قراءة فى كتاب كيمياء السعادة

رضا البطاوى البطاوى في الجمعة ١٣ - سبتمبر - ٢٠١٩ ١٢:٠٠ صباحاً

قراءة فى كتاب كيمياء السعادة
الكتاب تأليف أبو حامد الغزالى ولا ينطبق عنوان الكتاب على الكثير مما ورد فى الكتاب فالكلام عن السعادة فيه قليل والباقى عن القلب النفس والروح
استهل الغزالى كتابه بفصل عن معرفة النفس فقال:
"فصل في معرفة النفس:
اعلم أن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس، كما قال سبحانه وتعالى: "سَنُريهِم آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ"
الاستدلال بالآية على أن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس استدلال خاطىء فالآية تحدثت عن تبين أن القرآن هو الحق لكونهم كفروا به فى قوله تعالى :
"قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق بعيد سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"
ثم أكمل الرجل كلامه فقال:
"وقال النبي (ص): "من عرف نفسه فقد عرف ربه" وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك، فكيف تعرف ربك؟"
الاستدلال بالرواية فى غير محله حيث رفضها علماء الحديث وقالوا أنها أثر اسرائيلى ومعنى الجملة كفر فهى تجعل الإنسان هو الرب نفسه ولو كان كل من يعرف نفسه يعرف الله كما يزعمون فلماذا كانت رسالات الرسل؟
معنى الجملة أن الإنسان لا يحتاج لوحى الله المنزل على الرسل لأنه سيصل لمعرفة الله بالتفكير فى نفسه
ثم قال :
" فإن قلت: إني أعرف نفسي! فإنما تعرف الجسم الظاهر، الذي هو اليد والرجل والرأس والجثة، ولا تعرف ما في باطنك من الأمر الذي به إذا غضبت طلبت الخصومة، وإذا اشتهيت طلبت النكاح، وإذا جعت طلبت الأكل، وإذا عطشت طلبت الشرب والدواب تشاركك في هذه الأمور فالواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة؛ حتى تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء سعادتك، وبأي شيء شقاؤك وقد جمعت في باطنك صفات: منها صفات البهائم، ومنها صفات السباع، ومنها صفات الشياطين، ومنها صفات الملائكة، فالروح حقيقة جوهرك وغيرها غريب منك، وعارية عندك فالواجب عليك أن تعرف هذا، وتعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء وسعادة فإن سعادة البهائم في الأكل، والشرب، والنوم، والنكاح، فإن كنت منهم فاجتهد في أعمال الجوف والفرج وسعادة السباع في الضرب، والفتك وسعادة الشياطين في المكر، والشر، والحيل فإن كنت منهم فاشتغل باشتغالهم وسعادة الملائكة في مشاهدة جمال الحضرة الربوبية، وليس للغضب والشهوة إليهم طريق فإن كنت من جوهر الملائكة، فاجتهد في معرفة أصلك؛ حتى تعرف الطريق إلى الحضرة الإلهية، وتبلغ إلى مشاهدة الجلال والجمال، وتخلص نفسك من قيد الشهوة والغضب، وتعلم أن هذه الصفات لأي شيء ركبت فيك؛ فما خلقها الله تعالى لتكون أسيرها، ولكن خلقها حتى تكون أسرك، وتسخرها للسفر الذي قدامك، وتجعل إحداها مركبك، والأخرى سلاحك؛ حتى تصيد بها سعادتك فإذا بلغت غرضك فقاوم بها تحت قدميك، وارجع إلى مكان سعادتك وذلك المكان قرار خواص الحضرة الإلهية، وقرار العوام درجات الجنة فتحتاج إلى معرفة هذه المعاني؛ حتى تعرف من نفسك شيئاً قليلاً؛ فكل من لم يعرف هذه المعاني فنصيبه من القشور؛ لأن الحق يكون عنه محجوباً"
الرجل هنا يحدثنا عن ان معرفة لنفس تعنى أن" تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء سعادتك، وبأي شيء شقاؤك "
السؤال هنا كيف تعرف أى نفس ما سبق إلا عن طريق واحد هو طريق رسالات الرسل التى هى إلهام لله حيث قال تعالى :ونفس وما سواها ألهمها فجورها وتقواها"
فالإلهام هو رسالة الرسول التى تعرف الفجور وهو الكفر من التقوى وهى الإسلام
والخطأ الثانى هو قوله " وقد جمعت في باطنك صفات: منها صفات البهائم، ومنها صفات السباع، ومنها صفات الشياطين، ومنها صفات الملائكة"
الإنسان هو الإنسان ليس فيه صفات من أحد فهو شيطان إذا كما قال تعالى " وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن"
والملائكة نفسها من الجن ومنهم شياطين ومنهم مسلمين فليس مقابل الشيطان الملاك لأن أحد الملائكة تحول لشيطان وهو إبليس بسبب رفضه السجود لآدم(ص)
ثم ذكر الغزالى فصلا عن كيفية معرفة النفس فقال:
"فصل كيف تعرف نفسك؟
"إذا شئت أن تعرف نفسك، فاعلم أنك من شيئين: الأول: هذا القلب، والثاني: يسمى النفس والروح والنفس هو القلب الذي تعرفه بعين الباطن، وحقيقتك الباطن؛ لأن الجسد أول وهو الآخر، والنفس آخر وهو الأول ويسمى قلباً وليس القلب هذه القطعة اللحمية التي في الصدر من الجانب الأيسر؛ لأنه يكون في الدواب والموتى وكل شيء تبصره بعين الظاهر فهو من هذا العالم الذي يسمى عالم الشهادة وأما حقيقة القلب، فليس من هذا العالم، لكنه من عالم الغيب؛ فهو في هذا العالم غريب، وتلك القطعة اللحمية مركبة، وكل أعضاء الجسد عساكره وهو الملك، ومعرفة الله ومشاهدة جمال الحضرة صفاته، والتكليف عليه، والخطاب معه، وله الثواب، وعليه العقاب، والسعادة والشقاء تلحقانه، والروح الحيواني في كل شيء تبعه ومعه ومعرفة حقيقته، ومعرفة صفاته، مفتاح معرفة الله سبحانه وتعال؛ فعليك بالمجاهدة حتى تعرفه؛ لأنه جوهر عزيز من جنس جوهر الملائكة، وأصل معدنه من الحضرة الإلهية، من ذلك المكان جاء، وإلى ذلك المكان يعود"
فى الفقرة السابقة يناقض الرجل نفسه حيث اعتبر الإنسان مكون من شيئين القلب والنفس فقال" فاعلم أنك من شيئين: الأول: هذا القلب، والثاني: يسمى النفس والروح " ثم اعتبر أنهما شىء واحد فجعل النفس هى القلب فقال" والنفس هو القلب"
ونجد الغزالى يقرر أن النفس وهى القلب ليست القلب العضلى ولا أى عضو جسدى ثم يتحدث عن حقيقة القلب فيقول:
"ما حقيقة القلب؟
أما سؤالك: ما حقيقة القلب؟ فلم يجئ في الشريعة أكثر من قول الله تعالى: "وَيَسأَلونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الروحُ مِن أَمرِ رَبّي" لأن الروح من جملة القدرة الإلهية، وهو من عالم الأمر، قال الله عز وجل: "أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ"فالإنسان من عالم الخلق من جانب، ومن عالم الأمر من جانب؛ فكل شيء يجوز عليه المساحة والمقدار والكيفية فهو من عالم الخلق وليس للقلب مساحة ولا مقدار؛ ولهذا لا يقبل القسمة، ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق، وكان من جانب الجهل جاهلاً ومن جانب العلم عالماً، وكل شيء يكون فيه علم وجهل فهو محال وفي معنى آخر هو من عالم الأمر؛ لأن عالم الأمر عبارة عن شيء من الأشياء لا يكون للمساحة والتقدير طريق إليه وقد ظن بعضهم: "أن الروح قديم" فغلطوا
وقال قوم: "إنه عرض"، فغلطوا؛ لأن العرض لا يقوم بنفسه، ويكون تابعاً لغيره فالروح هو أصل ابن آدم، وقالب ابن آدم تبع له؛ فكيف يكون عرضا؟! وقال قوم: "إنه جسم"، فغلطوا؛ لأن الجسم يقبل القسمة فالروح الذي سميناه قلبا، وهو محل معرفة الله تعالى، ليس بجسم، ولا عرض، بل هو من جنس الملائكة ومعرفة الروح صعبة جداً؛ لأنه يرد في الدين طريق إلى معرفته؛ لأنه لا حاجة في الدين إلى معرفته؛ لأن الدين هو المجاهدة، والمعرفة علامة الهداية كما قال سبحانه وتعال: "وَالَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا" ومن لم يجتهد حق اجتهاده لم يجز أن يتحدث معه في معرفة حقيقة الروح وأول أس المجاهدة أن تعرف عسكر القلب؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف العسكر لم يصح له الجهاد"
فى الفقرة السابقة يناقض الغزالى نفسه فهو يعتبر القلب ليس جسما ولا عرضا ويعتبر القلب ليس من عالم الخلق ومع هذا يقول أن القلب من جنس الملائكة والملائكة بجسب القرآن أجسام له أجنحة اى أيدى كما قال عالى "جاعل الملائكة ذوى أجنحة مثنى وثلاث ورباع" وهى أجسام تتحرك فى المكان حول العرش وتحت العرش كما قال تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم"
والرجل كأنه لم يقرأ أن النفس تمسك وترسل وهو دليل على كونها جسم كما قال تعالى " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى"
ومع أنه نفى كون القلب مخلوق بقوله " وليس للقلب مساحة ولا مقدار؛ ولهذا لا يقبل القسمة، ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق" فقد اعترف فى الفقرة التالية بكونه مخلوق قال:
"والقلب مخلوق لعمل الآخرة"
ثم عقد الرجل فصل عن سبب خلق القلب فقال:
"فصل لماذا خُلق القلب؟
"اعلم أن النفس مركب قلب، وللقلب عساكر، كما قال سبحانه وتعالى: "وَما يَعلَمُ جُنودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ"والقلب مخلوق لعمل الآخرة طلبا لسعادته، وسعادته معرفة ربه عز وجل، ومعرفة ربه تعالى تحصل له من صنع الله، وهو من جملة عالمه، ولا تحصل له معرفة عجائب العالم إلا من طريق الحواس، والحواس من القلب، والقالب مركبه ثم معرفة صيده، ومعرفة شبكته، والقالب لا يقوم إلا بالطعام، والشراب، والحرارة، والرطوبة وهو ضعيف على خطر من الجوع والعطش في الباطن، وعلى خطر من الماء والنار في الظاهر، وهو مقابل أعداء كثيرة"
هنا تقابلنا جملة من التخاريف فلرجل الذى اعتبر القلب غير مخلوق عاد واعترف بأنه مخلوق لأن الحواس منه وهى أشياء ظاهرة ملموسة كالعين والأنف ولأنه القلب لا يمك ان يعيش إلا عن طريق وجو الطعام والشراب وهى أمور محسوسة ملموسة
ثم عقد الرجل فصلا تحدث فيه عن عساكر القلب فقال:
"فصل معرفة عساكر القلب:
وتحتاج أن تعرف العسكرين: وذلك أن العسكر الظاهر هو: الشهوة والغضب؛ ومنازلهم في اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، وجميع الأعضاء وأما العسكر الباطن، فمنازله في الدماغ، وهو قوي الخيال، والتفكر، والحفظ، والتذكر، والوهم ولكل قوة من هذه القوى عمل خاص فإن ضعف واحد منهم ضعف حال ابن آدم في الدارين
وجملة هذين العسكرين في القلب، وهو أميرهما؛ فإن أمر اللسان أن يذكر ذكر، وإن أمر اليد أن تبطش بطشت، وإن أمر الرجل أن تسعى سعت، وكذلك الحواس الخمس حتى يحفظ نفسه؛ كيما يدخر الزاد للدار الآخرة، ويحصل الصيد، وتتم التجارة، ويجمع بذر السعادة
وهؤلاء طائعون للقلب، كما أن الملائكة طائعون للرب سبحانه وتعالى لا يخالفون أمره"
قسم الرجل عسكر القلب لظاهر وباطن والغريب أنه اعتبر عسكر الظاهر فى كل الأعضاء فقال وذلك أن العسكر الظاهر هو: الشهوة والغضب؛ ومنازلهم في اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، وجميع الأعضاء" ثم ناقض نفسه فاعتبر الدماغ هو وحده عسكر لباطن فقال "وأما العسكر الباطن، فمنازله في الدماغ"وهى نفسها النظرية المعروفة حاليا عن الفصين الأيمن والأيسر وكونهما مختصين بأمور أحدهما الأمور العقلية والثانى الأمور الجسدية وكله تخريف يناقض كون النفس تخرج من الجسم وتعود له
ثم عاد وذكر العساكر فقال :
"فصل في معرفة القلب وعسكره:
اعلم أنه قيل في المثل المشهور: إن النفس كالمدينة، واليدين والقدمين وجميع الأعضاء ضياعها، والقوة الشهوانية واليها، والقوة الغضبية شحنتها، والقلب ملكها، والعقل وزيرها والملك يدبرهم حتى تستقر مملكته وأحواله؛ لأن الوالي وهو الشهوة كذاب فضولي مخلط، والشحنة - وهو الغضب - شرير قتال خراب فإن تركهم الملك على ما هم عليه، هلكت المدينة وخربت؛ فيجب أن يشاور الملك الوزير، ويجعل الوالي والشحنة تحت يد الوزير فإذا فعل ذلك استقرت أحوال المملكة وتعمرت المدينة وكذلك القلب يشاور العقل، ويجعل الشهوة والغضب تحت حكمه، حتى تستقر أحوال النفس، ويصل إلى سبب السعادة من معرفة الحضرة الإلهية ولو جعل العقل تحت يد الغضب والشهوة، هلكت نفسه، وكان قلبه شقيا في الآخرة"
فى هذه الفقرة عاد الغزالى لمناقضة نفسه حيث اعتبر القلب جزء من النفس وليس هى النفس كما ذكر فى الفقرة الأولى وغيرها
ثم عقد فصلا لوظيفة القلب فقال :
"فصل وظيفة القلب
اعلم أن الشهوة والغضب خادمان للنفس جاذبان يحفظان أمر الطعام والشراب والنكاح لعمل الحواس ثم النفس خادم الحواس شبكة العقل وجواسيسه يبصر بها صنائع البارئ جلت قدرته ثم الحواس خادم العقل، وهو للقلب سراج وشمعة يبصر بنوره الحضرة الإلهية؛ لأن الجنة وهي نصيب الجوف أو الفرج محتقرة في جنب تلك الجنة ثم العقل خادم القلب، والقلب مخلوق لنظر جمال الحضرة الإلهية فمن اجتهد في هذه الصنعة، فهو عبد حق، من غلمان الحضرة، كما قال سبحانه وتعالى: "وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدون"معناه: إنا خلقنا القلب، وأعطيناه الملك والعسكر، وجعلنا النفس مركبة؛ حتى يسافر عليه من عالم التراب إلى أعلى عليين فإذا أراد أن يؤدي حق هذه النعمة، جلس مثل السلطان في صدر مملكته، وجعل الحضرة الإلهية قبلته ومقصده، وجعل الآخرة وطنه وقراره، والنفس مركبه، والدنيا منزله، واليدين والقدمين خدامه، والعقل وزيره، والشهوة عامله، والغضب شحنته، والحواس جواسيسه وكل واحد موكل بعالم من العوالم يجمع له أحوال العوالم وقوة الخيال في مقدم الدماغ كالنقيب يجمع عنده أخبار الجواسيس، وقوة الحفظ في وسط الدماغ مثل صاحب الخريطة يجمع الرقاع من يد النقيب ويحتفظها إلى أن يعرضها على العقل فإذا بلغت هذه الأخبار إلى الوزير يرى أحوال المملكة على مقتضاها فإذا رأيت واحداً منهم قد عصى عليك، مثل الشهوة والغضب، فعليك بالمجاهدة، ولا تقصد قتلهما؛ لأن المملكة لا تستقر إلا بهما فإذا فعلت ذلك كنت سعيداً، وأديت حق النعمة، ووجبت لك الخلعة في وقتها، وإلا كنت شقياً، ووجب عليك النكال والعقوبة"
كرر الغزالى بعض من تناقضاته فاعتبر القلب مخلوق فقال :
"والقلب مخلوق لنظر جمال الحضرة الإلهية"وهو ما سبق أن نفاه فى فقرة سابقة يث لم يعتبره من عالم الخلق
ثم ناقض نفسه فجعل النفس فى الفقرة مركب القلب فقال :
"والنفس مركبه" وهو ما ناقض به نفسه حيث اعتبر العكس فى قوله فى فقرة سابقة:
"اعلم أن النفس مركب قلب"
وعاد الرجل لتكرار كون الدماغ هو العقل وأنه مقسم ثلاث أقسام كل قسم مختص فمقدمة الدماغ تختص بالخيال ووسطه بالذاكرة أى التذكر وهى نظرية قالتها أمم سابقة ولا تصح رغم أن المحدثين غيروا فيها بعض الشىء فلا علاقة للدماغ اى شىء من العقل فهو عضو جسدى والغريب ان اعتباره العقل يناقض ما سبق أن كرره ان النفس بكل أجزائها ليست من عالم المادة العضوى حيث قال :
" فالروح الذي سميناه قلبا، وهو محل معرفة الله تعالى، ليس بجسم، ولا عرض"
ثم تعرض لأعمدة السعادة فقال :
"فصل ثلاثة أشياء تبنى عليها السعادة:
تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء: قوة الغضب، قوة الشهوة، قوة العلم
فيحتاج أن يكون أمرها متوسطاً؛ لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الجموح فيهلك
فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العلم دل على طريق الهداية، وكذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية في الدين والدينا، وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة وكذا الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، إن توسطت كان العفة والقناعة وأمثال ذلك"
الرجل هنا يجعل السعادة مبنية على التوسط فى الغضب والشهوة والعلم وهو كلام خاطىء فالسعادة والتعاسة مبنية على مشيئة الإنسان كما قال تعالى "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وليست مبنية عن العلم فكم من عالم لم ينتفع بعلمه كما قال تعالى "وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم"
ثم فصل الرجل احوال القلب مع عسكره فقال :
"فصل أحوال القلب مع عسكره:
اعلم أن للقلب مع عسكره أحوالا وصفات، بعضها يسمى أخلاق السوء، وبعضها أخلاق الحسن فبالأخلاق الحسنة يبلغ درجة السعادة، وبالأخلاق السيئة هلاكه وخروجه للشقاء وهذه كلها تبلغ أربعة أجناس: أخلاق الشياطين، أخلاق البهائم، أخلاق السباع، أخلاق الملائكة
فأعمال السوء: من الأكل والشرب، والنوم، والنكاح؛ هي أخلاق البهائم
وكذلك أعمال الغضب: من الضرب، والقتل، والخصومة هي أخلاق السباع وكذلك أعمال النفس: وهي المكر، والحيلة، والغش، وغير ذلك؛ هي أخلاق الشياطين وكذلك أعمال العقل؛ التي هي الرحمة، والعلم، والخير؛ هي أخلاق الملائكة"
الرجل هنا يعتبر الأكل والشرب والنكاح أعمال سوء مع أن الله هو من أمره بهم كما فى قوله "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" وقال "وانكحوا ما طاب لكم من النساء"
وكما قلنا ما ذكره من تقسيم ومن صفات لا يختص بأحد دون أحد فالبهائم كالسباع كالشياطين كالملائكة الكل يأكل ويشرب وينكح وينام والكل يخاصم حتى الملائكة كما قال تعالى "ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون"
ثم عاد الرجل فحدثنا عن نظرية يبدو أنها من العالم الفلسفى فقال :
"فصل الأخلاق الحسنة والأخلاق القبيحة:
واعلم أن في جلد ابن آدم أربعة أشياء: الكلب، الخنزير، الشيطان، الملك
والكلب مذموم في صفاته، وليس بمذموم في صورته وكذلك الشيطان والملائكة، ذمهم ومدحهم في صفاتهم، وليس ذلك في صورهم وخلقهم وكذلك الخنزير مذموم في صفاته، وليس بمذموم في خلقته
وقد أمر ابن آدم بأن يكشف ظلم الجهل بنور العقل؛ خوفا من الفتنة، كما قال النبي (ص): "ما من أحد إلا وله شيطان، ولي شيطان، وأن الله قد أعانني على شيطاني حتى أسلم" وكذلك الشهوة والغضب، ينبغي أن يكونا تحت يد العقل، فلا يفعل شيئا إلا بأمره، فإن فعل ذلك صح له حسن الأخلاق، وهي صفات الملائكة، وهي بذر السعادة وإن عمل بخلاف ذلك، فخدم الشهوة والغضب، صح له الأخلاق القبيحة، وهي صفات الشياطين، وهي بذر الشقاء فيتبين له في نومه كأنه قائم مشدود الوسط يخدم الكلب والخنزير، وكان مثله كمثل رجل مسلم يأخذ رجالا مسلمين يحبسهم عند كافرين فكيف يكون حالك يوم القيامة إذا حبست الملك - وهو العقل - تحت يد الشهوة والغضب، وهما الكلب والخنزير؟"
هذا الكلام تكرار لنظرية البهائم والسباع والشياطين والملائكة حيث سماهم الكلب، الخنزير، الشيطان، الملك وهى نظرية مجنونة كما قلنا وكون الكلب مذموم فى صفاته وكذلك الخنزير هو كلام خاطىء فالله أنزل عليهم شريعته وكل منهم ينفذها ومن ثم فتلك الصفات ليست مذمومة وقد مدح الله الكلاب بمدح كلب أهل الكهف حيث قال "وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد"ومن ثم وصفه الناس بالوفاء
ثم عقد الرجل فصلا عن لصور والمعانى فقال :
"فصل هل الصور تابعة للمعاني؟
واعلم أن الإنسان في صورة ابن آدم اليوم، وغداً تنكشف له المعاني، فتكون الصور في معنى المعاني فأما الذي غلب عليه الغضب، فيقوم في صورة الكلب وأما الذي غلب عليه الشهوة، فيقوم في صورة الخنزير؛ لأن الصور تابعة للمعاني وإنما يبصر النائم في نومه ما صح في باطنه وإنما عرفت أن الإنسان في باطنه هذه الأربعة، فيجب أن يراقب حركاته وسكناته، ويعرف من أي الأربعة هو؛ فإن صفاته تحصل في قلبه وتبقى معه إلى يوم القيامة وإن بقي من جملة الباقيات الصالحات شيء فهو بذر السعادة، وإن بقي معه غير ذلك فهو بذر الشقاء
وابن آدم لا ينفك ولا ينفصل عن حركة أو سكون، وقلبه مثل الزجاج، وأخلاق السوء كالدخان والظلمة، فإذا وصل إليه ذلك أظلم عليه طريق السعادة وأخلاق الحسن كالنور والضوء، فإذا وصل إلى القلب طهره من ظلم المعاصي، كما قال رسول الله (ص): "أتبع السيئة الحسنة تمحها" والقلب إما مضيء أو مظلم، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم"
ما زال الرجل يكرر كلامه عن نظرية الأربعة والتى يظهر أنها مبنية على نظرية الطبائع الأربعة وغن كانت فى مجال أخر وهى نظرية تخالف أن الله قسم الناس فقط لمؤمن وكافر وليس لكلاب وخنازير وشياطين وملائكة
وبعد هذا ذكر عجائب القلب فقال :
"فصل في عجائب القلب :
اعلم أن للقلب بابين للعلوم: واحد للأحلام، والثاني لعالم اليقظة
وهو الباب الظاهر إلى الخارج، فإن نام غلق باب الحواس، فيفتح له باب الباطن ويكشف له غيب من عالم الملكوت، ومن اللوح المحفوظ؛ فيكون مثل الضوء، وربما احتاج كشفه إلى شيء من تعبير الأحلام وأما ما كان من الظاهر، فيظن الناس أن به اليقظة، وأن اليقظة أولى بالمعرفة، مع أنه لا يبصر في اليقظة شيء من عالم الغيب، وما يبصر بين النوم واليقظة أولى بالمعرفة مما يبصر من طريق الحواس"
نلاحظ التناقض بين وجود بابين فقط الأحلام أى النوم واليقظة فى قوله اعلم أن للقلب بابين للعلوم: واحد للأحلام، والثاني لعالم اليقظة" وبين وجود باب ثالث ين النوم واليقظة فى قوله "وما يبصر بين النوم واليقظة أولى بالمعرفة"
وبعد هذا عقد فصلا سماه القلب مثل المرآة فقال :
"فصل القلب مثل المرآة:
وتحتاج أن تعرف في ضمن ذلك أن القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضا؛ لأن فيه صورة كل موجود، وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلت صور ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغا من شهوات الدنيا، فإن كان مشغولا بها كان عالم الملكوت محجوبا عنه، وإن كان في حال النوم فارغا من علائق الحواس طالع جواهر عالم الملكوت؛ فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ وإذا أغلق باب الحواس كان بعده الخيال؛ لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر القشر، وليس كالحق الصريح مكشوفا فإذا مات - أي القلب - بموت صاحبه لم يبق خيال ولا حواس وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال، ويقال له: "فَكَشَفنا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديد"
يفسر الغزالى البصر بغير وهم وغير خيال وتفسير الآيات هى:
"وجاءت سكرة الموت ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد "المعنى وأتت إغماءة الوفاة بالعدل ذلك ما كنت به تكذب ونودى فى البوق ذلك يوم العذاب وأتت كل نفس معها سائق وحاكم لقد كنت فى سهوة من هذا فأزلنا عنك حاجزك فنفسك اليوم حسيب،يبين الله لنبيه (ص)أن سكرة الموت وهى إغماءة الوفاة والمراد نقلة الإنسان من الدنيا للحياة الأخرى جاءت بالحق والمراد أتت بالصدق الممثل فى العذاب فيقال للكافر :ذلك أى العذاب ما كنت منه تحيد والمراد ما كنت به تكذب فى الدنيا،ونفخ فى الصور أى نودى فى البوق والمراد"فإذا نقر فى الناقور "كما قال بسورة المدثر يكون ذلك يوم الوعيد وهو يوم العقاب للكفار وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد والمراد وكل فرد أتى أى حضر معه سائق أى قائد يقوده لجهنم مصداق لقوله بسورة الزمر"وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا"وشهيد أى حاكم أى حسيب لها هو كتابها فيقال للفرد:لقد كنت فى غفلة من هذا والمراد لقد كنت فى تكذيب بالجزاء فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد والمراد فأزلنا عنك الآن غشاوة الكفر فنفسك اليوم حسيبة أى حاكمة عليك من كتابك مصداق لقوله بسورة الإسراء"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"
ثم عقد فصلا عن حجب القلب عن مطالعة عالم الملكوت فقال:
"فصل متى يحجب القلب عن مطالعة عالم الملكوت؟
واعلم أنه ما من أحد إلا ويدخل في قلبه الخاطر المستقيم، وبيان الحق على سبيل الإلهام وذلك لا يدخل من طريق الحواس، بل يدخل في القلب، لا يعرف من أين جاء؛ لأن القلب من عالم الملكوت، والحواس مخلوقة لهذا العالم "عالم الملك" فلذلك يكون حجابه عن مطالعة ذلك العالم إذا لم يكن فارغا من شغل الحواس"
والخطا هنا أن الخاطر المستقيم يدخل على سبيل الإلهام وذلك لا يدخل من طريق الحواس وهو ما يناقض كون الوحى يصل عن طريق أحد الحواس الخمسة السمع بسماع الوحى كما قال تعالى على لسان الجن"إنا سمعنا قرآنا عجبا" أو البصر بالقراءة كما قال تعالى "اقرأ "
ثم عقد فصلا أخر عن متى يطالع القلب عالم الملكوت فقال :
"فصل متى يطالع القلب عالم الملكوت؟
ولا تظنن أن هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة، وتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة فإذا جلس في مكان خال، وعطل طريق الحواس، وفتح عين الباطن وسمعه، وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت، وقال دائما: "الله - الله - الله" بقلبه، دون لسانه، إلى أن يصير لا خير معه من نفسه، ولا من العالم، ويبقى لا يرى شيئا إلا الله سبحانه وتعالى انفتحت تلك الطاقة، وأبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم؛ فتظهر له أرواح الملائكة، والأنبياء، والصور الحسنة الجملية، وانكشف له ملكوت السماوات والأرض، ورأى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه، كما قال النبي (ص): "زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغربها" وقال الله عز وجل: "وَكَذلِكَ نُري إِبراهيمَ مَلَكوتَ السَماواتِ وَالأَرض" لأن علوم الأنبياء عليهم السلام كلها كانت من هذا الطريق، لا من طريق الحواس، كما قال سبحانه وتعالى: "وَاِذكُرِ اِسمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّل إِلَيهِ تَبتيلاً"، معناه: الانقطاع عن كل شيء، وتطهير القلب من كل شيء، والابتهال إليه سبحانه وتعالى بالكلية وهو طريق الصوفية في هذا الزمان وأما طريق التعليم، فهو طريق العلماء وهذه الدرجة الكبيرة مختصرة من طريق النبوة، وكذلك علم الأولياء؛ لأنه وقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق، كما قال سبحانه وتعالى: "آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلماً"وهذه الطريق لا تفهم إلا بالتجربة، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم، وهو من عجائب القلب ومن لم يبصر لم يصدق، كما قال سبحانه وتعالى: "بَل كَذَّبوا بِما لَم يُحيطوا بِعِلمِهِ وَلَمّا يَأتِهِم تَأويلُهُ"، وقوله: "وَإِذ لَم يَهتَدوا بِهِ فَسَيَقولونَ هَذا إِفكٌ قَديم"
الرجل لا يعرف عما يتكلم فعالم الملكوت وهو عالم الجنة لم يعلمه أحد وأما عالم الظاهر فقد يعرفه البعض بالبحث فى الوحى والتفكير واما الجنون بذكر كلمة الله بقلبه فلا يؤدى لشىء سوى الخبل الذى أوقعتنا فيه الصوفية فصرنا مهزومين فى كل مكان لأن المجانين يظنون أن بذكر الله الكلامى تتحول لهزائم لانتصارات وقد كتبت حكاية التخيلات عن الصوفى عن صاحب الكرامات نقدا لهذا المنهج والغريب أن حكام البلاد من القديم يتبعون الصوفية لأنهم يمكنون لهم فى البلاد بالحكايات والشائعات
ثم عقد فصلا عن كون من طلب وجد فقال :
"فصل من طلب وجد:
ولا تحسب أن هذا خاص بالأنبياء والأولياء؛ لأن جوهر ابن آدم في أصل الخلقة موضوع لهذا كالحديد لأن يعمل منه مرآة ينظر فيها صورة العالم، إلا الذي صدأ فيحتاج إلى إجلاء، أو جدب فيحتاج إلى صقل أو سبك لأنه قد تلف وكذلك كل قلب إذا غلب عليه الشهوات والمعاصي لم يبلغ هذه الدرجة وإن لم تغلب عليه تلك الدرجة، كما قال النبي (ص): "ما من مولود إلا يولد على الفطرة"، وقال الله تعالى: "وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قالوا بَلى" وكذلك بنو آدم في فطرتهم التصديق بالربوبية كما قال سبحانه وتعالى: "فِطرَتَ اللَهِ الَّتي فَطَرَ الناسَ عَلَيها"، والأنبياء والأولياء هم بنو آدم، قال سبحانه وتعالى: "قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُم"
فكل من زرع حصد، ومن مشى وصل، ومن طلب وجد، والطلب لا يحصل إلا بالمجاهدة: طلب شيخ بالغ عارف قد مشى في هذا الطريق وإذا حصل هذان الشيئان لأحد، فقد أراد الله له التوفيق والسعادة بحكم أزلي حتى يبلغ إلى هذه الدرجة"
الخطا وجود فطرة خلق الناس عليها وهى التصديق بالربوبية وهو كلام يخالف الوحى فالناس يولدون وهم لا يعرفون أى شىء كما قال تعالى :
"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا"
والأغرب أن أكثرهم كفار بالله وهو الرب فكيف يكنون مفطورون على التصديق به وهم كافرون به؟
ثم عقد فصلا عن اللذات قال فيه:
"فصل ما هي أعظم اللذات؟
إن اللذة والسعادة لابن آدم معرفة الله سبحانه وتعالى اعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خلق له؛ فلذة العين في الصور الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة، وكذلك سائر الجوارح بهذه الصفة ولذة القلب خاصة بمعرفة الجوارح بهذه الصفة ولذة القلب خاصة بمعرفة الله سبحانه وتعالى لأنه مخلوق لها
وكل ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به، مثل لعبة الشطرنج، إذا عرفها فرح بها، ولو نهى عنها لم يتركها ولا يبقى له عنها صبر وكذلك إذا وقع في معرفة الله سبحانه وتعالى، وفرح بها، ولم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب المعرفة وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح، ولو عرف الملك لكان أعظم فرحاً وليس موجودا أشرف من الله سبحانه وتعالى؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل عجائب العالم آثار صنعته؛ فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة معرفته، وليس منظر أحسن من منظر حضرته وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة بالنفس، وهي تبطل بالموت
ولذة معرفة الربوبية متعلقة بالقلب، فلا تبطل بالموت؛ لأن القلب لا يهلك بالموت، بل تكون لذته أكثر، وضوؤه أكبر؛ لأنه خرج من الظلمة إلى الضوء"
كرر الرجل هنا كون معرفة الله هى أعظم الذات وهو كلام كما قلنا ليس سليما فكم من عارف كفر بعد معرفته كما قال تعالى:
"وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم"
ثم عقد فصلا غريبا قال فيه أن نفس الإنسان صورة مختصرة من العالم فقال :
"فصل النفس مختصرة من العالم:
واعلم أن نفس ابن آدم مختصرة من العالم، وفيها من كل صورة في العالم أثر منه؛ لأن هذه العظام كالجبال، ولحمه كالتراب، وشعره كالنبات، ورأسه كالسماء، وحواسه مثل الكواكب وتفصيل ذلك طويل وأيضا فإن في باطنه صناع العالم؛ لأن القوة في المعدة كالطباخ، والتي في الكبد كالخباز، والتي في الأمعاء كالقصار، والتي تبيض اللبن وتحمر الدم كالصباغ وشرح ذلك يطول والمقصود أن تعلم كم في باطنك من عوالم مختلفة كلهم مشغولون بخدمتك، وأنت في غفلة عنهم، وهم لا يستريحون، ولا تعرفهم أنت، ولا تشكر من أنعم عليك بهم!!"
وهذا الكلام الكبير الألفاظ هو للضحك على العامة ألفاظ ضخمة لا تسمن ولا تغنى من جوع فطبقا لعلم الطب الحالى المعدة لا تطبخ وإنما تهضم الطعام والكبد لا يخبز لأنه يخلص الجسم من السموم ويفرز ما يهضم الدهون
ثم عقد فصلا لتركيب الجسم وفوائد الأعضاء فقال:
"فصل في معرفة تركيب الجسد ومنافع الأعضاء التي يقال عنها في علم التشريح وهو علم عظيم، والخلق غافلون عنه، وكذلك علم الطب فكل من أراد أن ينظر في نفسه وعجائب صنع الله تعالى فيها يحتاج إلى معرفة ثلاثة أشياء من الصفات الإلهية:
الأولى: أن يعرف أن خالق الشخص قادر على الكمال، وليس بعاجز، وهو الله سبحانه وتعالى وليس عمل في العالم بأعجب من خلق الإنسان من ماء مهين، وتصوير هذا الشخص بهذه الصورة العجيبة، كما قال سبحانه وتعالى: "إِنّا خَلَقنا الإِنسانَ مِن نُطفَةٍ أَمشاجٍ نَبتَليهِ"؛ فإعادته بعد الموت أهون عليه؛ لأن الإعادة أسهل من الابتداء الثانية: معرفة علمه سبحانه وتعالى، وأنه محيط بالأشياء كلها؛ لأن هذه العجائب والغرائب لا تمكن إلا بكمال العلم الثالثة: أن تعلم أن لطفه ورحمته وعنايته متعلقة بالأشياء كلها، وأنها لا نهاية لها؛ لما ترى في النبات والحيوان والمعادن من سعة القدرة وحسن الصور والألوان"
ولا ندرى ما صلة هذا بالسعادة ككثير مما جاء فى الكتاب ثم عقد فصلا فى تفصيل جسم الإنسان فقال:
فصل في تفصيل خلقة بني آدم:
لأنها مفتاح معرفة الصفات الإلهية، وهو علم شريف وذلك معرفة عجائب الصنائع الإلهية، ومعرفة عظم الله - سبحانه وتعالى - وقدرته
وهو مختصر معرفة القلب، وهو علم شريف؛ إذ هو معرفة الصنائع الإلهية؛ لأن النفس كالفرس، والعقل كالراكب، وجماعهما الفارس ومن لم يعرف نفسه، وهو يدعي معرفة غيره، فهو كالرجل المفلس الذي ليس له طعام لنفسه وهو يدعي أنه يقوت فقراء المدينة، فهذا محال"
والكلام كعنوان وهو تفصيل الخلقة لا يتناسب مع كون الفقرة كلها ستة سطور ليس فيها أى ذكر لتكوينات نفس وبدن الإنسان
ثم عقد فصل أجاب فيه على سؤال متى تفضل البهائم ابن آدم فقال :
"فصل متى تفضل البهائم ابن آدم؟
إذا عرفت هذا العز، والشرف، والكمال، والجمال، والجلال، بعد أن عرفت جوهر القلب أنه جوهر عزيز، قد وهب لك، وبعد ذلك خفي عنك فإن لم تطلبه، وغفلت عنه، وضيعته، كان ذلك حسرة عظيمة عليك يوم القيامة؛ فاجتهد في طلبه، واترك أشغال الدنيا كلها وكل شرف لم يظهر في الدنيا، فهو في الآخرة فرح بلا غم، وبقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، ومعرفة بلا جهل وجمال وجلال عظيمان وأما اليوم، فليس شيء أعجز منه؛ لأنه مسكين ناقص وإنما الشرف غداً، إذا طرح من هذه الكيمياء على جوهر قلبه، حتى يخلص منه شبه البهائم، ويبلغ درجة الملائكة فإن رجع إلى شهوات الدنيا، فضلت عليه البهائم يوم القيامة؛ لأنها تصير إلى التراب، ويبقى هو في العذاب "
الرجل يقرر أن البهائم أفضل من الإنسان إذا كفر بالله
 

 


 
اجمالي القراءات 4456