الأسبوع الماضى أديت فريضة الحج فى أواخر الأشهر الحُرُم : أولا :

آحمد صبحي منصور في السبت 30 نوفمبر 2019

الأسبوع الماضى أديت فريضة الحج فى أواخر الأشهر الحُرُم : أولا :

1 ـ منذ عدة سنوات إتصل بى شخص من السعودية يبدو أنه من أهل القرآن ، سألنى ( لماذا لا تحج الى البيت الحرام ) . وجدت نفسى أنفجر فى البكاء لأن طريقته فى السؤال كانت تحمل نوعا من الإستنكار وتحملنى مسئولية التقصير فى أداء فريضة الحج . قلت له ظروفى ، وبعدها كلما تذكرت هذا الموقف  أشعر بالخجل من نفسى إذ فقدت السيطرة على أعصابى مع شخص لا أعرفه . كان الحج أملا يقترب من المستحيل ، نظرا لموقفى الدينى والسياسى من الوهابية ومن المملكة السعودية ، ثم إننى لا أستطيعه ماديا ، ثم أصبحت أسيرا لآلام المفاصل محدود الحركة ، فتمت إضافة سبب آخر لعدم الاستطاعة .

2 ـ  أم محمد زوجتى أدت فريضة الحج  والعُمرة أول مرة ضمن فوج من المسلمين الأمريكيين ، وأدت العُمرة مرة أخرى . وكانت تتمنى أن نحجّ سويا . ببلوغها الستين من العُمر بعد رحلة نضال شاقة معى ومع أولادنا قرر الأبناء الأربعة الكبار مكافأتها . حقّق لها ابننا الأمير رغبتها فإصطحبها فى رحلة سياحية الى ايطاليا وفرنسا ، وقرّر ابننا الرابع ( حسام ) أن يجعلها تؤدى العُمرة للمرة الثالثة ، فقالت إنها تتمنى أن تحج معى خلال الأشهر الأربعة الحرم ، وكنا وقتها فى  شهر ربيع الأول ، وهناك متسع للحج خلال ما تبقى منه . فهل نغامر بالحج مع موقفى المعلن من السعودية والوهابية والذى لا تسامح فيه ؟

3 ـ دخلنا فى مناقشة حادة . إبننا الأكبر محمد عارض بشدة خوفا على حياتى ، وإستشهد بما حدث لخاشوقجى ، وما حدث للمحامى المصرى ( البحيرى ) الذى لفقوا له تهمة مخدرات فى جدة وأدخلوه السجن . وقال محمد أنه لا يستبعد أن يصل تآمرهم الى درجة تلفيق تهمة مماثلة لى أو لوالدته . أبدى الأمير رغبته فى أن يكون معنا فى الحج ، بالإضافة الى حُسام الذى قرر أن يتحمل شامل التكاليف عن والديه . ولكن كان الخوف على حياتى هو العامل المشترك الذى يجمع بين زوجتى وأولادى الى درجة أن أم محمد كانت مستعدة للتضحية بحلمها فى الحج سويا إذا كان هناك خطر فعلى .

4 ـ قلت لهم : إن موضوع خاشوقجى لا ينطبق علىّ ، فهو ــ يرحمه الله جل وعلا ـ كان سعوديا . وفى الثقافة السعودية فإن أى مواطن ( سعودى) هو مملوك للأسرة (السعودية) التى تملك الدولة (السعودية )، وهو ـ يرحمه الله جل وعلا ـ كان ضمن العاملين فى النظام السعودى ودولته العميقة ، وبالتالى فهو مُلزم بطاعة ولىّ الأمر ، فإذا عارض إستحق عندهم العقاب ، ويزداد العقاب لو أعلن معارضته فى الخارج متحديا ولىّ الأمر . ليس هذا الأمر خاصا بالسعودية بل هو ينطبق على المستبد العربى المتطرف فى إستبداده ، مثل القذافى وصدام والسيسى . كل منهم يعتبر نفسه مالكا للوطن والشعب ، ومن يخرج عن طاعته فهو مستحق للعقاب ، بل ربما يشمل العقاب أهله وذويه الذين لا ذنب لهم .

قلت لأولادى إن وضعى مختلف عن خاشوقجى بالنسبة للسعودية . أنا معارض للإستبداد والكهنوت فى مصر والسعودية وإيران وسائر الشرق الأوسط ، ومعارضتى سلمية إصلاحية علنية لا تستهدف مصلحة دنيوية ، وأؤيد أى خطوة إصلاحية بنفس معارضتى لأى ظلم ، وأنا مستقل لست مع فريق ضد فريق ، ولا أطلب أجرا من أحد . وقد كتبت أطالب بالقضاء على الدولة السعودية لأنها محور الشّر ، ثم تبين لى أن إزالتها تعنى سيطرة إيران وتحويل الخليج والجزيرة العربية الى بحور من الدماء ، فأعلنت موقفى الجديد ، وأصبحت مع الإصلاح المتدرج فى السعودية ، وهو ما أدعو اليه فى الانتقال السلمى للديمقراطية وفى التحول الديمقراطى الذى يأخذ وقتا حتى يتثقف الناس بالثقافة الديمقراطية بإصلاح تشريعى وتعليمى .

وقلت لهم إن ما عانته السعودية فى موضوع خاشوقجى يجعلهم يحجمون عن تكراره مع أى معارض سعودى آخر مهما بلغت خطورته السياسية عليهم ، بالتالى فأنا بالنسبة لهم مواطن أمريكى مٌسالم ليس آتيا للسعودية ولكن لأداء فريضة الحج ( العمرة ) وهم مُطالبون بحماية من يأتى للحج والعمرة ، وهو لا يأتى إلا بعد موافقتهم ( التأشيرة ) فإذا أعطونى التأشيرة فقد أعطوا بها عقد الأمان وأصبحوا مسئولين عن سلامتى . ولو حدث لى أى مكروه فستكون فضيحتهم أكثر من موضوع خاشوقجى مع أننى لست فى وضع خاشوقجى ، وهم أعقل من أن يقتلوا شخصا مثلى لا يشكل خطورة حقيقية عليهم ثم تكون العاقبة وبالا عليهم . يزيد فى هذا الموضوع أنهم يعرفون أن أكبر منظمة تلاحقهم فى موضوع خاشوقجى وتبعاته هى منظمة ( حماية الصحفيين الدولية ) ، والذى يشرف فيها على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هم ابنى رقم 2 الشريف منصور . وهو مثل أبيه صارم فى موقفه وليس للبيع أو الشراء .

5 ـ توصلنا الى حل وسط . الحصول على التأشيرة ، وهى مُتاحة لمواطنى دول معينة منها أمريكا مقابل رسوم ، ثم بعدها إبلاغ الخارجية الأمريكية بموضوع السفر بإعتبارى مواطنا أمريكيا يجب أن تحميه دولته . تولى المهمة ابنى الشريف منصور عن طريق أصدقائه فى الخارجية الأمريكية وتم تسجيلى هناك وجاءنى إعلام  بهذا من الخارجية الأمريكية ، وإتصل بعضهم بالشريف منصور يخبره بأن القنصلية الأمريكية فى جدة لديها علم بالموضوع ، وأن نكون على إتصال بها لو حدث أى شىء . السيدة د . نجار رازافى الاستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية هى زوجة ابنى الشريف وأم حفيدتى ثريا منصور، ولها معارفها فى الخارجية الأمريكية ، وقد إتصلت بهم ، وتم إحاطتهم علما . وفوجئت بإتصال تليفونى من صديق قديم يشغل مركزا هاما فى الخارجية الأمريكية يستسفر عن سفرى للسعودية ، وقدم لى عدة نصائح وأخبرنى أنه أوصى أصدقاءة فى السفارة الأمريكية فى الرياض ، وإذا حدث شىء فلا بد من الإتصال بهم . حسب علمى فإن هذا يعنى إن من يهمه الأمر فى السعودية قد تم إبلاغه . أى لا داعى للقلق . وهكذا تقرر السفر ، وركبنا الطائرة الى جده يوم 21 نوفمبر على أن نعود يوم 28 من نفس الشهر .

6 ـ كان لدينا بضعة أيام  لقضاء مناسك الحج فى شهر ربيع الأول .

وقد كتبت سابقا أن الحج يكون خلال الأشهر الأربعة الحرم تطبيقا لقوله جل وعلا : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)  البقرة 179 ) ، وهو يبدأ بالحج الأكبر ( إفتتاح موسم الحج ) ، قال جل وعلا : ( وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ) ﴿٣﴾ التوبة ) ويستمر الحج طيلة الأشهر الأربعة الحُرُم  المتتابعة ( من ذى الحجة ) الى شهر ربيع الأول ( الشهر الرابع ) قال جل وعلا : ( فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾ التوبة ) . بل هناك تسهيل ببدء الحج قبل الموسم بيومين ( أخر يومين فى شهر  ذى القعدة )، والانتهاء من الحج بعد شهر ربيع الأول بيومين ( فى شهر ربيع الآخر ) ، قال جل وعلا : ( وَاذْكُرُوا اللَّـهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٠٣) البقرة ).

 ودعوت مرارا لتطبيق هذا فى عصرنا تخفيفا للزحام . إن تشريع الحج خلال أربعة أشهر كان معروفا ضمن ملة ابراهيم ، ونزل به القرآن الكريم ، وحين كان الحجاج عشرات الألوف. وهذا تأكيد على قيام تشريعات الاسلام على التيسير والتخفيف . وتطبيق هذا التشريع هو أدعى الآن حيث يتم حشر بضعة ملايين خلال اسبوع واحد ، ويسقط ضحايا فى الزحام خصوصا فى هذا الإفك الذى يقال عنه رمى الجمرات .! بهذا فإن قيامنا بالحج خلال الأيام الأخيرة من الأشهر الحرم هو التطبيق العملى لما نؤمن به وبما ندعو اليه ونتمنى من الدولة السعودية تطبيقه .

7 ـ ليس فى خطة الحج القيام بزيارة المدينة والوثن المسمى بقبر النبى محمد . ونؤمن أن من يزور هذا الوثن فإن حجه الى البيت الحرام ليس مقبولا من رب العزة جل وعلا . هو إبتداع مجرم فى الدين . ونسأل : هل كان النبى محمد فى حياته يزور " قبره "؟ . لم يكن الخلفاء حتى العصر الأموى يزورون ذلك القبر الذى لم يكن اصلا موجودا لأنه عليه السلام لم يدفنوه فى قبر ، بل فى حجرة السيدة عائشة التى كانت تعيش فيها . ثم فى توسعات لاحقة فى مسجد المدينة وبعد عشرات السنين من موت امهات المؤمنين دخلت بيوت نساء النبى بعد موتهن وبيوت أخرى ضمن تلك التوسعات ولم يكن معروفا مكان حجرة عائشة . إختلف الأمر مع ظهور تقديس النبى وتحويل مسجد المدينة الى ( المسجد النبوى ) وتحويل المدينة الى ( حرم ) يضاهىء البيت الحرام ، وتولى سبك هذا الإفك مالك بن أنس فى كتابه ( الموطأ ) الذى أملاه فى بداية العصر العباسى .

إن زيارة ذلك الوثن الرجسى وقوع صريح فى الشرك والكفر العقيدى .  ووصفنا له بأنه وثن رجسى يزيدهم طغيانا وكفرا بسبب تطرفهم فى تقديس إلاههم المصنوع الذى أسموه ( محمدا ) ــ والذى تتناقض شخصيته مع شخصية النبى محمد فى القرآن الكريم . هذا هو أشد انواع الكفر العقيدى .

والموت مشركا دون توبة يحبط الأعمال الصالحة ، فالله جل وعلا يغفر الذنوب عدا الشّرك ، ومن يموت مشركا فلا غفران لذنوبه ولا ثواب لأعماله الصالحة . قال جل وعلا : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾ النساء ) (  إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١١٦﴾ النساء ) ( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴿٧٢﴾ المائدة  ) .

نحن لا نتكلم من فراغ ، بل من واقع حقيقى ، فالواضح أن الهدف الأكبر للحجاج هو زيارة ذلك القبر الرجسى فهم يؤمنون بأن إلاههم مدفون فيه وهو فى قبره يرد عليهم السلام ويسجل أعمالهم ويشفع فيهم . وهم يعتبرون الحج الى البيت الحرام مجرد خطوة للحج الى إلاههم المصنوع المدفون فيما أسموه ب ( المسجد النبوى) .

هم بذلك خلطوا عملا صالحا ( الحج للبيت الحرام ) بعمل كافر مشرك . والنتيجة أن وقوعهم فى هذا الكفر والشرك سيحبط أو يضيع عملهم الصالح إذا ماتوا عليه دون توبة . ولذلك نحذرهم ونعظهم . يكفى قوله جل وعلا لخاتم النبيين ومن سبقه : (  وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ الزمر )، وقد قال جل وعلا  فى إحباط عملهم الصالح : ( وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴿٢٣﴾ الفرقان  ) . وفى تصوير رائع لإحباط وتضييع ثمرة الأعمال الصالحة لمن يموت مشركا قال جل وعلا : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٣٩﴾ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّـهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴿٤٠﴾ النور ) .

وما أفظع وهم فى النار يرون أعمالهم الصالحة ضائعة وهم يتحسرون عليها وما هم بخارجين من النار . قال جل وعلا : ( كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿١٦٧﴾ البقرة  ).

من أسف أن يدفع الحجاج ( المحمديون ) أموالا لزيارة ذلك القبر الرجسى ، ويكسبون بأموالهم تلك خلودا فى الجحيم .

اجمالي القراءات 1821