( الحلف ) :خاتمة : تحذير المسلمين من خلط السياسة بالدين

آحمد صبحي منصور في الخميس 23 فبراير 2012

مقدمة

1 ـ بدأت كتابة مقال عن (الحلف بالله ) جل وعلا ، والكفارة التى يجب أن يدفعها المسلم المؤمن حين يحنث فى الحلف ، ومقارنة بين هذا وإدمان المنافقين على الحلف كذبا ، وتعود المشركين على القسم بالله جهد أيمانهم ثم يحنثون ، ولا وجود للكفارة بشأنهم لأنهم خارجون عن الاسلام أصلا. تشعب المقال الى عدة مقالات ، ثم تواصل التشعب ليصل الى 17 مقالا فى فضح الاخوان المسلمين والسلفيين الوهابيين وكل من يخلط السياسة بالدين . وحافظت فى سلسلة المقالات على البدء بالعنوان الأصلى ( الحلف كذبا ) ثم وضع عنوان خاص لكل مقال طبقا لموضوعه . كان المفترض أن تكون من المقالات الأولى مقال يوضح تحريم استغلال اسم الله فى الحصول على حطام دنيوى . ولكن لما إختمرت فكرة أن أستمر فى البحث ليكون كتابا مكونا من سلسلة مقالات قررت تخصيص هذه الخاتمة لتناقش هذا الموضوع ، مع تغيير عنوان الكتاب ليكون (تحذير المسلمين من خلط السياسة بالدين) بدلا من ( الحلف بالله كذبا ). ومن المنتظر إجراء تعديلات فى ترتيب المقالات لتناسب العنوان الجديد ، وكتابة مقدمة خاصة للكتاب . ثم سننشره كاملا فى موقعنا (أهل القرآن ) ضمن بقية كتبنا المنشورة .

2ـ طبقا للمنهج الموضوعى فى البحث القرآنى والذى نلتزم به من أكثر من ثلاثين عاما ، والذى به إكتشفنا ـ ولا زلنا نكتشف حقائق القرآن المغيبة والمجهولة والمهجورة ـ فإننا نبدأ بالبحث فى القرآن بلا أدنى فكرة مسبقة ، هذا مع حصيلة معايشة وحفظ واستظهار للقرأن الكريم مذ نصف قرن . حين أبحث أبدأ من جديد كأنى لم أقرأه من قبل ، وبلا أى فكرة مسبقة ، أبحث عن الرأى القرآنى مصمما على إتباعه مهما خالف ما لدى من أفكار وعقائد . صلة هذا بموضوعنا هنا ، أننى أبدأ بحسن نية لأكتب مقالا بحثيا متتبعا الآيات القرآنية فتأخذنى آيات القرآن الى عوالم لم تكن فى ذهنى من قبل ، فأفترض أننى سأكتفى بعدة مقالات فأجد نفسى وقد تضاعف عدد المقالات. وعادة أكون بين خيارين : إما أن أتم سلسلة المقالات لتكون كتابا وأنشره كاملا فى موقعنا ، وإما أن يأتى موضوع جديد حاث ومطلوب فأضطر للتوقف عن استكمال هذه السلسلة بعد كتابة معظمها وأرجئ تكملة بقيتها الى وقت آخر بعد أن إتضحت معالمها الأساس وبقيت منها تفصيلات ، يمكن إكمالها فيما بعد . وأتمنى استكمال أبحاث ( لكل نفس بشرية جسدان ) والجزء الثانى من كتاب الصلاة ، وتحليل قصة يوسف والصحابة وملك اليمين والقرآن واللغة العربية والاشارات العلمية فى القرآن الكريم ..الخ.

3 ـ معايشة الأحداث والتفاعل معها والتعليقات على المقالات وأسئلة الفتاوى التى ترد الى موقعنا من الأسباب التى توقف البحث فى موضوع وترشح البدء بموضوع آخر. على سبيل المثال ، كنت أجهز كتابا عن الحج بين الاسلام والمسلمين ، ولكن نكسة وصول الاخوان لمجلس الشعب المصرى هى التى أطالت مقالات ( الحلف بالله كذبا ) لتكون هذا الكتاب ، كما  ستضطرنى الى تأجيل كتاب الحج مؤقتا والبدء بمقالات بحثية عن (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بين الاسلام والمسلمين ). فقد أصبح موضوع الساعة .

وندخل الان فى خاتمة كتاب ( تحذير المسلمين من خلط السياسة بالدين ).

أولا : الخصومة الدينية على درجتين :

1 ـ هناك خصومة دينية بين البشر ، إذ يختصمون فى الله جل وعلا ، بعضهم يحلو له أن ينكر الفطرة فى داخله فيعلن كاذبا أنه لا وجود للخالق جل وعلا ، فإذا جاءه إمساك أو إسهال أو حاقت به مصيبة صرخ مستنجدا بالله جل وعلا مخلصا دعاءه وتوسله بالله . وبعضهم يؤمن بالله جل وعلا الخالق ولكن لا بد أن يؤمن معه بآلهة أخرى ويقدس أنبياء وأئمة وأولياء ويجعلهم شركاء مع الله فى ملكه وفى حكمه ويجعلهم واسطة بين الناس ورب الناس، ويجعل لهم سلطة ونفوذا يوم القيامة بحيث يشفعون لأتباعهم ويدخلونهم الجنة ، حتى يفسدوا فى الأرض ما شاءوا ثم يكون مصيرهم الجنة مهما أجرموا .وهذه هى الأكثرية من البشر التى لا تؤمن بالله إلا وهى مشركة:(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)(يوسف 106) ويوم القيامة سيطلبون الخروج من العذاب الأبدى فى النار: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) فيقال لهم : (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا )(غافر 11 : 12 ). ولأنهم أغلبية البشر خصوصا مع تحكم أديانهم الأرضية وتحالفها مع الاستبداد السياسى فإن النقمة على هذه الأديان الأرضية وظلمها وفسادها واستغلالها الجماهير يدفع ببعض الناس الى الالحاد وإعتبار الدين أفيون الشعوب ، لأنهم لم يروا من الدين سوى تلك الأديان الأرضية الظالمة .

ثم هناك قلة مؤمنة من البشر:(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)(سبأ 13)، وهى تؤمن بالله جل وعلا وحده الاها لا شريك له ، وتحترم الأنبياء كصفوة للخلق ولكن لا تقدس مع الله أحدا ، وتؤمن بلقاء الله جل وعلا يوم الحساب وتتحسب له ، وينطبق عليها قوله جل وعلا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) ( الكهف  110). فى النهاية يفترق البشر الى خصمين فقط ، مؤمنون عملوا الصالحات وكفار عصاة ، والخصومة بينهما فى الله جل وعلا وفى دينه سيفصل فيها صاحب الشأن وهو الله جل وعلا يوم الفصل الذى هو يوم الدين ويوم الحساب ويوم لقاء الله . وفيه يدخل المؤمنون الجنة ويدخل الكفار النار:( الحج 19 : 24 ).

2ـ وهناك خصومة بين الله جل وعلا وبين أكفر وأحقر وأظلم البشر ، وهم الذين يزيفون دين الله جل وعلا ويهدمونه بالتحريف والتخريف ليقيموا على انقاضه أديانهم الأرضية التى يصبحون بها أئمة مقدسين يزاحمون رب العزة فى حقه فى أن يكون وحده المستحق للعبادة والتقديس ، ثم يأتى اتباعهم فيستخدمون تلك الأديان الأرضية واسم الله جلّ وعلا فى خداع الناس ويشترون به ثمنا قليلا ، وهم ثمن مهما بلغ فهو قليل حتى لو كان سلطانا فى الأرض وتملكا للثروة والسلطة ، لأن متاع الدنيا قصير ، والعمر لا يلبث أن ينتهى بالموت ، وبذلك فلا فارق إن كان هذا الثمن القليل بضعة قروش أو بضعة بلايين ، ولا فارق إذا كان هذا الثمن القليل مالا أو حكما إستبداديا باسم الله تعالى ظلما لله جل وعلا وللناس .

3ـ عن هذه الخصومة يقول جل وعلا:(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (آل عمران 77 ). هؤلاء يبيعون للناس عهد الله ويقسمون بأغلظ الأيمان ويحلفون باسم الله العظيم ليكسبوا الدنيا وثمنها القليل وحطامها الزائل . أولئك مصيرهم أن القاضى الأعظم ـ الذى سيفصل بين الناس يوم الفصل ـ سيكون هو جل وعلا بذاته خصما لهم ، فلن يكلمهم ولن ينظر اليهم ولن يسمح بتزكيتهم ، وينتظرهم عذاب اليم . فقد أنزل الله كتابه بالحق فحولوا الحق الى باطل ، وجعل الله جل وعلا دينه لإقامة القسط فاستغلوا دين الله لإقامة الاستبداد والظلم والقهر. هى خصومة هائلة لرب الناس قبل أن تكون خصومة للناس . ينطبق هذا أكثر على النشطاء السياسيين الذين يخلطون السياسة بالدين كالوهابيين السعوديين والمصريين .  

4 ـ ومعهم صنف يؤيدهم ،هم الفقهاء الذين يتلاعبون بالايات ، فيحرّفون معانيها ويكتمون الحق ، ويأكلون السحت ، يقول جل وعلا عنهم :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ )(البقرة 174 : 175 ). مصيرهم يوم القيامة أن السحت الذى يأكلونه فى الدنيا سيتحوّل الى نار فى بطونهم فى جهنم ، ولن يكلمهم القاضى الأعظم مالك يوم الدين ، ولن يزكيهم ولهم عذاب هائل يتعجب رب العزّة من صبرهم عليه ، فهم بحكم المهنة مطالبون بالدعوة للهداية ، ولكنهم باعوا للناس الضلالة وأوردوهم النار.

5 ـ والواقع أنه فى مجال الدعوة الدينية لا توجد منطقة وسط ، إمّا الصدع بالحق وإما كتمانه وتحريفه ، لا يوجد حلّ وسط أمام الدعاة؛ أى لا يمكن لأحدهم طالما تصدر الوعظ وتخصص فى العلم بالدين إلا أن يقول الحق كاملا ولا يكتمه، ومجرد كتم الحق يستحق اللعنة ،ولا تسقط عنه لعنة الله إلا إذا تاب وأعلن خطأه وقام بتصحيح موقفه على أعين الناس،يقول جل وعلا : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ( البقرة 159 : 160 ) أما إذا مات على كفره فاللعنة فى إنتظاره:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ )( البقرة 161 : 162 ). ولم يحدث حتى الآن أن تشجع أحد الأئمة السابقين أو اللاحقين أو حتى المعاصرين واعترف بضلاله وإضلاله وتاب وأناب . لم أجد ذلك فى تاريخ المسلمين ، ولم أسمع به فى حاضرهم .!

6 ـ ونستفيد من هذا حقيقتين :

الأولى : إن مجرد السكوت عن الحق يستحق اللعنة ، وأن الساكت من الفقهاء عن قول الحق هو ملعون . بعضهم مثلا يكتفى بالاستشهاد بالقرآن ضد خصومه فى المذهب أو فى الدين، ويتجاهل إنطباقها على أهل مذهبه.وبعضهم  يعتزل العمل السياسى ولا ينغمس فى تزييف الحق واكتساب السحت كفقهاء السلطان والاخوان ، ولكنه يكتم الحق حتى لا يقع فى مشاكل . ومن يكتم الحق ملعون. أى لا مجال للتوسط هنا،فلا بد للداعية أن يصدع بالحق الذى يزهق الباطل ليصل الحق الى الجميع حتى لا يكون يوم القيامة ممن تلعنهم العوام، يقول جل وعلا عن العوام الضالين :(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً)(الأحزاب 66: 68). ونعرف بذلك كيف يلعنهم الله وملائكته ..والناس أجمعين..

الحقيقة الثانية:هى إلزام من يكتم الحق بالتوبة العلنية أمام الناس لو أراد النجاة من اللعنة ، أى بأن يعلن للناس خطأه وأن سكت عن كذا وكذا وأنه أخطأ فى كذا وكذا ، وكان واجبا عليه أن يقول كذا وكذا ، لوفعل هذا فقد نجا من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

وبالتالى فإن لنا أن نحكم على أئمة السّوء باللعنة طالما ماتوا وتركوا كتبهم بعدهم تنفث السّم وتكتم الحق وتنشر الباطل وتضل الناس، فقد ماتوا ولم يعلنوا فى حياتهم توبتهم ورجوعهم للحق أمام الناس، وكان معهم القرآن فيه الحق والبينات ولكنهم كذّبوه وألغوا تشريعه بخرافة النسخ ، وأقاموا أكاذيب سموها أحاديث وسنّة، أذاعوها صدّا عن كتاب الله وعن سبيل الله ، وظلوا هكذا الى أن ماتوا بعد أن نشروا كل هذا الزيف وصيروا به القرآن مهجورا. أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ولا عبرة بتقديس الناس المتوارث لهم فى هذه الدنيا ، فسيأتى أولئك الناس فى النار يلعنون أولئك الأئمة ، خصوصا أئمة السنيين فى العصر العباسى مثل مالك و الشافعى وابن حنبل والبخارى ومسلم ، والعصر المملوكى مثل ابن تيميه وابن القيم وابن كثير ثم ابن عبد الوهاب فى عصرنا الحديث ، ثم حسن البنا وسيد قطب وسيد سابق والشعراوى فى عصرنا الراهن. ونرجو أن يتوب الأحياء منهم فى وقتنا هذا قبل فوات الأوان ، مثل بديع والقرضاوى والمحلاوى والعوّا ، وإلا فاللعنة تنتظرهم . نرجو ألّا يكونوا  خصوما لرب العزة يوم القيامة.

7 ـ التوبة لا تزال ممكنة أمام خصوم رب العزة ممّن لا يزال حيّا من فقهاء وزعماء الاخوان والسلفيين والوهابيين ، ففى أواخر عهد خاتم النبيين نكث أسلافهم من الصحابة القرشيين العهد ، فقد تعودوا أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وأن يصدوا عن سبيله،وأن يطعنوا فى الاسلام ،والاعتداء على المؤمنين المسالمين ، بل قد همّوا بإخراج الرسول من مكة ، فأنزل الله جل وعلا براءته منهم وأمهلهم الأشهر الحرم الأربعة ليتوبوا، وإلا فقتالهم :( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(التوبة 5 )،وقال جل وعلا عن جهدهم فى استغلال الدين ونكث العهود والاعتداء عند الوصول للقوة والسيطرة :( اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ)،ومع ذلك كرّر عرض التوبة عليهم فقال:( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ). وإن لم يتوبوا فقد أمر رب العزة بقتال أئمتهم حتى ينتهى إفتاؤهم بالإثم والعدوان وطعنهم فى الاسلام: ( وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) وقال جل وعلا فى التحريض على قتالهم وفى تبيين إعتداءاتهم ومنها نكث العهود ومحاولتهم طرد الرسول من مكة بعد الفتح ،وبدؤهم بالاعتداء:(أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (التوبة : 13)

 

ثانيا : الاستحلال أساس استغلال الدين فى السياسة

 1 ـ جاء ما يلى فى تحريفات التوراة فى سفر التثنية: 23 / 19  : 20 ( لاَ تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا، رِبَا فِضَّةٍ، أَوْ رِبَا طَعَامٍ، أَوْ رِبَا شَيْءٍ مَّا مِمَّا يُقْرَضُ بِرِبًا.  لِلأَجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا، وَلكِنْ لأَخِيكَ لاَ تُقْرِضْ بِرِبًا.). هنا تعامل بمكيالين ، وتشريع مزور باستحلال أكل أموال الناس بالباطل.

 2 ـ ونزل القرآن الكريم فكان مما ندّد به من سيئات بعض أهل الكتاب هو نفس ما جاء فى سفر التثنية ، يقول جل وعلا:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)،أى إن بعض أهل الكتاب يتعامل بأمانة مع العرب ولكن بعضهم كان يستحلّ أكل أموال العرب الأميين ( الجوييم ) بتشريع أرضى يقول إنه لا مؤاخذة عليهم فى أكل أموال غير اليهود الاسرائيليين . ويقول رب العزّة معقبا : (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)،أى يفترون تشريعات كاذبة وينسبونها زورا لله جل وعلا .ثم يقول رب العزة فى الآية التالية يعطى حكما عاما ينطبق على الجميع ردا على ذلك الاستحلال لأموال الغير:(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )، آى إن المتقى الذى يحبّه ربه هو من يفى بالعهد فى تعامله مع الناس ويخشى رب الناس ويتقيه.

3 ـ هناك من يسرق بلا مبرر دينى ، وهناك الصنف الأسوأ وهوالذى يسرق ويظلم مستخدما إسم الله وبمسوّغ دينى  يبدّل فيه دين الله جل وعلا، لذا تقول الآية التالية:( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ) ( آل عمران 75 ، 76، 77 ). وهذا هو الصنف الأحقر الذى سيكون خصما لرب العزة يوم القيامة ، وقد تحدثنا عنه من قبل .

4 ـ ومع إن الله جل وعلا جعلها قضية عامة تنطبق على كل زمان ومكان فكان المفروض من أئمة المسلمين أن يتعظوا بهذا الخطاب الذى جاء تحذيرا للجميع وليس للعصاة من أهل الكتاب فحسب . ولكن أبا بكر وعمر وعثمان إستباحوا عمليا بالفتوحات حقوقا لأمم وشعوب وأجيال، استباحوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ثم جاء أئمة السّنة يشرّعون هذا العصيان ويجعلونه دينا ، قامت عليه أنظمة حكم مستبدة فى العصور الوسطى وفى عصرنا ، وعلى سنتها يسير الإخوان المسلمون والسلفيون المصريون.

5 ـ وفى عصرنا حيث ساد التشريع السّنى حتى بين المسلمين المهاجرين لأمريكا ترى تطبيق هذه الشريعة السّنية فى استحلال أموال الأمريكان . فى أمريكا يفترضون فى كل إنسان الصدق ، ثم هو مسئول عن تأكيد مصداقيته أو صدقيته فى التعامل ، أو ما يعرف فى التعامل المالى ب( الكريدت ). ومن ينجح فى تسديد ما عليه من فواتير وأقساط يزداد رصيده المعنوى فى الكريدت . ومن يفشل فى السداد لا يجد من يقرضه أو من يتعامل معه وربما قد يفقد عمله وبيته وسيارته . أما صاحب السمعة الطيبة صاحب النسبة العالية فى ( الكريدت ) فتتنافس ع البنوك والشركات فى التعامل معه وفى عرض القروض عليه . بعض المسلمين يستغلون هذا النظام بتكوين سمعة طيبة لهم فى البداية ثم يقترضون مبلغا كبيرا ويهربون به الى بلادهم . وهناك طرق كثيرة للتحايل على الأمريكان تستغل ثقافتهم فى إفتراض الصدق فى كل إنسان ، واستعدادهم للتسامح مع الغلطة الأولى لإعطاء المذنب فرصة ثانية ليتوب ويصلح نفسه . بعض المسلمين الملتحين وغير المتدينين تجمعهم عقيدة الاستحلال ، فى خداع الأمريكان أشخاصا وشركات ، وفى التهرب من الضرائب والتهرب من سداد المستحقات والفواتير ، ويرون ذلك شريعة لا غبار عليها لأن الأمريكان عندهم كفرة حلال ما يؤخذ منهم . وبهذا الاستحلال إكتسب المسلمون والعرب سمعة سيئة فى أمريكا . حتى إن العربى والمسلم دائما يفضّل التعامل مع الأمريكى الأبيض ويبتعد قدر الامكان عن رفيقه العربى والمسلم .

6 ـ وهناك أنواع مختلفة من الاستحلال فى بلاد المسلمين حيث يسود الفساد والاستبداد ، ويستطيع المستبد أن يسرق عيانا جهارا ، فلا يملك الضعيف إلّا أن يسرق خفية ، ويستحل سرقاته . وهناك الاستحلال الأفظع ، وهو أن تستحل ركوب شعب بأكمله لتحكمه مستبدا ، وتزعم أن الله جل وعلا قد إختارك لهذا من بين العالمين. 

 ثالثا : تحريم استخدام إسم الله فى الحصول على أى حطام دنيوى  

1 ـ يقول جلّ وعلا : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) هنا أمر بالعدل ، وأمر بالاحسان الذى هو فوق العدل ،اى العفوعن المسىء والغفران له والتسامح معه والتنازل عن الحق ، مع الأمر بإيتاء ذوى القربى . وهنا نهى عن الفحشاء والمنكر والبغى . والله جل وعلا يعظنا بذلك حتى نتذكر . ولكن لم يتذكر هذه الأوامر والنواهى أبو بكر وعمر وعثمان فى ارتكابهم الجريمة العظمى المعروفة بالفتوحات . ولم يتذكرها الصحابة فى الجريمة العظمى المعروفة بالفتنة الكبرى. ولم يتذكرها الأمويون والعباسيون والفاطميون والعثمانيون والوهابيون والاخوان المسلمون والسلفيون ، وكل من يظلم رب العزة ويظلم الناس حين يستخدم إسم الله العظيم ويبدل دينه مقابل متاع دنيوى غرور.

2 ـ وحتى يتذكر المسلمون وغيرهم يقول رب العزة فى الاية التالية :(وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ). أى طالما ذكرت إسم الله فى عهد أو عقد فلا بد من الوفاء به . ولو حلفت يمينا باسم الله فلا تنقضه لأنك بذكر إسم الله جل وعلا فقد جعلته كفيلا ، وهو الأعلم بما نفعل .هنا تكون الجريمة قائمة على كل من ينقض عهد الله أو يحنث بقسم الله ، سواء كان بائعا يبيع الطماطم فى سوق الخضار ويقسم أنه إشتراها بكذا ، أو كان مرشحا لمجلس الشعب لا يملك من مؤهلات سوى لحيته وقدرته على الكذب ، يخدع الناس مستخدما إسم الله وعهد الله . ومن الطبيعى ألاّ يكون جرم بائع الطماطم الحانث بدرجة الخطيئة التى يقع فيها من يخلط السياسة بالدين، ولكن التحريم هنا يشمل الجميع .

3ـ هى جريمة تحبط العمل الصالح نفسه ، فقد يكون ذلك الملتحى الكذاب يصلّى ويتصدق ، ولكن عمله الصالح يضيع ببيعه إسم الله العظيم ليشترى به جاها ومنصبا وسلطة. يقول جل وعلا فى الآية التالية يخاطب الناس: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ) وهنا مثل رائع لتضييع العمل ، أى لا تكونوا مثل المرأة التى تغزل الصوف،ثم تمزّقه وتضيّع تعبها ، والسبب هو كما جاء فى نفس الآية (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ )،اى تتخذون من الكذب فى اليمين مدخلا للخداع فيما بينكم  أى تجعلون إسم الله العظيم مجالا للخداع والسرقات والظلم . ثم يتكرر التحذير مرة أخرى :(وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)(النحل 90 : 95 ).

4 ـ ويتكرر من صفات المؤمنين المفلحين محافظتهم على العهد والأمانة (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)(المؤمنون 8 ،المعارج 32)،ومن صفات الأبرار المتقين (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ)( البقرة 177 )،وضمن الوصايا العشر فى القرآن الكريم:(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )( الانعام 152). بينما تكون اللعنة والعذاب مصير ناقضى العهد المفسدين:(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (الرعد 25 ).

أخيرا :

هى قضية إيمان بالله وباليوم الآخر فى الدنيا ، وقضية جنة أو نار فى الآخرة . وكل فرد وما يختاره لنفسه .

وكل ما نرجوه أن يجعلنا ربنا جل وعلا شهداء على عصرنا وعلى قومنا : (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)(آل عمران 53 ).

ودائما : صدق الله العظيم ..!!

اجمالي القراءات 11328