كيف نحقق إعادة بناء الانسان المصري
المصري الفرد خير من المصري المواطن.!!

محمد عبدالرحمن محمد في الثلاثاء 02 اغسطس 2011

           

الخواطر تلمع بسرعة البرق وربما تفلت وتختفي رغم أنها تحمل أفكاراً جديدة وعلينا الامساك بها وتقييدها ولايكون ذلك إلا بتسجيلها وتدوينها، وعندها ستزيل عنا القلق الذي ينتابنا عندما نناقش قضايانا الكبرى ومشاكلنا المزمنة، وهذا مايجب أن نمارسه كمفكرين وطالبي إصلاح وعدل، ولابد من عرض ومناقشة هذه الخواطر والأفكار بمنهج علمي وعملي في آن واحد ..

  ونحن كمصريين بعد ثورتنا السلمية البيضاء والتي صنفها علماء الاجتماع بأنها لاتعد من باب الثورات الدموية فهى أقرب إلى الانتفاضات السلمية ... وهذا ما جعل السلطويين بمصر يتلكؤون في تنفيذ مطاالب جماهير وجموع المصريين!

ولماذا هذا التلكؤ من جانب العسكريين  وجهازهم الأمني .. لأنهم لايفهمون ولا يعون إلا منطق القوة والخداع والمماطلة .. لجموع الجماهير ..وخلاصة الفكرة التي ينضوي عليها هذا المقال المتمم لما قبله هى :

  أن المصري في هذه المرحلة الزمنية من حياته، قد أصابه انقسام عزل جانب "الفرد" من كيانه عن جانب "المواطن"، وكان الناتج هو أن المصري ظل كما كان دائماً "فرداً" يتميز بما يتميز به من حسنات..

  لكن المصري أصيب في جانب "المواطن" من شخصيته، فلم يعد ذلك المواطن الصالح الذي كان، ومعنى هذا التحليل هو أن موضع الشكوى والنقد والتقويم لا يشمل "المصري" بكل وجوده، بل يشمل جزء من ذلك الوجود، وهو الجزء الذي "يواطن" به الآخرون من أبناء الوطن الواحد.

  ولو نظرنا للمصريين "أفراداً" في حياتهم الخاصة، بين أقاربهم وأصدقائهم، لوجدناهم كما نريد لهم أن يكونوا، وكعهدنا بهم، أوفياء متعاونين يخلصون الود ويصدقون النصيحة، ثم لو نظرنا إلى كثرة منهم في ميادين العمل والتعامل، نجدهم قد تهانوا فيما عرفوا به من صفات من  توادٍ وتراحم وتعاون وإخلاص: العامل يريد الأجر الكبير الفادح بلا عمل، والزميل يراوغ ويخادع  زميله وينافق رئيسه في العمل.

  لا يزال المصريون على إمتلائهم بالقيم المصرية الأصيلة وامتلاكهم لها وهم فرادى، أعني وهم في دنايهم الخاصة وحياتهم الاجتماعية اليومية، لكنهم في "المواطنة" قد أصبحوا صرعى للفردية وكأنهم أعجاز نخل خاوية وذلك وفقه التعبير القرأني العظيم..!

 ولو أوجزنا في إختصار لأمكننا القول: إن المصري في حياته الراهنة "صادق" .. وهو فرد، "كاذب" وهو مواطن.

ولو شبهنا المجتمع المصري بقصيدة الشعر، لأمكننا ان نقول إن قصيدة الشعر إذا كانت محكمة البناء  مبنى ومعنى ووزناً وقافية ، وقد انهار بناؤها ، وفصلت الشكل عن المضمون، حتى أصبحت مجموعة مفردات وجمل لا نجد الوحدة العضوية التي تربطها معاً في وجود مشترك، ويمكننا تطبيق ذلك علة المجتمع المصري وهو يعيش أفراداً أو أسراٍ منعزلة عن مفهوم وعقيدة المواطنة..

  وعلى ضوء ضوء هذا الذي ذكرناه عن قصيدة الشعر الجيدة الصادقة، نقول كذلك عن المجتمع السوي القوي النابض بالحياة، كما نتمنى لمصر اليوم أن تكون..  وكما كانت في عصور عزها ومجدها.

فأولاً ــ نريد لمجموعة المواطنين المصريين أن يكون بينهم من الروابط والصلات، ما يجعل منهم جميعاً وحدة حيوية واحدة ــ وكأنهم اجزاء من شجرة واحدة، تختلف أجزاؤها بعضها عن بعض، لكن ليس لجزء منها غنى عن باقي الأجزاء، فليست جذور هى أوراق وفروع، ولكن لا حياة لتلك الأوراق والفروع لو لم تكن هنالك الجذور التي تمدها بالبقاء والحياةــ .

وثانياً ــ يجب أن يكون المصري صادقاً لا في حياته الخاصة فقط ، بل كذلك في حياته التي يجتمع بها مع سائر الأفراد، وينطر إلمصري لأخيه المواطن المصري على أنه "إنسان" وليس اداة صماء يستغلها لقضاء مصالحه الخاصة والأسرية.

ثالثاً : يجب أن يكون المواطن صادقاً في التعبير عما يشعر به إزاء الآخرين كصدق الشاعر الجيد ، حين يقر وجود موضوعه كما هو على حقيقته، ثم يضفي عليه مشاعر من عنده كما يحسها.

  لو توافرت لنا هذه الخصلة لضمنا الا ينافق بعضنا بعضاً في العلانية، ثم نستتر وراء جدراننا لنصب على الآخرين سيلاً من اللعنات.

  إن المصري في مرحلته الحاضرة قد شطر نفسه شطرين، فرد جيد في ناحية، ومواطن سئ في ناحية أخرى،، وقصنا بالسوء تلك الصفات نفسها التي تجعله ينظر إلى الأمور على غير حقيقتها أولاً ثم يكذب في التعبير عن مشاعرهن وذلك يفسره تماماً أننا ننظر إلى من بأيديهم السلطان والجاه والمال، على غير حقائقهم أولاً ثم نكذب في التعبير عن مشاعرنا نحوهم، ولا نقول عنهم الحق كما نراه، إلا ونحن بمعزل عنهم، نتبادل الحديث مع ذوينا وخلصائنا.

  ولو اقتصر هذا الانقسام الخطير في شخصية المصري وهو يجتاز المرحلة الراهنة من تاريخه، على ميدان السياسة لقلنا أنه راسب من رواسب ذلك التاريخ، حين كان المصري ينطوي على حياته الخاصة إلتماساً للأمان، إذ كان على يقين بأن رأيه في الشئون العامة، لا يعود عليه إلا بالوبال إذا هو أغضب السطان، لكن ذلك الانقسام الخطير الذي أشرنا إليه، قد يكون له أصداء قوية الرنين في شتى المجالات الحيوية، كالتعليم والاقتصاد، بل والحياة الدينية نفسها، والسطوة الروحية على الكثرة الكثيرة من عقول عموم المصريين.

 وبمعنى أن يحتفظ المصري كفرد برأيه الحقيقي ، لا يفصح عنه إلا في مجالسه الخاصة ــ ذلك إن فعل ــ  وقد فعل أكثر من ذلك في ثورته وانتفاضته السلمية في أيام الكرامة الثامنية عشر قبل سقوط الطاغية مبارك..!

  وأما في دنيا العلانية فهو إما يمسك لسانه ويزم شفتيه ( وذلك اهون الشرور فيه كمواطن،وإما ينطق بما يعلم أنه كذبٌ اكتساباً للقبول والرضا ، فكانت النتيجة أن بسط ذلك الانقسام جناحيه العريضين على رقعة عريضة من حياتنا، ففي دنيا العلم ـ مثلاً ـ هناك زاوية منفرجة  في  شخص المتعلم، بين ما نقول عنه أنه تعلمه، وبين ما نعرفه انه يعلمه حقاً.

 وهناك زاوية أشد انفراجاً في حياتنا الاقتصادية والعملية، بين ما نقول إننا قد أنجزناه، وبيم ما نعرف أنه حقاً قد تم إنجازه.

  وهكذا إذن نحن تعقبنا أوجه حياتنا من زواياها المختلفة، صدمتك تلك الزاوية، التي هى منفرجة في أكثر حالاتها، بين ما نقول عنه إنه حقيقة واقعة، وما نعرف حقاً عنه أنه بالفعل لم يقع.

  وفي التحليل الأخير لجميع تلك الحالات، سنجد المصري الفرد لا يزال على أصالته الرصينة في حياته الخاصة، وأما في الحياة العامة، فليس هو ذلك المواطن الذي ينظر إلى الوطن نظرته إلى بيته، وينظر إلى سائر المواطنين نظرته إلى أبنائه وإخوته، وهو في الحالة الخاصة ملئ بمضمونه الانساني، وهو في الحالة العامة خاوٍ أجوف وكأنه مع مجموعته أعجاز نخل خاوية.

وإذا كنا في التحليل قد وقعنا على الصواب، كان الطريق إلى العلاج مفتوحاً أمامنا ...

ومن أهم مداخل ذلك الطريق:

  تهيئة الفرص الكثيرة التي تجمع مجموعات من المواطنين في عمل واحد مشترك، فذلك من أقوى الوسائل التي تذكر الفرد بأنه ــ إلى جانب فرديته ــ مواطن لآخرين ، وهى فكرة كان الفقيه النافذ البصيرةط بين أب "ابن تيمية "  قد تنبه لها مما جعله يؤكد ان "الأمة" الواحدة، إنما تصير كذلك بالمشاركة بين أبنائها في فعل واحد الإسلامية، وكان حديث ابن تيمية هذا عن، في سياقه عن "الأمة الاسلامية" وما يمكن ان يوثق الروابط بين أفرادها.

خبر قديم لكنه معبر عن ما جاء بهذا المقال .. فقد حدث أن تمثال الحرية المقام عند مدخل نيويورك، قد أصابه تلف، استدعى أن يعلن عن البدء في إصلاحه، وبالتالي عن منع زيارة الزائرين له، وكانوا يعدون كل يوم بعشرات الألوف، يصعدون بسلم داخلي من قدميه إلى تجويف الرأس..

المهم هنا هو أنه تقرر أن ينفق عل إصلاحه من تبرعات "الأطفال،" الذين هم دون سن العاشرة أو نحو ذلك، وكان يمكن للدولة أن تدفع من مالها، لكن أولي الأمر يتصيدون كل مناسبة سانحة، فيتحينون الفرصة أمام مجموعات من أبنائها للمشاركة في فعل واحد..

إن ذلك هو الطريق المناسب إلى تماسك أفراد الشعب في كتلة متجانسة متعاونة، وقد نقول إن امريكا حديثة العهد ومواطنوها جاءوا إليها من أركان الأرض جميعاً ، فهم بحاجة إلى مشروعات كهذه تقوي بينهم الروابط..

وأما نحن فما عذرنا؟  والجواب هو أننا ـ لأمر ما ـ قد أصابتنا العلة التي لابد أن تكون مؤقتة وعابرة، ولكن ما ضرنا لو استطعنا أن نسرع بأعجاز النخل الخاوية إلى العودة لتمتلئ باللباب والثمر؟..  

 

 

 

 

      

اجمالي القراءات 6762