هل ممكن أن يتقدم المحمديون ليكونوا فى مستوى الغرب ؟

آحمد صبحي منصور في الإثنين 08 يوليو 2019

هل ممكن أن يتقدم المحمديون ليكونوا فى مستوى الغرب ؟

مقدمة :

1 ـ مستحيل أن يتقدم المحمديون طالما هم محمديون . ممكن أن يتقدموا إذا تخلصوا من الكهنوت الدينى والكهنوت السياسى . عندها لن يكونوا محمديين ينتمون لأديانهم الأرضية من سُنّة وتشيع وتصوف ولكن سينتمون لأنفسهم كبشر لهم حقوق .

2 ـ ولكن هل التخلص من الأديان الأرضية ممكن ؟

3 ـ نعطى الإجابة .

أولا : شعوب أوربا بين الانتماء الدينى المسيحي والانتماء لنفسها

  1 : إختلفوا فى العرق وفى اللسان ولكن خضعوا جميعا للكهنوت الدينى الكنسى وللكهنوت السياسى الاستبدادى . الكهنوت السياسى كان يتحارب بعضه بعضا فى حروب إستمرت ولكن الخضوع للبابوية لم يتزعزع ، أى كان الكهنوت الدينى المسيحى أقوى من الكهنوت السياسى الاستبدادى ، بل هو الذى كان يعطى شرعية للإستبداد أو الكهنوت السياسى. لهذا نقول كان الأوربيون مسيحيين ، وكان إنتماؤهم للمسيحية وفقط ، سواء كانوا ملوكا أو أمراء أو فرسانا أو تجارا أو عمالا أو فلاحين من (قن الأرض ). وفى ظل الانتماء للكهنوت المسيحى عاشت شعوب أوربا ، وتناست قومياتها ،  لا فارق بين شعب فرنسا أو شعب اسبانيا . سيطرت الكنيسة على العقول وحاربت الاجتهاد العقلى والابتكار العلمى ، ودفع الثمن قساوسة مستنيرون مثل سافونا رولا وعلماء مثل جاليليو وكوبرنيكس .

 2 : تخلصت أوربا من سيطرة الكنيسة ومن الاستبداد السياسى فدخلت فى عصر العلم تكتشف وتخترع وسار خلفها معظم العالم سوى المحمديين . لم يصبح الغرب ( مسيحيين ) بل صاروا منتمين الى قومياتهم المختلفة من انجليز وفرنسيين وألمان ..الخ . إنحسر سلطان الكهنوت المسيحى وأصبح له دور إجتماعى تطوعى وتم حظر تجول الكنيسة فى الشارع السياسى ، وأصبح مباحا ومتاحا نقد وقذف البابا والكهنوت المسيحى وفضح ما يحدث فى الكنائس بنفس ما يحدث ما يحدث فى كواليس السياسة . أصبح هدف الشعوب فى الغرب ليس حماية المسيحية والدفاع عنها والجهاد فى سبيلها بل البحث عن مصلحتها ، ولم يصبح الشعب فى خدمة الكنيسة بل أصبحت الكنيسة فى خدمة الشعب تقدم له ( الخدمات ) مقابل أجر تطوعى . ونفس الحال فى السياسة ، لم يصبح الحكام أسياد للشعب ، بل خدم للشعب يتنافسون فى إرضائه ، ولم تصبح الشعب فى الغرب يخاف الحكومة بل إن الحكومة هى التى تخاف من الشعب . بدون رضا الشعب لا يصل أحدهم الى السلطة خادما للشعب ، وبدون رضا الشعب يموت الكهنوت الدينى جوعا .  

3 ـ هل هو نفس الوضع فى بلاد المحمديين ؟

ثانيا : لنبدأ بالديمقراطية التى تكفر ب ( الكهنوت السياسى ).

1 ـ رياح الديمقراطية هبّت على دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط أعتى نظم الاستبداد فى ألمانيا وإيطاليا واليابان . بدأت اليابان بالتحول الديمقراطى فتقدمت وأبهرت العالم. وهبت الموجة الثانية للتحول الديمقراطى بعد سقوط الاتحاد السوفيتى  ، وفيها نجحت دول اوربا الشرقية لأن شعوب تلك المنطقة عايشوا التحرر من الكنيسة بل ثاروا عليها وفق دعوة الشيوعية بأن الدين ( الأرضى المسيحى ) أفيون الشعوب ، والمطالبة بشنق أخر مستبد بأمعاء آخر قسيس. وقعت دول شرق أوربا فى براثن الاستبداد الشيوعى بعد الحرب العالمية الثانية وبسقوط الشيوعية نجح فيها التحول الديمقراطى.

2 : إختلف الوضع مع دول أواسط آسيا والتى عاشت فيها أديان أرضية تقدس إلاها أسموه ( محمدا ) لا صلة له بالنبى محمد عليه السلام . (محمديون  ) على نسق ( المسيحيين ) فى تقديس البشر والحجر . تجذرت أديانهم الأرضية عبر القرون . أرغمت الشيوعية تلك الأديان الأرضية على التوارى مؤقتا لتفسح المجال للاستبداد الشيوعى . ثم بسقوط الشيوعية عادت تلك الأديان تعزز الاستبداد الجديد وتقيم تحالفا بين الكهنوت الدينى والكهنوت الساسى . سقطت الايدلوجية الشيوعية الدينية الالحادية وحلّت محلّها ايدلوجية دين أرضى إعتاد خدمة الحاكم المستبد ، منذ فتح العرب لتلك البلاد.

  3 : كان الدين السنى الصوفى مسيطرا فى الدولة والخلافة العثمانية ، سقطت وأقام كما أتاتورك دولة قومية تركية ( مستبدة ) علمانية متطرفة . وظلت جذور الدين الأرضى كامنة الى أن بعثها من مرقدها أربكان ثم اردوغان.

  4 : جذور دين التصوف السنى كانت متعمقة فى مصر ( الدولة الراسخة فى المنطقة )، بدأت مصر فى التحرر منها بنهضتها فى ظل قيادة أسرة (محمد على باشا ) ، وفى الليبرالية التى عاشتها مصر تسللت الوهابية التى تعبر عن تطرف الدين السنى عبر جمعيات سنية والاخوان المسلمين ، وتحالف الضباط العسكر مع الاخوان وقام إنقلاب الجيش الذى قضى على النظام الملكى وأقام إستبدادا يبحث عن أيدلوجية فكرية تدعمه .تصارع عبد الناصر مع الإخوان وأقصاهم ورفع ايدلوجية قومية ( الناصرية ) بديلا عن الوهابية . ثم سقط عبد الناصر وعاد الدين الأرضى بكهنوته يتحكم فى مصر ويضع حائلا بينها وبين الديمقراطية ، ويختلف العسكر والاخوان فى كل شىء ويتفقون فى الوقوف ضد الديمقراطية .

  5 : فى إيران ( الدولة الراسخة الأخرى فى مواجهة مصر ) رفع الشاه الايدلوجية الفارسية وحكم بها مستبدا وعمل على إقصاء الكهنوت الشيعى ، ولكن هزمه الكهنوت الشيعى وعاد يحكم بولاية الفقيه فى دولة دينية صريحة .

  6 : بدأ الربيع العربى ونجح جزئيا فى تونس فقط لأنها عرفت العلمانية فى عصر بورقيبة أحد عظماء السياسة فى المنطقة ومؤسس تونس الحديثة ، وأيضا لأن جيشها الوطنى الشريف لا يتدخل فى السياسة ، أى يحمى الوطن ولا يحكم الوطن كما يفعل الجيش الخائن فى مصر ، ومع ذلك يتأرجح الأمل فى تونس نظرا لتجذر الدين الأرضى السنى الوهابى فيها.  

  7 : الوهابية السعودية هى التى أرجعت أهل المنطقة الى أشد أديان العصور الوسطى تزمتا ، وأجهضت إمكانية تطورهم الطبيعى كما حدث مع الغرب ، وهى التى أشعلت المنطقة بالحروب الدينية والمذهبية وبالإضطهادات الدينية ومحاكم التفتيش على غرار أوربا فى العصور الوسطى .

 8 : والوهابية هى الأساس فى تكفير الديمقراطية . وبها أصبح تكفير الديمقراطية الأساس فى أديان المحمديين الأرضية مع إختلافاتهم الدينية .  يتصارع العسكر والإخوان ويتصارع السنة والشيعة ولكن يتفقون فى تكفير الديمقراطية وتكفير وإضطهاد دُعاة الاصلاح الدينى والاصلاح السياسى . وعلى فرض نجاح ربيع عربى فإن تجذر الأديان الأرضية فى بلاد المحمديين سيجهض التحول الديمقراطى . لذا ننادى بإصلاح دينى لأنه الأساس ، ويصاحبه إطلاق الحرية فى التعبير الدينى والسياسى والفنى والإبداعى . بدون هذا ستظل سطوة الكهنوت الدينى والسياسى فى المنطقة ، وسيتضاءل التفاؤل بشأن تحول ديمقراطى قريب .

ثالثا : ولكن هل من الممكن تحقيق إصلاح دينى قريب ؟

  1 : خلال أكثر من أربعين عاما نجحنا ــ ولأول مرة فى تاريخ المنطقة ــ فى نقد الأديان الأرضية وفى فضح أئمتها والطعن فى خرافاتهم المقدسة ، وتابعنا كثيرون بدرجات متفاوتة . إنفجرت فينا الألغام وتعرضنا للسجن والتجويع والطرد والتكفير وصمدنا فأصبح الطريق ممهدا أمام آخرين لكى يقتبسوا منا ويقولوا ( بعض ) ما نقول ، والنتيجة أن القداسة التى ظلت سائدة متحكمة قرونا طويلة بدأ المساس بها بحيث أصبح قادتها مضطرين للدفاع عنها ليس بالمنطق والحجة ولكن بالاضطهاد والسجن والتعذيب والمصادرة والتعتيم والسب والشتم والاتهامات بالخيانة والعمالة . كل هذا ونحن صامدون نواجه الأمواج العالية بسواعد عارية ، نواجه أقوى قوتين : الكهنوت الدينى والكهنوت السياسى معا ، ومعهم أضخم ثروة فى العالم ، وآلاف المؤسسات والمعاهد وأجهزة الإعلام ومواقع الانترنت والفضائيات ، ومئات من القادة السياسيين والدينيين وجيوش من القطيع التابع لهم . لو كانت معنا قناة فضائية واحدة لإختلف الأمر ، لو كان معنا تمويل يساعدنا فى الخروج من سراديب التعتيم المفروض علينا لإختلف الأمر ، ولكنه قدرنا أن نناضل فى سبيل لقمة العيش بيد وباليد الأخرى نواجههم جميعا من سنيين وشيعة وصوفية .

 2 : ومع هذا فقد نجحنا فى :  

2 / 1 ـ  إزالة الخوف والرهبة التى كانت تعتمل فى قلوب من يفكر فى نقد البخارى والخلفاء والصحابة والأئمة .

2 / 2ـ إثبات أن آلهتهم المقدسة وخرافاتهم المقدسة تحتاج الى من يدافع عنها وفق منطق الكفار من قوم ابراهيم  الذين  قالوا : ( أنصروا آلهتكم ). وعجيب أن الآلهة التى يتوسلون بها طلبا للنفع ودفعا للضُّر تكون هى المحتاجة من أتباعها لأن ينصروها .

2 / 3 ـ  إثبات أن الأديان الأرضية تحتاج الى سُلطة سياسية تحملها على كتفها تحميها من (خطر) النقاش و ( خطورة ) الإنتقاد .

2 / 4  ـ إثبات أن الدين الأرضى حين تتكفل به دولة يكون عبئا عليها يلهيها عن ممارسة دورها فى هذه الحياة الدنيا ، لأنه من المستحيل أن تحمل جميع الناس وأن ترغمهم على إعتقاد معين .

2 / 5  ـ إثبات أن الدولة المستبدة هى الوحيدة التى تحتاج الى كهنوت دينى يعزّز ويحمى كهنوتها السياسى .

  3 : وتظل الحقيقة المؤلمة ماثلة ، وهى أن الطريق لإصلاح دينى لا يزال شاقا وعسيرا . والسبب :

3 / 1 : إمكاناتنا الضعيفة وعدم قدرتنا على الوصول الى أكبر شريحة ممن يهمهم الأمر.

3 / 2 : عدم مقدرتنا على تفعيل مشروعنا تحويل التراث الى دراما والذى يفضح المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء ويصل بالتنوير الدينى الى أقصى مدى من خلال دراما ممتعة .

3 / 3 : إستماتة الكهنوت الدينى والسياسى فى الدفاع عن مكانته وتسيده .

3 / 4 : الإصلاح الدينى والسياسى فى بلاد المحمديين لا يصبُّ فى مصلحة الغرب ، ليس بدافع دينى مسيحى ( فلم يعد دور للكنيسة فى السياسة ) ولكن بدافع إقتصادى . بإختصار مؤلم موجع : تجارة السلاح تحتاج الى حروب ، وأصحاب الكهنوت السياسى الدينى للمحمديين يتحاربون فيما بينهم ، وهم يبددون ثروات شعوبهم فى حروب لا غالب فيها ولا مغلوب ، والمنتصر فيها هو من يبيع لهم السلاح ويسحب منهم البترول والدولار واليورو. سياستهم تقول عن المحمديين : هم يريدون قتل أنفسهم دعنا نساعدهم فى قتل أنفسهم ونجنى البلايين منهم.

رابعا : هل يوجد تقدم علمى فى بلاد المحمديين ؟

1 ـ الاجابة معروفة : ( لا ) وبالخط العريض . السبب فى الكهنوت الدينى والكهنوت السياسى .

2 ـ يعيش المحمديون الآن نفس المرحلة التى عاشتها أوربا تحت سيطرة البابوية وإضطهادها للمصلحين أمثال ( سافونا رولا ) والعلماء أمثال جاليليون وكوبرنيكس . وحيث يتحكم الدين الأرضى يصير فقهاؤه الجهلة المتخلفون هم أساطين العلم ، وتصبح خرافاتهم مقدسة ، ويحرم الإقتراب منها إلا بالتسليم والتقديس . فإذا قال البخارى أن من أكل سبع عجوات فلا يضره سُمُّ ولا سحر فإياك أن تعترض وإلا أصبحت كافرا منكرا للسُّنّة عدوا للإسلام. وإذا قيل فى مقررات الأزهر أن الأرض يحملها حوت فلا بد أن تصفق لأن شيخ الأزهر هو ( الإمام الأكبر ) .

3 ـ فى بداية تكوين دولة عبد العزيز ( إبن سعود ) كان الإخوان مؤسسو هذه الدولة يعتقدون أن اللاسلكى من عمل الشيطان . حدث تطور هائل بدخول الوهابيين فى عصر الانترنت وإستغلاله فى نشر دينهم ، وصاحب هذا تحول خطير آخر ، أنه لا مانع من إستعمال منتجات الغرب الكافر ولكن يحرم أن تنتقد ما قاله آلهة الدين السنى من البخارى الى ابن عبد الوهاب . أى صودر مؤقتا أى أمل فى نهضة علمية تؤسس إزدهارا يجعل المحمديين يلحقون بالغرب أو حتى بالهند وكوريا الجنوبية .

 4 : يضاف الى ذلك الكهنوت السياسى . المستبد لا يثق فى أهل الكفاءة من العلماء والمفكرين والمثقفين . وأهل الكفاء لكى تتعمق كفاءتهم فلا وقت لهم للتزلف للمستبد والرقص فى مواكبه . لذا يتصدر  فى دولة المستبد الأفّاقون والجهلة وحملة المباخر والراقصون فى المواكب ، يحتلون وزارات  الاعلام والتعليم والثقافة والبحث العلمى والتخطيط .. ولأنهم أبواق للجهل فلديهم حساسية مفرطة ـ ليس لها علاج معروف حتى الآن ــ تجاه أصحاب الكفاءات. لا يوجد مستبد يستعين بأهل الكفاءة لأن لديه ( أهل الثقة ) . بالتالى لا يبقى للكفاءات سوى الهجرة أو الموت كمدا أو أن يأوى أحدهم الى الظل يندب حظّه .

5  : ينبغ المصرى المهاجر فى الغرب لأنه يجد نظاما يشجع الموهوبين ويعطى للفاشلين فرصة يأخذ بأيديهم الى النجاح ، عكس بلاد المحمديين حيث تتم محاربة المجتهدين وينبغ الأفاقون الجاهلون . وهناك أمثلة ناصعة لمهاجرين من مصر وغيرها .

6 ـ لا يمنع الحياء من تقرير حقيقة ، هى أنه : لا يوجد  غيرى فى تاريخ المنطقة : كتب آلاف الكتب والمقالات والفتاوى والتعليقات ومعظمها منشور هنا ، هذا بالإضافة الى عشرات الألوف من الأفكار الجديدة التى لم يقلها أحد من قبل . وبسبب هذا طوردت فى مصر وأرغمونى على الهجرة منها . المقابل أن مصر أقامت حفلات تكريم لداعية سعودى وهابى جاهل إسمه العريفى ، خطب خطبة جمعة فى مصر إتضح أنه سرقها من بعضهم . أحمد صبحى منصور يطردونه من مصر بينما يفتحون أبواب مصر لأمثال العريفى ..

 أخيرا :

 هل هناك أمل ؟ لو سمحت : أعد قراءة المقال .!

اجمالي القراءات 1527