من ندوات رواق مركز ابن خلدون

احمد شعبان في السبت 10 يوليو 2010

رؤية للإصلاح    من منظور الأغنية 1910 : 2010 م                                  6/4/2010م

المتـحــــــــــدث:الدكتور/ كمال مغيث  

بدأ الدكتور : مغيث حديثه بالقول :الغناء والإيقاع عند المصريين جزء أساسي ومكون أصيل من تكوين المصريين مثلما هو الحال بالنسبة للعقيدة والعادات والتقاليد والعمارة والفنون والملابس ، وبالتالي لا يمكن الحديث عن ثقافة المصريين بدون الحديث عن الغناء والإيقاع والم&aete;موسيقى لدرجة أنه لا يمكن لأحد ان يعرف متى بدأ المصريين الغناء والإيقاع ، والمتحف المصري يضم العديد من الآلات الموسيقية التي تعود إلى ما قبل عصر الأسرات ، وارتبط الغناء عند المصريين بالمناسبات العديدة كالحصاد والبناء حيث كان الإيقاع عنصر أساسي جدا فالمصطلحة البسيطة الخفيفة " هيلا ... هوب " مما أعانهم على نقل الأحجار لبناء الأهرامات وكان حجم الحجر " 3 متر x3  متر " حسب نظرية الاحتمالات أن يحركوا 2700إلا إذا وقف أحدهم أثناء الدفع لضبط الإيقاع للدفع بلفظة " هيلا ... هوب " لكي يكون دفع الجميع في نفس الآن ويتم تحريك الحجر لأي مسافة كانت ، والمتحف المصري يعج بالآلات الموسيقية المعروفة لدينا اليوم كما يعبر عن الحالة التي كان عليها الغناء فنجد الضرير ومن يضع يده على جانب وجهه حتى يستشعر ترددات الصوت فيغير من نغمتها كما يراه مناسبا ، ثم نجد انتقال الموسيقى المصرية إلى الكنائس ، وهنا لابد من التمييز بين الأغنية الشعبية والأغنية الوطنية ، فالأغنية الشعبية موجودة دائما في الأغاني ألفلاحي والمواويل بأنواعها المختلفة ولدينا فنون المناظرات الغنائية التي تتسم بالارتجال ، أما الغناء الوطني فيهتم بموضوع الوطن فالغناء الشعبي يمكن اعتباره غناء وطني أيضا ولكن بعد تبلور فكرة الوطن بعد عصر محمد على فقد تطور تطورا كبيرا بعد انتقال فكرة الوطن من البنية التحتية التي اهتم بها محمد على مثل الجيش والري والقناطر الخيرية والصناعة والتجارة وطرق المواصلات ثم جاء إسماعيل ليضيف البنية الفوقية مثل التعليم والأوبرا وعمارة القاهرة وفخامتها وإنشاء المسارح والاهتمام بالفنون ودار الكتب والمكتبات العامة وتعليم البنات فبدأت البنية الفوقية ممثلة للثقافة الوطنية وبدأت تظهر الأغنية الوطنية التي ارتبطت أولا بالخديوي إسماعيل وكانت الأهازيج تمجد الحاكم وعرض سيادته لبعض النماذج الغنائية لهذا العصر ، وأيضا بعض العدودات التي تتحدث عن الغربية عن الوطن وعليه فقد تنوعت أغراض الأغنية الوطنية تنوعا هائلا في كافة مناحي الحياة ، ومثلما تمثل الحاكم في الأغنية الوطنية فقد تمثلت أيضا المعارضة مثلما نجد في أغاني الشيخ إمام .

وتساءل : هل يمكن أن تجتمع الأغنية الوطنية مع غرض آخر ، الإجابة نعم . مثلما حدث بين الأغنية الدينية والوطنية مثل أغنية إلى " عرفات الله " ، وأيضا اختلط الغناء الوطني بالغناء العاطفي مثل أغنية " شمس الأصيل " ، ويوجد تمييز شديد الأهمية بين الأغنية الوطنية والأغنية العاطفية وهو أن " الأغنية الوطنية هى تعبير عن الوجدان الشعبي " فإذا لم يستقبلها ويحتضنها ويتبناها الوجدان الشعبي لم تعد أغنية وطنية ولكن الأغنية العاطفية على النقيض فهى تعبير عن الوجدان الذاتي فكلما كان مغرقا في الذاتية كان مجيدا في العاطفية مثل " سهران لوحدي " .

ثم نأتي إلى التطور في الغناء الوطني فكان قبل ثورة 1919 كان عبارة عن فلاشات بسيطة تعبر عن المعارك ما بين المصريين والإنجليز ثم جاء سيد درويش أثناء الحرب العالمية الأولى حينما كانت السلطة تقبض على أولاد الفلاحين وترسلهم للعمل كخدم في معسكرات الشام للجيش الإنجليزي مثل أغنية " يا عزيز عيني " حتى كانت ثورة 1919 وانطلق المارد من القمقم وكان المعبر عن هذا المارد هو سيد درويش والذي كان شابا صغيرا 27 سنة في سنة 19 ، وكان عملاقا في الأربع سنوات التالية حتى مات في سن 31 سنة ونصف وترك لنا هذا التراث الوطني العظيم وترك لنا العهد الكلاسيكي في الأغنية الوطنية ، وكان أبرز ما فيها التغني بكلمة مصر ، كان المجتمع المصري مكون من ارستقراطيتين كبار هما " الشركسية التركية ، الغربية " وما تبقى هم الفلاحين ، حيث كانت كلمة مصري أقرب ما تكون إلى السب " متخلف " فجاء سيد درويش ليقول " صحيح أنا المصري كريم العنصريين ... " أو " مصرنا وطننا ... " أو " أهو ده اللي كان .. " ، فالأغاني كانت سلاح حقيقي ويومي في المعركة ، تحدث عن الوحدة الوطنية مستنهضا الناس وعن اليهودي والمسلم والمسيحي، وتحدث عن الجيش " أحسن جيوش في الأمم جيوشنا ... " وتغنى مشجعا الصناعة المصرية وعن الفلاحة وبنت البلد ، وتعليم البنات وعن السودان وبالإيقاع السوداني ، وجمع بين الأفنديات والفلاحين من خلال الأغاني ولم يكتفي بذلك فحينما أعلنت انجلترا عدم حديث أحد عن سعد زغلول ، غنى لسعد زغلول " يا بلح زغلول " ويوم عاد سعد زغلول من منفاه الأخير مات سيد درويش سنة 15 سبتمبر 1923 واحتار الناس في موته هل مات مسموما أم غير ذلك ، بعد ذلك انتقل الغناء مع استقرار الحالة الدستورية إلى الغناء للوطن فكانت الأغاني المعبرة عن ذلك وكانت أكثر هدوءا وأقل صدامية بعد ذلك كانت الأغاني الوطنية بمناسبة حرب فلسطين وظهرت حينئذ كلمة عرب وعروبة في الأغاني ، وكان يوجد غناء للملك فاروق وكان الناس على مدى العشر سنوات الأولى يحبون الملك حب حقيقي وكان متوج في قلوب المصريين ، ولكن بعد أن تدهورت أحواله الاجتماعية بدأ الحب يضمحل ، وقامت ثورة يوليو 1952 واستطاع عدد من العباقرة أن يحولوا شعارات وكلام الثورة إلى أغاني ، ثم كانت أغاني المناسبات تعبيرا عن حس شعبي جميل ثم حادث المنشية ثم العدوان الثلاثي لتستقر الأمور لعبد الناصر وتحالف قوى الشعب العاملة ، وبدأ تصوير الأغاني بديكوراته المعبرة ، ثم كانت الوحدة بين مصر وسوريا وبدأت تظهر أغاني العروبة والتعبيرات العربية وجغرافيا الوطن العربي ، وبعد الانفصال نتهت الوحدة ولم يعد أمامنا سوى الأغاني الوطنية .

فكانت أغاني الخمسينات والتي أعشقها لأنها تعبير عن معارك حقيقية ، ولكن أغاني الستينات بعد أن تخلص عبد الناصر من خصومه السياسيين وهيمن على المجتمع كما هيمن على الأغاني الوطنية " أصبحت جميعها تقول ناصر  بكل الصيغ الممكنة " .

وفجأة حصلت الهزيمة والتي عبرت ناصر  عن كل ما هو سيء في المجتمع وعن الديماجوجيا ، ظهر صوت عبد الحليم يقول " عدى النهار " .

ولم يكن ممكنا لعبد الحليم أو غيره التربع على عرش الأغنية الوطنية كما كانوا ، بل لم تستطع الإذاعة المصرية أن تعيد الناس إلى وجدانهم الوطني ، فانفتح الطريق أمام ثلاث ظواهر هامشية مضافة ، الأولى : " سيد مكاوي ، فؤاد حداد ، ومحمد حمام " والتمسك بالأرض ، رغم أنهم خارجين من ذل السجن لتوهم ، والثانية : " آلة السمسمية " الفترة من 67 حتى 73 .

والثالثة : الشيخ إمام بصوته الشجي ولكنه لم يكن صانعا ولكن بعد أن غنى لأحد فؤاد نجم وترددت أغانيه وسط المثقفين اليساريين الذين كانوا يتشفون في النظام ، فطرد من الإذاعة وتم القبض عليه ثم خرج من السجن وغنى بعض الأغاني التهكمية على المتسلقين والنقد الاجتماعي الجميل ، ومن أبرز أغانيه التي كانت عن الصمود ، ثم كانت حرب 1973 فظهرت الأغاني التي تعتبر صحوة الموت بالنسبة للأغنية الوطنية في مصر .

وانتهت الأغاني الوطنية إلا الركيك منها والوطن فقد معناه وبدأت مصر عهد جديد واستبدلت أحلام الناس من الوطن إلى خارج الوطن " الخليج ، وأوربا " ، ولم يكن الناس مدعوون لشيء داخل الوطن ، وتحولت حرب أكتوبر إلى بانوراما أكتوبر .

ولن تعود الأغنية الوطنية إلا إذا عاد الوطن إلى صدر أولاده .

وتساءل احمد شعبان  مدير الرواق عن إمكانية إيجاد قضية قومية يلتف حولها الشعب .              

اجمالي القراءات 10046