق عقود المشاركة بالإنتاج الطويلة الأمد، وكذلك بواسطة التمركز بالعراق بقوات عسكرية، ولا بأس كذلك من ربطه بها بمعاهدات ثنائية.
إن الدافع لكل هذا هو أن العالم مقبل على شحة في الإمدادات النفطية من خارج منظمة الأوبك ومن خارج منطقة الخليج العربي بالذات. ففي الوقت الذي يتراجع الإنتاج النفطي في العديد من مناطق العالم التي كانت غنية بالنفط، ومنها أمريكا، نرى أن ما يربو على 60٪ من الاحتياطي النفطي العالمي يقع في منطقة الخليج العربي، وإن 38٪ من صادرات النفط العالمية تخرج من هذه المنطقة بالذات، ويُقدر لهذه النسبة أن تزداد بالمستقبل. يقابل ذلك ازدياد متوقع للطلب العالمي على النفط من 87 مليون برميل يومياً بالوقت الحاضر إلى نحو 117 مليون برميل يومياً بحلول سنة 2030م، أي بزيادة 30 مليون برميل يومياً في غضون ال22 سنة القادمة، فمن أين ستأتي الإمدادات النفطية الإضافية لتسد الطلب العالمي المتزايد إذا علمنا أن الطاقات البديلة، كالوقود الحيوي وغيره من طاقات متجددة لا تسد أكثر من 5٪ من سلة الطاقة العالمية بالوقت الحاضر ولا يتوقع لها الازدياد بصورة مؤثرة بالمستقبل المنظور؟
النفط و الغاز يا عرب
إن الطاقة هي أساس الحياة وإن 36٪ من هذه الطاقة يأتي من النفط في الوقت الحاضر، و60٪ منها يأتي من النفط والغاز الطبيعي معاً. إن نصف الطلب العالمي على النفط يأتي من قطاع النقل ولا يمكن الاستعاضة عن النفط في هذا القطاع في المستقبل المنظور، وسيبقى النفط هو المصدر الوحيد لحركة العالم لعقود طويلة قادمة. إن المشهد العالمي للخمسين سنة القادمة مقلق جداً. ذلك أن روسيا تسيطر على أكثر من ربع الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي وهي المجهز الأكبر لأوروبا من هذا الغاز، والذي تعتمد عليه أوروبا لسد 35٪ من طلبها الكلي على الطاقة. ذلك من جهة، و من جهة أخرى فأن الشرق الأوسط، والخليج العربي بالذات، يسيطر على أكثر من 40٪ من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي، علماً أن الغاز الطبيعي يجهز حالياً نحو 24٪ من الطلب العالمي على الطاقة، وإن هذه النسبة آخذة في الازدياد.
ثم تأتي الصين العطشى إلى الطاقة، وهي الآن عملاق صناعي هائل بامتياز، و هي مستمرة بالنمو الاقتصادي بسرعة فائقة، وطلبها على النفط يزداد باستمرار من أجل توفير الوقود اللازم لتسيير عجلة الصين الصناعية الهائلة. و تأتي بعدها الهند، و هي عملاق آخر يستيقظ، ويقدر لنفوسها أن تتجاوز نفوس الصين في حلول عام 2030م. إن الهند هي أيضاً في طريقها أن تصبح عملاقاً صناعياً هائلاً عطشى إلى النفط والغاز كقرينتها الصين. وليس مقدراً للصين والهند أن تصبحا من عمالقة الصناعة فقط، ولكن مقدر لهما أن تصبحا دولتان عظيمتان بقدراتهما العسكرية أيضاً. ومن هنا يمكن تصور المشهد العالمي في غضون الأربعة عقود القادمة: منافسة شديدة على مصادر النفط والغاز بين عمالقة العالم الكبار صناعياً وعسكرياً، وقد بدأت المنافسة هذه من الآن.
إن أغلب مصادر الطاقة المتنافس عليها تقع في الشرق الأوسط، وفي الخليج العربي بالذات، إذ تحتوي هذه المنطقة الحيوية من العالم على أكثر من 60٪ من احتياطيات العالم من النفط وأكثر من 40٪ من احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي. إن الذي يسيطر على هذه المنطقة يسيطر على مقدرات العالم.
من هذا المنظور يجب أن تبقى ثروات العراق بيد العراق. إن هذا يتطلب أن تتوفر للعراق حكومة وطنية نزيهة وحكيمة قادرة على انتشال العراق من محنته الحالية وقيادته إلى شاطئ السلام. إن العراق قادر بنفطه وغازه ومياهه وأراضيه الخصبة وشعبه النشط الذكي أن يكون سيداً بين سادات العالم. استيقظوا يا عراقيون، استيقظوا يا عرب!