الإبداع يهدد الرب

محمد حسين في الخميس 10 سبتمبر 2009

 الابداع والرب المهدد:


اذا عدنا للوراء وتناقلنا اخبار الأقدمين من "اصحاب" الديانات سالفة العصر ، لوجدنا تشابها شديدا فيما بينهما من حيث منحاها الاجتماعى وظروف نشأتها بل والعوامل المساعدة لهيمنتها فى المجتمعات ، يكاد يشابه نظيره مما تناقلته تلك  الكتب "السماوية" من اخبار وقصص الاولين. ولا نجد من العجب مثلا التشابه الشديد النسبية بين كهنة الماضى فى أوروبا والأحبار فى بنى اسراlde;ائيل ونظرائهم فى العصر القائم ممن يطلق عليهم "شيوخ ورجال الدين الاسلامى" خصوصا فى منطقة الشرق الاوسط على وجه التحديد ، وبعض دول افريقيا. هذا التشابه الفريد من نوعه يتجلى فى ما حدث لفنانين وادباء ومفكرين من مقتل جاليليو ومطاردة ايبو واضطهاد دافنشى ومهاجمة داروين ، كمثله الحال عند ابو بكر الرازى او ابو حيان التوحيدى وابن رشد.
ما ان ينطلق الجهل فى مجتمع ما من المجتمعات منتشرا كالطاعون ، حتى يحول الجمع الى قطيع ويصبح المجتمع تربة صالحة خصبة لهؤلاء "رجال الدين والكهنوت" ان يترعرعوا ويسطع نجمهم المزخرف بالخرافة وعجائب القصص فتسطوا انتاجاتهم اللافكرية على الافراد محولين اياهم من مجتمع جاهز بجهله الى هالة من غيبة الوعى ، ومن ثم يصلح استخدامهم تحت مسميات عبثية تتحول الى عقائد اشد فتكا من الطاعون نفسه ، ويكون استخدامهم حينئذ كأداة باطشة للعلم والابداع سهلة ويسيرة.
ولا يتوانى هؤلاء الذين اصبحوا ملوكا على امبراطورية التخلف عن الدفاع عن مملكتهم بالمحافظة الشديدة على بيئة الجهل والتخلف ما استطاعوا الى ذلك سبيلا التى لطالما ترعرت وكبرت كلما خفت نور المعرفة وزاد الناس جهلا وغيابا عن الوعى.
ولابد لنا ان نشير باعتقادنا مما تخبرنا به الايام ان المنتمين للإسلام من "شيوخ ورجال دين" تفننوا بمقدرة فائقة عن سابقيهم ذوى العقائد السابقة فى انهم تفادوا اخطاءا شنيعة وقع فيها الاقدمون ، ولطالما حرصوا على ان يخضعوا كل شئ محيط ومتجدد لما يعتقدون من فكر وعلوم ورياضيات ، بل وحتى ايديولوجيات نظم اجتماعية ذات صبغة بشرية انتجها الانسان. فمن اعجاز رقمى الى اعجاز علمى فى انشقاق القمر "الذى نفاه علماء صعدوا الى هذا القمر" ، ومن اعجاز لغوى الى تحول كالحرباء فيما يتعلق بقضية علمية ما كقضية داروين التى كانت بالامس تعديا على الحق الالهى "الغيبى اللامعروف" فى الخلق ، حتى خرج علينا عبد الصبور شاهين – صديق زغلول النجار اياه- بتحويره الالفاظ والمعانى حتى يتسنى للقرآن ان يجد نفسه مهيمنا على نظرية داروين وان الانسان مرحلة متطورة من البشر كان اوله ادم! ولم يعجب هذا زغلول النجار فاصبح عدوا له ، لان عبد الصبور رغم كونه صديقا فى السبوبة الا انه بدا وكأنه "بيقطع عليه فى رزقه"!
ولا يتوقف الوضع هنا ، فكما اشرنا ان المنتج البشرى من ايديولوجيات نظم اجتماعية واقتصادية وسياسية لم تكد لتنجو من تلك الشرنقة الدينية ، فمن أمس قريب كان الاشتراكيون نبيهم محمد ، وها هنا نجده دينا علمانى الطباع بعد ما اثبتت النظم الغربية نجاح العلمانية ، الى درجة ان احدهم تفوق على الجميع وجعله دينا ينادى بالليبرالية! وانا اتعجب لماذا اضطر سفيان الى الاسلمة ، ولماذا لم يحكم مسيلمة ويترك حرا بدعوته الجديدة ، بل لم نسمع ان احدا ممن بقيوا كفارا استوزر "مبنى للمجهول" على بيت المال بعد فتح مكة وسيطرة النبى محمد ومن معه على معظم شبه الجزيرة بما فيها المدينة التى حورب فيها اليهود وطوردوا حتى فيما بعده فى عهد عمر ابن الخطاب والحروب التى اصابت غالبا كل معارضى ابى بكر، بمن فيهم "سعد ابن ابى عبادة" احد اصحاب الفضل الاول عليهم عندما احتواهم بعدما طردوا من مكة فما كان جزاءه الا ان قتل ايضا ،  فيما اطلق عليها –اى تلك الحروب-  زورا "حرب الردة".
فكما نرى ان عقول اصحابنا ذووا النزعة "الاسلامية" يتحولون بين العلوم ومتغيراتها ، والايديولوجيات ...الخ ليخضعوها لما يعتقدون متلاعبين احيانا بالالفاظ مخطئين "بتشديد الطاء وكسرها" من قبلهم ليتماشى مع التناقضات بين النظريات والايديولوجيات. وحتى انى سمعت بعضهم يقول ان الاسلام هو أصل الوجودية "هنيئا لسارتر وكانت"!  - انا شخصيا وجودى النزعة منذ زمن لم اكن لاعرف ذلك!

هؤلاء الذين ينبرون لما يسمى "الغيرة على الدين" او الدفاع عنه الى التصدى الى احد الكتاب المبدعين او المفكرين والعلماء ، تجدهم دائما يرددون الجملة ذات الوقع المقزز التى تسمى "الخطر على الدين". فدينهم هذا ايا كان وفى اى عصر كانوا دائما ما هو مهدد بنظرية علمية ككروية الارض ، او اغنية ما ، او مثلا رواية ، وحتى فيلم. بل وتصل العبثية الى اوجها عندما يهدد "ربهم" ودينهم كلمة ما نشرها احدهم فى صحيفة او حتى بيت شعر ، كما هو الحال مع حلمى سالم.
واننا لنجد فى هذا تناقضا غريبا ، فمن ينادون ويتباهون بايمانهم يخافون على عرش الاله ان يهتز من كلمة او نغمة او بيت شعر ، وفى نفس الوقت نجدهم يؤمنون بأن الاله غنى عن كل البشر. تلك هى سمة ما نعاصره الان فى تلك الفترة الموحشة ، رغم احساسى المنبثق عن قراءات فى الماضى ان بلدى مصر على وجه التحديد تمتعت بفترة جميلة كتب فيها اسماعيل ادهم "لماذا انا ملحد" حتى خرج يناقضه ويحاججه فريد وجدى بكتابه "لماذا انا مؤمن" ، وما ابعد البارحة عن اليوم فكرا وقيما ، فيبدو معها ان الارض التى كانت بالامس تحتمل وتحتضن الكل اصبحت اليوم لا تطيق حتى ذرات طميها وصحاريها.

وفى سردنا للابداع المهدد لعرش المقدسات ، حورب بالأمس فيلم "الرسالة" للراحل مصطفى العقاد لانه يصور احد مقدساتهم "حمزة" فيه ، رغم انهم يتباهون به الان ، وبالمثل عومل "المهاجر" للراحل يوسف شاهين. وفى نفس الامس كاد ان يقتل احد عظماء الرواية فى العصر الحديث نجيب محفوظ عن روايته "اولاد حارتنا" رغم التشابه الشديد بين مشهد خروج أدهم  من بيت الجبلاوى مع المشهد نظيره عندما طرد الحفيد من بيت جعفر الراوى الجد فى روايته التى مرت مرور الكرام ومثلها الفيلم "قلب الليل".
بالامس غنت ام كلثوم ايضا فى الثلاثية المقدسة "والضحى والليل اذا سجى" ومرت مرور الكرام ، الا من بعضهم ، فى حين كاد ان يرجم مارسيل خليفة عندما حوكم بعد غناءه قصيدة لمحمود درويش بعنوان "انا يوسف يا أبى" عندما تغنى بجملة تشبه الاية الكريمة قائلا "انى رأيت احدى عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين" ، لا لشئ هذا الهجوم العبثى الا ان هؤلاء المبدعين غير منتمين الى قافلتهم البدوية الممولة من خاربى الذمم الملطخة اوجههم برمال صحراء نجد. فكم تغنت افواه بايات و "احاديث" مثل ياسمين الخيام والكحلاوى وسامى يوسف وغيرهم ، الا ان هؤلاء مرضى عليهم لان افواههم يتم "تعكيمها" بدولارات البترول والصحراء. الم نقل ان دينهم يتحول ويتلون كالحرباء ليجارى كل شئ يتماشى وتجارتهم بالدين! ولا يتوانون ابدا فى الاستخفاف والاستهزاء بالذات الالهية فى تحقيق مآربهم طالما ان العامة جهلاء لا يعقلون!
وليت نصر حامد ابو زيد ما نطق وقال بأنه عندما يصبح التدين شكليا يصبح الدين هو المحدد الوحيد للهوية ، فما كان من كلامه وابداعه الا انه بسببهما كاد ان يزج به حبيسا بين جنبات السجون ويحرم من زوجته بدعوى التكفير. ومن قبله عميد الادب العربى طه حسين عن "الشعر الجاهلى" وحملة طيور الظلام ضده. وها نحن نرى سيد القمنى ، اتفقنا او اختلفنا معه عن موضوعية ، يتم الهجوم عليه لانه وقف امام الدين السياسى ولم يهرب فلم يكن الا وقد التفوا حوله يكادون يفتكون به وهو من وجهة نظرنا احد ارقى الباحثين فى تاريخ الاجتماع الدينى فى العصر الحديث ، ولم يكن الشارع فى قتل اديبنا نجيب محفوظ يقرأ وبالكاد حاصلا على الاعدادية ، ولم يكن مهاجموا القمنى بقارئين لما يكتب ، وجريمتهما انهما مبدعان مفكران كمن سبق ذكرهم ، يعتقد بأنهم يهددون عرش الاله ، او كذلك يصورون للعامة الملطخة بالجهل.

وعلى احد مواقع النفاق العريض المسمى "بالمصريون" تجد سخافات عبثية طالت منتجا ابداعيا لهديل نظمى فى فيلمه الروائى القصير "الاسانسير" عندما الفوا وافقوا وكذبوا على الفيلم بانه يعرض مشهد جنسى فى الاسانسير ، بل ووصل البعض الى انهم رموا الممثلة بافظع الصفات واسفل النعوت بانيين سخافاتهم وهجومهم على الادعاء بأن الممثلة مسيحية مثلت الفيلم لانها اعجبت بمشهد خلع الحجاب الذى يصور فيه المخرج ان الفتاة عندما نظرت الى نفسها فى الاسانسير وهى معلقة جال بخاطرها ان تخلع هذا القيد وكم شعرت بالحرية تنطلق من داخلها فى هذا المشهد. وهو ما لم يعجبهم لانه يتعارض ودنائتهم المخطوطة فى اجندتهم السياسية التى لا تراعى فردا ولا وطنا امام مصالحهم الرذيلة المنحى. وهاهو مبدع اخر يهاجم "بفتح الجيم" لانه يهدد عرش الاله كما يصورون للعامة المغيبة عن الوعى.

ولا عجب ان رأينا كهنة الأمس لا يهاجمون قيصرا مستبدا ولا ملكا طاغية ، فى حين لا يتوانون فى قتل مبدع او عالم مفكر يحارب سبوبتهم بمحاولات لتنوير العامة ، فالكنائس والمعابد كم اغدق عليها من ذهب ولوحات بديعة تخدم اغراضهم ، يكون عمل الفنان فيها تقربا للرب طالما داخل حدود تملكهم وتفردهم وتفكيرهم المتسخ ، بينما عمله بالخارج محاربة للرب وتهجم على السماء. وها هم شيوخ اليوم نفس التجار بزى آخر الفن عندهم والابداع حراما وكفرا طالما لا يغدق على مساجدهم بالسجاجيد العجمية ولا يصب فى جيوبهم بالمزارع والاطيان "كما الحال مع مقدسيهم كالشعراوى" ، وان تحكموا قتلوا كل مبدع ومفكر وليحاكموا لبنى "الصحفية السودانية" لمجرد انها تلبس بنطلونا ، فى حين لا نجدهم يقفون امام طاغوت السودان عندما يقتل ابناء دارفور ، او يواجهون طاغية مصر فى حكم 28 عاما اتى بالتخلف والجهل والارهاب والفتنة الطائفية والعبث الاجتماعى والتدهور فى القطاعات الشتى المحروسة باتجاهاتها الاربعة ، بل وتصل فجاجتهم الى ان يهاجموا كل ثورى او خارج فى مظاهرة بداعى ان هذا خروجا عن الدين وليجب اطاعة ولى الأمر حتى وان ظلم ، وكيف لا وهم ينتمون لمدرسة "ايما عبد ابق من مواليه فقد كفر حتى يعود"!.  بل ويشتمنا احدهم "مطظظا" فينا وفى اللى جابونا ونحن لهم مصغين قائلين آمين يا سيد المهديين العاكفين.

وتظل الحرباء تتلون وتتشكل وتختلف باختلاف المنتجات البشرية ، ويظل الابداع مهاجما تحت مطرقة "الدفاع عن الدين" ، التى ظهر لها فى الجانب الاخر سندان "سمعة مصر" ، فى مسلسل ممل سخيف محبط ذو وجنات افاقة وملامح بغيضة وابطال نجسوا الضمائر منحلوا القيم. ويحيا مبدعنا داوود عبد السيد -والذى لم يسلم من الهجوم المنحل- عندما صور الحرامى الذى يحاكم الابداع والعقول فى اسقاط مذهل ، هذا الحرامى الذى لم تعجبه رواية المواطن لانه وكيف لا يظهر فيها ابطالها وهم يصلون!

اجمالي القراءات 8718