رسالة مفتوحة إلى قرصان بحري

محمد عبد المجيد في الجمعة ٢١ - نوفمبر - ٢٠٠٨ ١٢:٠٠ صباحاً

دعني أعترف لك أولا أن المصائب لا تسعدني، وأنني لا أبتسم في الجنازات، ولا أضحك في الكوارث، ولا أمزح لدى متابعتي أخبار الحروب.
المرة الأولى التي ينتزع فيها الارهاب الابتسامةَ من بين شفتيّ بدأتْ في الخامس عشر من نوفمبر حيث قمتَ ورهطٌ من زملائِك على مرأى ومسمع من كل القوى الكونية التي تتابع فقدان حقيبة يَدٍ من مكوك فضائي، لكنها لا ترى أكبر ناقلة نفط وقد وضعتها أنت وزملاؤك خلف زورق صغير لا يصمد أمام عاصفة مائية تدفعها رياح مُحَمّلة برائحة القات اليمني ليختلط بالقات الصومالي.
رحم الله أبا لمعة والخواجة بيجو عندما يقص الأول على الثاني حكايات وهمية وخيالية فنضحك حتى الثمالة، أما الآن فالخيال حقيقة، والحقيقة من مرارتها تفقع المرارة وتجعل الضحك والبكاء متساويين.
أتخيلكم في المستقبل القريب وقد قمتم بخطف عدة قنابل نووية من مفاعل ديمونة أو من ثكنة عسكرية في أوكرانيا أو برشوة بعض جنرالات الجيش الروسي، وفي هذه الحالة لن يكون هناك وقت للضحك أو البكاء!
ناقلة النفط العملاقة لم تكن راسيةً في ميناء أو مهجورة بالقرب من جزيرة حنيش اليمنية، ومساحتها ثلاثة أضعاف مساحة ملعب لكرة القدم، ويعرف مالكوها قبل أن يبلغهم كمبيوتر شركة التأمين أن هناك خمساً وتسعين عملية قرصنة بحرية منذ أوائل هذا العام، ومع ذلك فكل رادارات وأجهزة التحذير والانذار البحري والجوي والستالايتي تحولت إلى شاهد ما شفش حاجة!
أتخيلك الآن تحمل بندقية قديمة متهالكة تركتها القوات الإثيوبية، وترتدي صندلا واسعاً وقد انتفخت وجنتاك من جراء حكايات الأمس التي قصها عليك صديق لك، ووصف لك هروب القوات الأمريكية أمام الصوماليين بعدما تناقلت وكالات الأنباء صوراً وحشية لجنود أمريكيين وقعوا بين ايديكم.
أتخيلك وقد عرض عليك زملاؤك سرقة سيارة قديمة، فرفضت. ثم جددوا العرض لسرقة محل سوبر ماركت يتكدس ببضائع لا يزيد ثمنها عن ألفي دولار، فترفض أيضاً!
ثم فجأة يعرض عليك ملوك البحر وقراصنة العواصف الانضمام إليهم، ليس لسرقة فلوكة أو مركب صغير بدون موتور أو اعتراض مركب شراعي طوله ثلاثة أمتار ونصف المتر!
سنسرق اليوم في عرض البحر أكبر ناقلة نفط في العالم دون أن نعرف شيئا عن تسليحها وطاقمها وسرعة استدعائها لأقرب أسطول بحري أو قاذفات جوية تصل إلينا قبل أن يقفز أحدنا داخل الناقلة!
سيدي القرصان،
كل أفلام القراصنة التي شاهدتها بدءاً بالقرصان الأحمر لم تعد مثيرة لاهتمامي، فأنا الآن أمام حالة من الضعف والهوان والاذلال تضرب بعمق وعنف كل القوى البحرية والجوية والرادارية في العالم.
قد أتفهم أن أسامة بن لادن يختبيء في مكان ما على الحدود الأفغانية/الباكستانية أو هو مريض في غرفة تحت بيت قديم ، ولا تستطيع القوات الأمريكية واستخبارات كرازاي العثور عليه.
وقد أفهم أن الدكتور أيمن الظواهري يتابع على النت في كهف لا يعرف مكانه إنس أو جان.
أما ميناء صومالي ظاهر للجميع ويستقبل خمساً وتسعين سفينة تم اختطافها في أقل من عام ولا تستطيع كل الأجهزة التي أمدتنا بجوجل إرث أن تلتقط صورها، أو تقترب منها أو تبلغ قيادات جيوش الأرض من روسيا والصين وأمريكا والهند وفرنسا والامبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها، فتلك لعمري كارثة ينبغي أن تصبح في الصفحة الأولى لموسوعات الجينيس المشهورة.
سيدي القرصان،
هل أستأذنك بعرض دفع مبلغ يرضيك لتحرر لنا فلسطين، ثم مبلغا أكبر لخطف الزعماء الطغاة في العالم العربي ولا مانع أيضا من خطف زوجاتهم وأولادهم الذين سيرثونهم، وأغلب الظن أنها ستكون قرصنة أسهل بكثير من اختطاف أكبر ناقلة نفط في العالم؟
أكتب لك مازحاً من هول المفاجأة، لكن نفسي تتفاعل بغضب شديد على ما يجري خلف الكواليس، ورغم ابتعادي عن نظرية المؤامرة التي يلجأ إليها الاعلاميون إن خانتهم معلوماتهم ، فإنني أخشى على قناة السويس من مؤامرة لتحجيمها كممر مائي، وإذا لم يتمكن المجتمع الدولي من اعادتك إلى شوارع مقديشيو، فأغلب الظن أن الجانب الخفي من القرصنة أكثر قذارة وعفنا ونتناً من كل المؤامرات التي عهدناها، وأنكم لستم إلا لعبة في أحجار شطرنج كل اللاعبين فيها مجهولون!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
Taeralshmal@gmail.com

اجمالي القراءات 11187