قراءة في (يوم الغضب) المصري

د. شاكر النابلسي في الثلاثاء 14 ابريل 2009

-1-
شهدنا يوم الاثنين الماضي 6/4/2008 مظاهرات بعض الآلاف من المعارضة المصرية، والطلبة المصريين، إحياءً واحتفالاً، لما سُمي بـ "يوم الغضب" المصري. فخرجت مجموعات محدودة، وتظاهرت، وهتفت أمام نقابة الصحافيين المصريين، وأمام مبنى مجلس الدولة، ونقلت بعض الفضائيات، التي لها حسابات سلبية معينة مع الدولة المصرية بنقل وقائع هذه المظاهرات، والتعليق عليها، واستدعاء بعض المعلقين لشرحها، والقول فيها في برامج خاصة. وانتهى "يوم الغضب" المصري دون حوادث تُذكر، أو خسا&AE;ئر مادية. وأنا أحيي المتظاهرين على هذه النتيجة الحضارية، التي إن دلِّت على شيء فإنما تدلُّ على المعارضة الحضارية، التي تتمتع بها مصر الآن، دون بقية العالم العربي والإسلامي أجمع.

-2-
والسؤال الكبير الآن، لماذا "يوم الغضب" هذا، وممَّ الغضب يا تُرى؟
دعونا نناقش بعض الشعارات، التي أُطلقت في مظاهرات "يوم الغضب" ذاك:
1- من المعروف أن في مجلس الشعب المصري الآن، حوالي 100 مائة نائب من المعارضة (منهم 88 نائباً للإخوان المسلمين) وهذا العدد لا يُوجد في أي برلمان عربي أو إسلامي حتى الآن، ولم يوجد من قبل في تاريخ برلمانات العرب. فكان من الأولى، والأجدر، والأنفع، والأكثر حضارةً، أن تُثار طلبات المتظاهرين (محاربة الفساد، وتشغيل العاطلين عن العمل، وزيادة الأسعار، وإلغاء الحرس الجامعي.. الخ) من خلال مجلس الشعب، الذي يكفل النقاش لأية فكرة، واستجواب أي مسئول في الدولة. ولكن بعض المعارضة المصرية ترى أن (الشنَّة والرنَّة) الإعلامية، في الشارع أكبر بكثير منها في مجلس الشعب، وأكثر أغراءً لكاميرات الفضائيات، وهذا ما تريده. فبعض المعارضة المصرية، ما زال فيها من إعلام الخمسينات والستينات المتشنج قدراً كافياً، ويتبين لنا ذلك، من خلال ما تنشره بعض صحف المعارضة الآن.
2- قامت الدولة المصرية الحالية، بإعطاء المعارضة فرصاً كبيرة، للتعبير عن نفسها، لم تكن مثيلة لها متاحة، على امتداد التاريخ المصري والعربي الحديث (لبنان استثناءً)، وسمحت للمعارضة بهوامش للحرية، لا تتمتع بها أية معارضة عربية أو إسلامية، منها إمكانية الوصول إلى النيابة في مجلس الشعب، وإنشاء صحف مختلفة، وتكوين أحزاب سياسية، وإنشاء فضائيات خاصة، تقول ما تشاء، وكيفما تشاء. ومقارنة مصر المعارضة الآن، بمصر عبد الناصر والسادات، منذ نصف قرن إلى الآن، نرى أن المعارضة في مصر الآن، لم تُمنح حرية كهذه الحرية، حتى في العهد الملكي أيام الملك فؤاد وفاروق خاصة، الذي يتباكى عليه البعض. فلا زعيم معارضة، ولا قيادياً من قيادات المعارضة اليوم في السجن، أو ينتظر حبل المشنقة، كما كان عليه الحال في عهد السادات، وعبد الناصر.
3- تطالب المعارضة بحقوق واجبة وشرعية. ولكن الشعب المصري - بما فيه المعارضة - لم يقم بواجبه المطلوب تجاه نفسه ووطنه. فما أكثر التغنّي بحب مصر، ولكن ما أقل العمل من أجلها. وأول هذه الواجبات وأكثرها أهمية وإنقاذاً لمصر من الجوع والتخلف، هو تحديد النسل، وعدم انفجار المزيد من القنابل السكانية. إن أية دولة في العالم الثالث عاجزة عن تنفيذ مشروعاتها التنموية في ظل هذه الزيادة الضخمة والمتسارعة للسكان (حوالي 80 مليوناً الآن). وهذا الازدحام القاتل، في كل مرافق الحياة المصرية، أعاق تقدم كل شيء في مصر، ذات الموارد والإمكانات المالية المحدودة. وما زال المصريون ينجبون بكثرة، وبدون حساب. ونسمع في نهاية النهار الأب الشاكي من قلة مرتبه، وهو الذي يعيل ثمانية أطفال، أو الأم الشاكية من الفقر وهي التي تعيل ستة أطفال وهكذا. والإخوان المسلمون والأزهر والمؤسسة الدينية المصرية، يقفون إلى جانب زيادة عدد السكان لتمسكهم بالحديث الشريف: (تناكحوا.. تكاثروا، فإني مفاخر بكم يوم القيامة) أو كما قال. ولكن الرسول الكريم قال هذا، يوم كان عدد المسلمين في مكة لا يتجاوز 150 مسلماً فقط، وقبل الهجرة إلى المدينة المنورة. واليوم المسلمون بالمليارات. والإدارة المصرية مكبلة الأيدي بـ (الكلبشات) الدينية تلك، ولا تستطيع منها فكاكاً. والمصريون يستمرون بالنكاح والتكاثر، وباسم الله، وعلى الله توكلنا، وهات يا نكاح.
فمن الملاحظ مثلاً، أن من أكثر بلدان العالم العشرة غنىً وارتفاعاً في دخل الفرد السنوي لا يزيد سكانها على خمسة ملايين نسمـة، ما عدا اثنتان: سويسرا (7 ملايين) والولايات المتحدة الأمريكية (260 مليون).
إن علاقة الرفاهية بحجم سكان الدولة، كان نقاشاً مطروحاً منذ أيام أرسطو الذي نادى بتقليص حجم المدن الإغريقية. وقال، إن التجربة أثبتت أن الدول ذات التعداد السكاني الكبير من الصعب - إذ لم يكن من المستحيل - أن تُسيّر تسييراً مرضياً. وقد أثار موضوع الانفجار السكاني وأثره السلبي والسيء على رفاهية الدولة مؤخراً، اثنان من كبار الأكاديميين الاقتصاديين الأمريكيين هما: البيرتو آلاسينا الأستاذ بجامعة "هارفرد"، واينريكو سبولور من جامعة "براون"، الشهيرتين، في كتابهما (حجم الأمم). وأشار الكاتبان في هذا الكتاب، إلى أن نصف دول العالم الآن، لا يتجاوز حجم سكانهـا ولاية ماساشوستيس (6 ملايين). ويرى هذان العالمان، أن الدول الصغيرة أسعد حظاً في أوقات السلام. وأن الدول الفقيرة كدول الشرق الأوسط والعالم العربي بصفة خاصة، لا مجال لها لتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية غير تحديد النسل، والتقليل من عدد السكان، كما فعلت تونس – مثالاً لا حصراً - على وجه الخصوص. ولعل مفكراً كالعفيف الأخضر، كان من أبرز المفكرين العرب المعاصرين الذين دقوا ناقوس أخطار انفجار القنبلة السكانية بشدة، وحذَّر من آثار أضرار انفجار هذه القنبلة. ونادى في معظم كتاباته، بضرورة نزع فتيل القنبلة السكانية. واعتبر أن انفجار هذه القنبلة، بمثابة كارثة كبرى على البيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقال في مداخلته، في مؤتمر "الثقافة العربية بين تحديات الحاضر وآفاق المستقبل: نحو خطاب ثقافي جديد" الذي عُقد في يوليو 2003 بالقاهرة: "أن الانفجار السكاني والفقر والأمية نقاط، تلتقي فيها مصالح جميع شعوب العالم، التي غدت تقدم المصالح المادية على الشعارات الأيديولوجية، أو الدينية.
4- الأخبار القادمة من مصر تقول، بأن الفساد في مصر ازداد زيادة كبيرة، في السنوات الأخيرة. وهذا - في رأيي - نتيجة طبيعية لزيادة عدد السكان (كانوا في 1952 عشرين مليوناً، فأصبحوا الآن 80 مليوناً، أي بزيادة 300% خلال نصف قرن فقط) في الوقت الذي لم يزد فيه الناتج القومي المصري هذه الزيادة الضخمة بمقدار 300%. فاضطر الموظف المصري براتب 300- 400 جنيه، إلى فتح دُرج مكتبه لتساقُط الرشا، لكي يستطيع إعالة ستة أو سبعة أطفال مع أمهم. ولو كان لديه طفلٌ واحد، أو طفلان فقط، لاكتفى – ربما – براتبه، وراتب زوجته. فالانفجار السكاني يولِّد الفساد. وهذا ما يحدث الآن في الصين، والهند، وبلاد أخرى.
5- من الشعارات التي طرحها يوم "الغضب المصري" المطالبة بالقضاء على البطالة. فكيف تستطيع الدولة، أن تقضي على البطالة في ظل هذه الزيادة السكانية الضخمة في كل عام. فالمصريون ينصتون جيداً إلى تشجيع رجال الدين، على مزيد من النكاح المثمر لمزيد من الأطفال (تقول بعض التقارير أن طفلاً يُولدُ كل دقيقة في مصر)، في الوقت الذي نرى فيه، أن أقل الدول عدداً بالسكان أقلها نسبةً في البطالة. ونحن هنا، لا نمنع النمو السكاني الضروري، ولكن ليس بهذا (الهبل والعبط)، علماً بأن الدولة المصرية، لو وفَّرت الآن – وهذه معجزة - المسكن والوظيفة لكل مواطن، لأصبح عدد سكان مصر الآن – ربما - يفوق المائة مليون نسمة.
6- وأخيراً، من الشعارات التي طرحتها مظاهرات "يوم الغضب" مكافحة الأميّة التي تقول تقاريرها أن هناك 40% بالمائة من الشعب المصري أميّاً أميّة أبجدية. وأن هذه النسبة ترتفع بين الإناث. ورغم هذا الرقم المخيف، في زمن العولمة وثورة المعلومات والاتصالات، فإن الأحزاب المصرية – معارضةً وموالاةً – وبما فيهم من تظاهروا بالأمس في "يوم الغضب"، لم يقدموا أية مبادرة، أو مساعدة للحكومة المصرية، لتقليل نسبة الأميّة في مصر. فالكل يتفرج. والكل يُلقي باللائمة على الدولة، المشغولة خارجياً بمصيبة الانشقاق العبثي الفلسطيني، وجنون الدكتاتور البشير، ومؤامرات "حزب الله" عليها، والتحدي الإيراني لها، والمحافظة على السلام مع إسرائيل. وداخلياً بإطعام أفواه الأرانب، التي تتكاثر كل يوم كنبات الفطر، بدون حساب، وتنام في المقابر، أو تحت الكباري، وفي المناطق العشوائية.
كان الله في عون المحروسة.
السلام عليكم.

اجمالي القراءات 8809