غزة أخيراً !

عمر أبو رصاع في السبت 03 يناير 2009

هل من جدوى لهذا الضغط العربي الجماهيري على مصر لفتح المعبر؟

هل القضية قضية معبر فعلاً ؟ ثم ما هي الأبعاد الحقيقية لفتح المعبر و ما الأهداف و النتائج المحتملة لكل ما نراه اليوم في هذه الأزمة؟


اعتقد صراحة بلا جدوى هذا الضغط على مصر بل قل و خطأه جذرياً ، فلو كانت العواطف الجياشة للجماهير هي التي ستحكم كل حراك سياسي لقاد مثل هذا إلى مجازر بشرية عارمة في كل العالم ، لهذا فنحن نقول أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود قوة منظمة سياسياً لإخوان حسن البنا بل في غياب سائر التيارات الأخرى و على رأسها التيارات السياسية المدينية على اختلاف مشاربها و نحن منها فنحن لدينا رؤية و رؤية يحملها الكثيرون ؛ أكلمك عن الأردن مثلاً فأغلب مواقف الناس و إن كانت متعاطفة جداً و بألم بالغ مع ما يتعرض له الأبرياء من قتل و من تجويع لكنهم يعتبرون حماس مسؤولة بشكل مباشر عن هذا الوضع ، لكن للأسف هذه الرؤية السياسية العقلانية لا تملك الأطر لتعبر عن نفسها و هو ما نحاول اليوم جاهدين أن نخلقه و أنا أتكلم على مستوى تجارب فردية فقيرة لكل المقومات المادية لكنها محاولات حثيثة و جادة من مجموعات تمثل قطاعات رأي واسعة محرومة من التعبير السياسي و من وسائله .
إني أخالف الرأي الذي يحكم على جماهيرنا بالجهل (كما فعل شاكر النابلسي مثلاً) و أعتقد عكسه رغم عاطفية جماهيرنا إلا أنها تمتلك الوعي و لو توفرت الوسائل و الأدوات و الإمكانيات لحراك الرأي العام العربي الحر و الديمقراطي لظهرت قواعد جماهيرية منظمة قادرة على قيادة الشارع العربي باتجاهات مختلفة جذرياً ، إني مقتنع بقرف الأغلبية الساحقة من أبناء شعوبنا من هذا التيار السياسي الديني ذو الطابع التكفيري الذي بات اليوم يهيمن على كل وسائل الرأي العام حتى الرسمية منها و أنا أرى أن النظام السياسي العربي يشاركه الجريمة في حق شعوبنا و لك أن تتخيل الحال و صحيفة يومية شبه رسمية كالغد تصدر في عز الأزمة و كتاب أعمدة صفحتها الأخيرة الثلاث (أبو رمان و أبو هلالة و المعايطة) من جماعة إخوان حسن البنا!
ناهيك عن انفتاح محطات الفضاء لهم و تدفق الأموال النفطية الإيرانية عليهم بلا حدود.
يفرد لهم إستاد عمان الدولي و يمنحون كافة التسهيلات الممكنة للتعبير و يقيمون المهرجانات و يجمعون التبرعات المادية و العينية دون قيد أو شرط ( الله أعلم أين و كيف تذهب بلا حسيب و لا رقيب؟!) و يرابطون في الشوارع أيضا دون قيد أو شرط و يحتلون مجمع النقابات و يسيطرون عليه أيضا دون قيد أو شرط .

في أمس غير بعيد فجر إرهابيو القاعدة حفل زفاف في فنادق عمان و قتلوا المئات و كانت يومها أول مظاهرة ضد القاعدة و الإرهاب الديني في العالم العربي في عمان ، فيما راح زبانية الإخوان للتعزية بالمجرم الزرقاوي عندها سألت نفسي لماذا لا تقوم الدولة الأردنية بواجبها و تتبنى توجه الشارع يومها فتغلق حزب جبهة العمل و جمعية الإخوان و تصدر قانون يمنع الأحزاب الدينية نهائياً ؟! إلا أن العكس لبالغ الأسف هو ما حصل تماماً إذ تحسنت العلاقات بين الإخوان و الحكومة بعد أحداث لبنان و حدث نوع من التقارب للأسف أقول في غير مصلحة شعبنا و سائر الشعوب العربية.

إن المطلوب لحل الإشكال برأيي هو الرجوع تماماً إلى هذه الجماهير لتحكم أولاً في فلسطين الضفة و القطاع انتخابات رئاسية و تشريعية تعرف حماس جيدا أنها ستخسرها فالجمهور خبرها و هو ليس غبي و هي تراهن على هذه الأزمة لتمكنها من تنفيذ مشروعها الآثم بحق الشعب الفلسطيني و هو ليس سراً فقد سبق و أعلنته بكل وضوح من أنها تهدف إلى "إقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء محرر من فلسطين" بوضوح تام طبعاً الجزء المحرر عندها هو غزة أي أن مشروعها هو الدولة الغزية الحمساوية "حماس ستان" أي لا يكفي تحوير نضال الشعب الفلسطيني و تبديله من نضال وطني تحرري مشروع إلى نزاع إسلامي يهودي على ملكية دينية بل أيضاً تمزيق فلسطين الوليدة نفسها بين ضفة وقطاع للهروب من الاستحقاق السياسي الانتخابي القادم فهي لم تؤمن يوماً بالديموقراطية و تشدقها بأنها منتخبة لا ينفي أيضاً أن ابو مازن أيضاً رئيس منتخب و لكنها رفضت منطق تقاسم السلطة معه حسب القانون و لجأت للقوة لتنفرد بالسلطة أي انقلبت على ما تزعم انها تدعمه و تريده و هو خيار الشعب أنه نفس المنهج السياسي الذي يجعل النظام السوري يحتضن إخوان حسن البنا من فلسطين و مصر و الأردن عنده ليهتفوا من دمشق في إطار اجندته الإيرانية فيما القانون السوري واضح و صريح في أن انتماء المواطن السوري إلى جماعة الإخوان المسلمين جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام!!!!!
إن رفض حماس تجديد الهدنة يأتي منسجماً مع هذا التوجه فحماس لا تريد الرضوخ للضغوط التي تدفع لتسوية الانفصال الفلسطيني الذي أحدثته من خلال الشرعية الديمقراطية و الاحتكام إلى صندوق الاقتراع لأنها تعرف جيداً أنها ستخسر السلطة عندها لهذا فهي تريد أن تفرض القبول بدولتها الغزاوية المفصلة و تعتقد أن فتح معبر رفح فتحاً دائماً بينها و بين مصر سيكمل لها عناصر الاستمرار كدولة و لا تعي خطورة السناريوهات الناجمة عنه، و لهذا كانت أمام احد خيارين الأول هو تسوية الانفصال الفلسطيني الفلسطيني و ذلك يكون كما يفعل العالم المتحضر عن طريق صندوق الاقتراع و لأن حماس تعي جيداً أنها ستخسر الانتخابات فهي لا تريد هذا الخيار فليس المهم لديها أن تفتح المعابر و أن تعود الوحدة الوطنية الفلسطينية و الدعم العربي و الدولي و الشرعية الفلسطينية بالنسبة لها بل السلطة و الدولة الحمساوية مهما كان الثمن و حتى لو تمزقت فلسطين فمتى كان الوطن عنواناً لإخوان حسن البنا ؟! (قالها كبيرهم محمد مهدي عاكف بالأمس القريب : "طز في مصر" ، هذا هو رأيهم بالوطن)
و لهذا لجأت إلى الحل الثاني و هي على بعد سنة من نهاية دورتها التشريعية على أي حال تريد أن تستبق بإكمال و تكريس انفصالها في غزة بكسر الحصار على غزة بدون أي ثمن سياسي و لهذا استبقت محاولات تجديد أو تمديد الهدنة بقذائفها الصاروخية لتمنع مصر من تحقيق ذلك و تجبر إسرائيل على ضرب غزة و من ثم الوصول إلى تسوية تتضمن فتح معابر رفح.
لكن السؤال ما هي خطورة فتح معبر رفح بالطريقة التي تريدها حماس؟
لا تتعجب أن قلت أن فتح المعبر كما تريد حماس قد يكون أمنية إسرائيلية مئة في المئة ، لماذا؟
إليك السيناريوهات المحتملة في حال وقع هكذا عمل:
أولاً : احتمال التفريغ السكاني و حدوث تجربة لجوء فلسطيني جديد في مصر.
في المرة الماضية عندما اجتاح الغزيون المعبر تواجد نصف سكان غزة في سيناء ، ابسط ما يمكن تخيله في هذه الحالة يتبلور في سؤال: ماذا لو تدخلت إسرائيل و أغلقت المعبر و الحدود بنفسها و منعت الغزيين من العودة ؟!

ثانياً : احتمال تحقيق حلم إسرائيل بفصل غزة عن الضفة و مسخ الهوية الفلسطينية و تحميل عبء غزة لمصر و عبء الضفة للأردن و نقل النزاع إليهما و عبرهما.
و هو السيناريو الذي يبدو أكثر معقولية و إمكانية ، و الحقيقة أني لو كنت زعيماً صهيونياً فلن أتمنى حدوث شيء كما أتمنى حدوث هذا الشيء.
يبدأ السيناريو بانفتاح حدودي مصري غزاوي خارج الاتفاقيات الدولية و الشراكة الأوربية ، و بشكل طبيعي تجد مصر نفسها مرغمة على تحمل احتياجات القطاع الأساسية و إلا أصبحت خائنة و عميلة و تجوع الفلسطينيين و بالتالي ليس لها من خيار و كذلك ليس لأحد عند إذ الحق بمطالبة المجتمع الدولي و إسرائيل بحقوق الغزيين و احتياجاتهم فمصر عليها أن تتكفل بهذا و معها العرب و ليس هذا جوهر المشكلة لكن ما بعد ذلك حيث تصبح مصر مسؤولة عن ضرب صواريخ القسام و أي عمل عسكري ضد إسرائيل ستعتبر هذه الأخيرة مصر مسؤولة عنه و شريكة به لأنها تدخل لغزة الأسلحة و ...و .... و .....الخ و بالتالي ينتج استحقاق جديد على مصر أن تضمن أمن غزة و استقرارها و عدم حدوث عمليات عسكرية منها و إلا فإنها تكون داخلة ضمناً في الحرب على إسرائيل ، و هكذا ينتقل الصراع بعنف إلى صراع مصري غزي حمساوي.
نفس السيناريو أيضاً يتم على نطاق ما هو متبقي من الضفة الغربية و عبر الأردن لتوريط هذا الأخير في دور شرطي الضفة و من ثم نقل الصراع إلى صراع بين الفلسطيني و الأردني على مختلف المستويات.
ما هو المطلوب عربياً ؟
أعتقد أن المطلوب هو أولاً تأمين الإمداد الأساسي للمدنيين في غزة و بالتنسيق مع الهيئات الدولية عبر قنوات و اتفاقات يشارك بها الطرف الأوربي و الأمم المتحدة بشكل مباشر ، و أهم شيء أن يتم هذا تحت إشراف دولي و عدم السماح بحراك سكاني جماعي داخل سيناء مهما كلف الأمر فما هو مهم في هذا الجانب هو معالجة المعاناة الإنسانية لأهلنا في غزة و ليس إحداث تفريغ سكاني أو بلبلة أمنية مصرياً أو فتح المجال لاتهام مصر تحت أي ذريعة في مشاكل أمنية من أي نوع.

سد الطريق على المحور الايراني المتاجر بقضية شعب فلسطين و المتغول عربياً على حسابها بإنهاء حالة الانفصال الفلسطيني عبر وسيلة واحدة لا ثاني لها و هي الاحتكام إلى صندوق الاقتراع الفلسطيني و هو الأمر الذي لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف القبول بغيره عربياً حرصاً أولاً و قبل كل شيء على المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ؛ فوحدته مسلمة لا ينبغي السماح لأحد بالمساس بها و قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض العربية التي احتلتها إسرائيل عام 67 هو العنوان الرئيس الذي لا تختلف عليه القوى السياسية الفلسطينية بما فيها حماس نفسها.


أخيرا هذه تحياتي
عمر أبو رصاع

اجمالي القراءات 7514