سلطة الدين أم دين السلطة ؟!!!

اسامة يس في الإثنين 31 مايو 2010

خطب معاوية الناس قائلا " : ( إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ) ( 1 ).

  إن معاوية هنا يقسم بالله انه ما قاتلهم ليصلوا ولا ليصوموا . ولم قاتلتهم إذن؟

الإجابة: لأتأمر عليهم. ثم يرد الأمر لله، والناس كارهون .

إن معاوية يعلن لهم صراحة ويقسم لهم بالله إن الأمر ليس أمر دين ، ومع ذلك اختاره الله لهم غصباً وكرها.

 إذن فقد حضر الدين ليثبت أركان الأسرة الحاكمة، فلم يأت معاوية/ الحاكم  لتكون شعائر ونسك وحدود، كمفهوم ضيق للدين، أو إضافة إلى ذلك تقى وتآلف كمفهوم أعم وأوسع.

 أي إن الخليفة / الملك / الحاكم أياً كان المسمى، لم يكن ملكاً ليقيم الدين، بل جاء الدين ليقم له الملك أو ليساعده على اقل تقدير في أن يكون حاكماً على رقاب الناس وهم له كارهون.

ولكن دعنا نتخيل أن معاوية كان يخطب في الناس في الجاهلية بعدما انتصر عليهم، واستبد بالأمر دونهم، إني لأظنه قائلاً:  ( إني وهبل ما قاتلتكم لسقاية ولا رفادة ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني هبل ذلك وأنتم كارهون ) .

إن وقع "هبل" في الجاهلية على أذن سامعيها ، كوقع من يقول: و"المسيح" على أذن النصارى، لكن معاوية يخاطب مسلمين فقال: والله ، أي أنه استخدم اللغة التي يستطيع بها توكيد ما يريد ويقتنع السامع بما أراد هو توكيده، إذن ما هي إلا فروق توقيت بين عصر وعصر، بين جاهلية وإسلام.

لقد استخدم معاوية ثقافة ولسان عصره _ كما استخدم المال كوسيلة أخرى لشراء الذمم وهما وسيلتان تستخدمان في كل عصر وان اختلفت الألفاظ والمدفوعات، فنراه .

 فقد روى ابن عبدالبر قال : " وبعث إليه  معاوية _ يقصد عبد الرحمن بن أبي بكر_ بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد فردها عليه عبد الرحمن وأبى أن يأخذها وقال أبيع ديني بدنياي فخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد بن معاوية .

إذن الدين كان وسيلة، والمال كان وسيلة، لتثبيت السلطان ، واللفظ اختلف باختلاف العصر، وإلا بأي نص في كتاب الله ، أُمر معاوية أن يقاتل الناس حتى يسودهم ويكون عليهم ملكاً.

ثم انظر إلى قوله حين قُتل الأشتر مسموماً : إن لله جنداً من العسل.

أصبح السم جنداً من جنود الله .

ثم انظر له وقد نسى الثأر الذي زعم، والدم الذي طالب :قال ابن عبدربه  : قدم معاوية المدينة بعد عام الجماعة ، فدخل دار عثمان بن عفان ، فصاحت عائشة ابنة عثمان ، وبكت ، ونادت أباها : واعثماناه ، تحرض بذلك معاوية على القيام بطلب ثأره .

فقال معاوية : يا ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا ، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب ، وأظهروا لنا ذلا تحته حقد ، ومع كل إنسان سيفه ، ويرى موضع أصحابه ، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ، ولا ندري أعلينا تكون الدائرة أم لنا ، ولئن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس . وأغدق العطاء على الرؤساء ، فمالوا إليه .

ثم نراه يخطب- وقد استخدم الدين في موضعه ، أي لم يستخدمه وسيلة لكسب الملك ولتوطيده- قائلاً :

فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم, واتّعظوا بمن كان قبلكم, قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم, وارفضوها ذميمة, فقد رفضت من كان أشفق بها منكم.(2)

انه هنا يتحدث واعظاُ يتحدث ناصحاُ أميناً ، هنا يقصد اللفظ وما ينتج عنه من أثر ، فليس اللفظ هنا كما السابق محض ثقافة فروق توقيت.

ولننظر لقول الحجاج في خطبه لأهل الكوفة لنوقن أن استخدام اللفظ الديني كان محض ثقافة  وكان الدين حاضراً على الدوام ليثبت الحاكم لا ليكون قيماً عليه:

والله لأحْزِمَنَّكُمْ حزم السّلَمة، ولأضربنّكمِ ضربَ غرائب الإِبل، فإنكم لكأهل قريةٍ كانتْ آمنةً مُطْمَئِنةً يأتيها رزقُها رَغَداً من كلِّ مكانٍ فكفرتْ بأنْعُم الله فأذاقَها اللهُ لباسَ الجوع والخوفِ بما كانوا يصْنَعون، وإني والله ما أقولُ إلا وَفَّيتُ، ولا أَهُمُّ إلا أمضيَتُ، ولا أخْلقُ إلا فَرَيْت".

انه يقسم كما اقسم معاوية من قبل بالله ، ثم يتوعد ، ثم يقتبس تالياً الآية، ويختم بتوعد مقسما بالله أنه ما يقول إلا ووفى، وكأني به يتلو قول الله تعالى: "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". سورة الصف آية 3

ثم ها هو عبد الملك بن مروان يوصي به خيراً وهو على فراش الموت :  ( ومرض عبد الملك بن مروان مرضه الذي هلك فيه، وعهد بالخلافة من بعده إلى ولده الوليد، وأوصاه بالحَجاج خيراً، وقال له: وانظر الحَجّاج فأكرمه، فإنه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد، ويدك على من ناواك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك. وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا، فقل: بسيفك هكذا...»[3].

إذن فالبطش هو السيد هنا ، والمنبر لا للوعظ ، بل يتجاوز حدود الوعظ، ليكون وسيلة إعلامية وطدت بفضل الحجاج  لتثبيت الأركان.

الدين _ومفرداته_ حاضراً على الألسن و بكل قوة، لكنه حضور توعد تارة، وحيلة بأن الله أراد هذا الأمر أو ذاك، تارة أخرى، حاضراً على الدوام كوسيلة لإقامة الممالك لا كغاية تصبوا إليها الممالك.

 *المراجع:                                                             

 (1):تاريخ ابن كثير، ج 8 ص 131

(2):" العقد الفريد" (488-89).

 (3): تاريخ الخلفاء للسيوطي : 220.

 


 

اجمالي القراءات 10194