الإنجاز الأعظم للمسلمين: توحيد السُنَّة والشيعة

د. شاكر النابلسي في الجمعة 25 ديسمبر 2009

atilde;، وفي أبنائهم من بعدهم. ولا شك – وكما يقول بعض المؤرخين والباحثين، والمفسرين التنويريين للتاريخ - أن الخليفة عثمان بن عفان، بما أعطاه لأقاربه من الأمويين، أثناء ولايته  من مال، وجاه وسلطان، وكان بذلك صانع تاج الأمويين الملكي، هو السبب الرئيسي الذي ثار من أجله الثوار، وقتلوا الخليفة عثمان بن عفّان. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الخلافة ملكية وراثية، وعلى امتداد أكثر من ستة قرون. وما قاله بعض المؤرخين والباحثين، من أن التشيُّع والشيعة، قد لعبا دوراً واضحاً أو غير واضح في انتقال الحكم في الإسلام من شوري (عهد علي بن أبي طالب) إلى ملكي وراثي (من بداية عهد معاوية بن أبي سفيان)، لم يبتعدوا كثيراً عن الحقيقة التاريخية، فيما قرأناه وبحثنا فيه، منذ عهد معاوية، وحتى المستعصم بالله، آخر خلفاء العباسيين الذي قتله المغول في بغداد 1258م.
-2-
 
ولكن التشيُّع وفرق الشيعة المختلفة، التي كانت سياسية من أساسها كما نعلم، بل هي نشأت أصلاً نتيجة خلاف سياسي وتنازع على كرسي الحكم، بين علي بن أبي طالب ومعاوية – ولولا هذا الخلاف لما انقسم المسلمون إلى سُنَّة وشيعة، ولكن ربما انقسموا إلى فرق أخرى مختلفة - انقلبت بالتدريج إلى خلاف ديني مذهبي، بفضل صراع الفقهاء الديني/السياسي من كلا الطرفين. ولكن ظلت السُنَّة تمثل إسلاماً لا يختلف في الأصول مع إسلام الشيعة، ولكنه يختلف مع إسلام الشيعة في الفروع، وفي التفاصيل. وللأسف الشديد – وكما يتم بين الفرق السياسية والدينية، كما شهدنا بين الكاثوليك والبروتستانت وغيرهما من الفرق الدينية المتنازعة - فقد استغلَّ صغار السُنَّة وصغار الشيعة من المتدينين و(المتذهبنين)، الخلاف المذهبي الديني على التفاصيل بين السُنَّة والشيعة، وراح الطرفان يسلكان سلوكيات خاطئة ومرفوضة، ومنها سبُّ بعض صحابة رسول الله عليه السلام وبعض زوجاته، ومقاربة الإمام علي من قدسية الأنبياء، ووضع بعض الأحاديث النبوية السياسية لصالح الإمام علي وأبنائه. وتمَّ افتراء واضح على التاريخ وحقائقه من قبل السُنَّة والشيعة. وهو ما أضر بتاريخ الإسلام، وفتح الباب أمام جهلة الإسلام باستغلال كل هذا، والنفاذ إلى سلبيات تُوجد في كل إيديولوجية دينية وسياسية، ولا تخلو منها عقيدة من العقائد.
-3-
لا أريد هنا، أن استعرض وجوه الخلاف الديني في تفاصيل الأحكام بين السُنَّة والشيعة، فقد أوفاه الباحثون العرب والمستشرقون حقه، بل زادوا عليه أكثر مما يستحق، ولكني أريد هنا، أن أُعيد التركيز على أهمية وحدة السُنَّة والشيعة، لكي تصبح خلافات وأدبيات السُنَّة والشيعة من ذكريات الماضي للدراسة والعبرة فقط، وليس لامتطاء صهوة خيول هذين المذهبين، لتحقيق انتصارات ومكتسبات سياسية آنية بحتة، كما حصل في معركة صفّين عام 660م (39هـ) على الأرض الأموية (ضفة نهر الفرات شرق سوريا). وكما حصل بعدها. وكما يحصل الآن في العراق، وفي الشرق الأوسط عامة، بين إيران والعالم العربي واليمن خاصة. ولعل أكثر من 70% من خسائر العراق ونكباته وصراعاته الدموية الحادة منذ 2003 إلى الآن، وفي الماضي، سببها هذا الصراع المذهبي/السياسي بين السُنَّة والشيعة، والذي كان بمثل هذه الحدة أو أقل قليلاً في الماضي، ولم تستطع إخماده جزئياً ولكنه ظل متوهجاً تحت الرماد غير الديكتاتورية البعثية، وطغيان وعنف عهد صدام حسين، الذي لم يوفِّر لا رقاب الشيعة في الجنوب ولا رقاب السُنَّة والشيعة معاً في الشمال من الأكراد.
-4-
إن دعوة المسلمين اليوم إلى توحيد السُنَّة والشيعة، أهم من دعوة الوحدة العربية التي كانت الشغل الشاغل للزعماء العرب الانقلابيين خاصة، الذين خرجوا على دبابتهم من الثكنات العسكرية، واستولوا على الحكم. فكانت دعوة الوحدة السياسية العربية وتجارب الوحدة العربية التي فشلت جميعها ما عدا وحدة نجد والحجاز 1932، واتحاد الأمارات العربية 1971، غطاء كثيفاً، ودرعاً واقياً، ولحافاً سميكاً من لحف (جمع لحاف) الصوف الدافئة، التي كانت تقي حكم العسكر في العالم العربي من برد الشتاء القارص وعواصفه، وسيول أمطار المعارضة الجارفة، إن وُجدت.
-5-
إن دعوة المسلمين اليوم إلى توحيد السُنَّة والشيعة بعد خمسة عشر قرناً من الصراع الدموي وغير الدموي، السياسي المختبيء وراء الخلاف المذهبي الشكلي والظاهري، غير المؤثر في لُب الإسلام ودعوته التوحيدية بالدرجة الأولى، لن تكون مسألة هينة، أو حلاً حريرياً، أو طريقاً من الزهور والبخور، لا لعسر المسائل العالقة، ولا المشاكل الماثلة، ولكن لأن السياسيين والحكام لا يريدون لهذه الوحدة أن تتم، بل هم يعملون على تعميق الخلاف والصراع بين مكونات المجتمع العربي العرقية والدينية والطائفية. وهم لا يريدون وحدة السُنَّة والشيعة لأسباب كثيرة منها:
1-            من طبيعة الدولة الاستبدادية والديكتاتورية في التاريخ، سواء في الشرق أو في الغرب، أن تعيش وتتغذى وتبقى كالعلق على دم الصراعات المختلفة بين تكوينات مجتمعاتها. وهذا هو حال الدولة العربية القديمة والحديثة المستبدة والقمعية. فليس من مصلحة هذه الدولة أن تتصالح تكوينات المجتمع المختلفة، وتتفرغ هذه التكوينات بعد المصالحة لمراقبة أعمال الدولة من فساد سياسي ومالي. والعمل إما على إزالة هذا الفساد، أو إزالة الدولة نفسها، وهو ما لم يتم في كلا الحالين في الدولة العربية القديمة والحديثة.
2-              الدولة العربية عامة تؤجِّل وتماطل في إجراء مشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني والتعليمي.. الخ لأنه ليس من مصلحتها أبداً. وهي تفعل ذلك بحجة وجود الصراع العربي – الإسرائيلي، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، علماً من أنه ليس هناك معركة، وليس هناك صوت لهذه المعركة الوهمية، التي تفترض وجودها الدولة العربية لكي تنام تحت غطائها هانئة مرتاحة، والدليل أنه مرَّ على الصراع العربي – الإسرائيلي أكثر من ستين عاماً حتى الآن، لم نسمع خلالها صوتاً للمعركة عدا ما قامت به مصر وحدها. وكانت النتائج كما نعرفها جميعاً. كذلك تفعل الدولة العربية مع الصراع الطائفي والديني القائم الآن في المجتمعات العربية، ساعةً في الخفاء، وساعةً في العلن. فالدولة العربية تستعمل وجود مكونات دينية وطائفية مختلفة كقفاز تلبسه، وعصا ترفعها، وسيف تُشهره في وجه كل من يطالب بالإصلاح أو بحزمة من الإصلاحات.  والدولة العربية تريد لهذا الصراع السخيف والمستهجن والمصطنع أن يستمر، ولهذه العصا أن تظل مرفوعة، ولهذا السيف أن يبقى مشهوراً، وتظل هي نائمة هانئة مطمئنة في العسل.
3-              إن استمرار اشتعال جذوة الصراع وبتشجيع من الدولة وأجهزتها المختلفة، يصدُّ عن الدولة العربية الدعوات الملحة والضغط السياسي والاقتصادي والعسكري من دول الغرب، وعلى رأسهم أمريكا، بضرورة إجراء إصلاحات عاجلة وضرورية للحفاظ على المصالح الغربية، وخاصة في الخليج العربي والعراق وليبيا، حيث منابع البترول، عصب الصناعة والاقتصاد الغربيين.
)وللموضوع صلة(
اجمالي القراءات 9091