بنية المزواجة .. قصة قصيرة

شادي طلعت في الجمعة 15 فبراير 2019

في يوم شمسه دافئة، معتدل الحرارة، نسيمه عبير جميل، خرج المزارع صاحب الضيعة الكبيرة، التي تتجاوز الــ 1000 فدان، يحرث ويزرع، كله حياة مفعمة بالأمل، ولما لا، فالأرض الخصبة ملكه، والمال عنده يزيد، ولا ينقصه إلا ولد يرث ما لديه، وبعد أن أنهى عمله ذلك اليوم، جاءته زوجته بالطعام، وبينما هي تقترب منه، إذ بها تسقط فجأة مغشياً عليها، خاف الزوج على زوجته، يتساءل : ماذا ألم بها ؟.

لكن الزوجة كانت بخير، فتلك أعراض الحمل .. فرح الزوجان بالقادم الجديد، وتمنى المزارع أن يكون ولداً، ومرت الشهور، ووضعت الزوجة حملها، لكنها كانت أنثى، إلا أن المزارع قد فرح، وإستبشر بها، واحتار الإثنان في إختيار إسم لإبنتهما، فاقترح الزوج على زوجته أن يسمى الطفلة بـ "بنية"، تعجبت الزوجة من الإسم، فقال المزارع : نحن أهل زراعة وفلاحة، خلقنا الله بنيين، أقرب للون الأرض التي نعيش من خيراتها، سيكون إسم إبنتنا، تذكرة لها لأن تحافظ هي الأخرى على ضيعتنا، التي سترثها من بعدنا.

 

ومرت خمسة أعوام، وبدأت الطفلة تعي ما حولها، وكانت العائلة الصغيرة تعيش في سعادة، ما بعدها سعادة، حتى ألمت بالمزارع وعكة صحية صغيرة، ظن أنها ستمر كما مر كل ما سبقها في حياته، بيد أن الوعكة الصغيرة بدأت تكبر رويداً رويدا، فازدادت حالت المزارع سوءاً، حتى دنا أجله، مات المزارع، دون أن يرى "بنية"، في بيت زوجها، وقبل مماته، أوصى زوجته خيراً بإبنته، وكانت الزوجة لوصية زوجها أمينة، فرفضت كل عروض الزواج، وقررت أن تهب حياتها لـ "بنية"، ومر عام وراء عام، وبنية تعيش في ترف لم تعش به بنت في مثل عمرها، كانت مرفهة، وأمانيها تعد أوامر للجميع، حتى بلغت من العمر 14 عاماً، وأصبحت أنثى يافعة، وتقدم الشباب لخطبتها، فاختارت أمها شاب وسيم أحمر البشرة، كان فقيراً، لكن الأم لم تبالي، فإرث إبنتها كبير، وكانت ترى في كون زوج إبنتها فقير، أنه أمر محمود، ووافقت البنت وتزوجت الفتاة، وماتت الأم بعد الزفاف وهي راضية، تشعر بأنها قد أدت رسالتها، ونفذت وصية زوجها المزارع.

عاشت "بنية"، مع الشاب الأحمر حياة سعيدة، إمتدت لعامين، لم يجعل الفتى، زوجته خلال مدة الزواج تشعر بأي مسئولية، فكان يدير ضيعتها، ويجمع لها مالها، إلى أن إكتشفت "بنية"، أن زوجها يسرقها، فقررت الإنفصال، والطلاق، حتى كان، لكن الزواج قد خلف طفلتين توأم.

 

ولم تمر أشهر قليلة، حتى تقدم لخطبة "بنية"، شباب آخرون، فقررت"بنية"، أن لا تتزوج من شاب أحمر مرة أخرى، حتى لا تعيد تجربتها الأولى، وقبلت الزواج هذه المرة من شاب أبيض، وكانت حياتها معه أفضل من حياتها في الزيجة الأولى، لكن الزواج لم يدم أكثر من 4 سنوات، وإكتشفت "بنية"، أن الزوج الثاني يسرقها كما الأول !، فقررت الإنفصال، والطلاق، وقد كان، لكن الزواج قد أسفر عن 3 أطفال.

 

ولم تمر شهور من إنقضاء الزواج الثاني، حتى تقدم للزواج من "بنية"، التي أصبحت أم لــ 5 أبناء !، شباب آخرون، فقررت "بنية"، أن لا تتزوج من أحمر أو أبيض، وتزوجت هذه المرة من شاب أشقر، وكان يمتاز عمن سبقوه، أنه رقيق التعامل معها، وشديد الحرص على ألا يغبضها، فاعطته "بنية"، الأمان وسلمت له إدارة ضيعتها، كما فعلت مع من سبقوه، ودام الزواج لـ 8 أعوام، إلى أن إكتشفت "بنية"، أن الزوج الأشقر أيضاً يسرق مالها، فقررت الإنفصال، والطلاق، وقد كان، لكن الزواج أسفر عن 9 أطفال.

 

وبعد الطلاق من الزوج الثالث، راجعت "بنية"، ما آل إليه حالها، فوجدت أن عمرها قد أصبح 28 عاماً، وأن أبناءها قد أصبحوا 14 .. 7 ذكور، و 7 إناث، إنه لكم هائل من الأطفال.

لكن .. أيكون ذلك مانعاً للأم من الزواج، وهي في ريعان شبابها، كما أنها إمرأة غنية.

 

فما لبث أن مرت عدة شهور، حتى تقدم لخطبة "بنية"، شباب آخرون، وكان منهم شاب بني البشرة، فرأته "بنية"، مختلف عمن سبقوه، ويشبهها، فقبلت به زوجاً، وإستمر الزواج عشرون عاماً، حتى إكتشفت "بنية"، أن زوجها الرابع  أيضاً يسرقها !، فقررت الإنفصال، والطلاق، حتى كان، بعد أن رزقت منه بأربعة أبناء آخرين.

 

بلغت "بنية" بعد طلاقها الأخير، 48 عاماً، لكنها لا تزال جميلة، بيد أن أبنائها أصبح عددهم 18، 9 ذكور، و 9 إناث، وأصبح أكبر أبنائها في عمر الـ 34 عاماً، "بنية" لم تعد أماً فقط، فلديها أحفاد تجاوزا عمر الـ 20 عاماً، ومنهم فتاة كانت أمها قد أسمتها "بنية الصغيرة"، كانت على وشك الزواج !.

 

إنها الآن جدة، لكنها تبدو شابة جميلة مرغوبة، كما أنها لم تتعود أن تعيش وحيدة، فلم تغلق الباب أمام طالبيها، فتقدم لها العديد من الرجال طالبي الزواج، لكنها فوجئت بأن حفيدتها "بنية الصغيرة"، تتصدى لها ولزواجها الخامس هذه المرة، فذهبت لجدتها تعنفها :

 

-         بنية الصغيرة : كفى جدتي، فتعدد زيجاتك، أمر لم يعد مقبول.

 

-         بنية : ولماذا، وأنا لم أجور على أي من أبنائي أو أحفادي، إنها حياتي، وأنا من يقرر مصيرها.

 

-         بنية الصغيرة : يا جدتي ألا تنظرين أحفادك، إننا في أسوأ حال، وجميعنا إما يعمل بالفن،  أو السيرك، أو الغناء، أو الرقص، لم يأتي من ذريتكِ (عالم) !، قد أصبحنا مستهلكين، لا ننتج إلا ما تخرج لنا الضيعة، لم نفشل فقط في الصناعة، بل فشلنا كذلك في التجارة، فهل هذا يسعدك.

 

-         بنية : طالما أن الفن، والسيرك، والغناء، أعمال شريفة، وطالما أننا نجد قوتنا، ونستمد قوتنا من ضيعتنا، فما الفارق بينكم وبين (العلماء)، كلكم سواسية، بل أنتم أفضل حال منهم، لأنكم تملكون المال.

 

-         بنية الصغيرة : يا جدتي أنتِ سبب ما نحن فيه، لم نجدكِ القدوة الحسنة، فنشأنا على السهل والمستباح، لم ندرك يوماً أن الحياة ليست للمتعة فحسب، إنها جهد، وعمل دؤوب، بينما أنتِ لا تبحثين إلا عن متعتك فقط، فتزوجتِ من كل أصناف الرجال، وجميعهم كان يسرق مالك، وأنتي تعلمين، لكن .. لأن مالك لا ينفذ، فقد كنتِ تغضين البصر، حتى يمل مزاجك، فتبحثين عن المتعة مع آخر، وكل من تزوجوا منكِ كانوا يستفيدون، فيحصلون على الماء والطعام المختلف الأشكال، والسيدة الجميلة، التي تسد رغباتهم، والمال الوفير بلا حساب، فليس عليه رقيب.

-         أما نحن أحفادك، فقد صرنا غرباء، ننتمي لأربعة أجناس مختلفة، لأن أزواجك مختلفون، حتى ضاعت هويتنا، وإندثرت ثقافتنا، وما عادت القيم، أو الأخلاق تحكمنا، فكبيرتنا، كانت تأتي في كل مرة بــ (غريب يحكمنا)، فأخذوا مالنا، وعندما أتيتِ بزوج "بني" مثلك، سرقكِ كما سبق وأن سرقك الآخرون.

 

-         بنية : إن مالي ثابت لا ينفذ، فمهما سرق البعض، سأظل غنية.

 

-         بنية الصغيرة : يا جدتي .. أحفادك ضائعون، أفلا تستفيقي، لتنقذينا من الضياع، إننا بحاجة لبعض القيم، فإن أنتِ إلتزمتي بها، ستكون على رقابنا جميعاً، وإن كثرت أخطاؤك في الماضي، فأنتِ قادرة على الإعتراف بالذنب، وإقرار القيم من جديد، ولو في نهاية الأمر.

 

تركت "بنية"، حفيدتها وإنصرفت عنها، غير مقتنعة بحديثها، وما أن وصلت إلى منزلها، حتى وجدت رجل أصفر اللون، يطلب يدها، فتذكرت كلمات "بنية الصغيرة"، لكنها ما لبثت، إلا وأن ضعُفت أمام الرجل الأصفر، فقررت الزواج منه، رغم كل العقبات.

 

شادي طلعت

اجمالي القراءات 1373