الشهداء و الأشهاد
الشهداء و الأشهاد

أسامة قفيشة في الجمعة 15 فبراير 2019

الشهداء و الأشهاد

في محكمة الحق جل وعلا يوم الحساب لابد من حضور جميع المخلوقات , فلا يغيب غائب .

نحن نعلم بأنه جل وعلا يعلم كل صغيره و كبيره , فهو و حده سبحانه علام الغيوب , و علمه للغيب بسرائر الخلق يستدعي عدم الحاجة لعقد تلك المحاكمة , فبمجرد البعث في الحياة الآخرة يمكنه جل وعلا بأن يدخل أهل الجنة للجنة , و أهل النار للنار و دون مسائله ,

و لكن انعقاد تلك المحكمة هي من سننه جل وعلا التي لابد منها , و هذا لأن المخلوقات لا تعلم الغيب , فكان لابد من أن يتعامل جل وعلا مع الخلق بناءاً على إدراكهم .

بما أن تلك المحكمة هي في أساس انعقادها تأتي من أجل إدراكات تلك المخلوقات و طبيعتها , نلاحظ بأنها تعتمد على العناصر الأساسية لأي محاكمة و لا تختلف عنها بشيء ,

فهي محكمة تتبنى تلك العناصر و لا تتبنى علم الغيب في حكمها أبداً , و تلك العناصر تعتمد على ( المكان , الزمان , الحضور , الشهود , الأدلة الموثقة و البراهين ) .

أما بالنسبة لأحكام تلك المحاكمة فهي أحكام ثابتة لا تتغير و لا طعن فيها , و هذا لأنها تعتمد على الحق و العدل ألا متناهي و لا محدود , فأحكامها أحكام نفاذ ,

تتلخص الأحكام فيها إما بالإدانة أو بالبراءة , و هنا نقول بأن الإدانة لا شفعة فيها , أي لا تحتاج لتأكيد الإدانة من طرفٍ آخر , كون تلك الإدانة هي إدانة ذاتيه ,  

أما التبرئة فتعتمد على الشفعة , أي أنها تحتاج للتأكيد عليها من طرفٍ آخر ,

الذي تسري عليه المحاكمة هو متهم حتى تثبت براءته بالدليل و البرهان القاطع , ثم بشفاعة تلك التبرئة التي تؤكد مجدداً على البراءة , عكس المحاكم البشرية التي تقول بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته و ذلك لأن الحق و العدل فيها محدود و شبه متناهي .

في هذا المقال سنتناول و ننظر في بعض عناصر تلك المحكمة ( الحضور , الشهود , البراهين و الأدلة ) :

جميع الخلائق سيحضرون , و جميعهم شهود بما يمتلكون من أدله و براهين و بما سيشاهدون , حيث يقول جل وعلا ( وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) ,

فكل الخلائق يومها هم من ضمن الشهود الذين سيشهدون تلك المحكمة , فكل فردٍ يومها هو الشاهد الذي سيشهد جلسته بالحضور يوم الحساب , و هناك نوعان من هذا الشاهد :

في بداية الأمر لابد من تعريف مفهوم الشهادة , فالشهادة نوعان ( شهادة عملية و شهادة نظرية ) ,

النوع الأول ( شاهد من شهداء ) :

و هؤلاء شهادتهم شهادة نظرية علمية مبنية على العلم الذي نزل إليهم ( و هو الوحي الإلهي ) و البرهان الذي بين أيديهم ( وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) , هؤلاء الشهداء شهادتهم راسخة بسبب الإيمان المطلق بالغيب الذي جاء به الوحي , و جاء وصفهم بأولي العلم في آية التشهد , و هنا نسأل الله جل وعلا بأن نكون من الشهداء ,

و النوع الثاني ( شاهد من الأشهاد ) :

و هؤلاء شهادتهم تقتصر على الحضور ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) , و لا يؤخذ بشهادة الأشهاد لأن شهادتهم باطلة و ما هي إلا افتراء و محاوله فاشلة للنجاة من النار حيث يقول جل وعلا ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) هؤلاء الأشهاد سيقولون أيضاً ( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) , و هؤلاء الأشهاد سيقولون ( قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ) .  

شهادة الأشهاد غير معتبرة لذا سيختم على أفواههم حينها ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) , ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) , ( حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) , و هنا نلاحظ بأن إدانتهم كانت ذاتية , فلا تحتاج للتأكيد ,

فشهادة الأشهاد هي في الحضور فقط فلا ينطقون , و لا يؤخذ بشهادتهم لأن شهادتهم لا تؤهلهم بأن تكون كشهادة الشهداء , فيأخذ بشهادة ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم و سمعهم و أبصارهم و جلودهم التي ستشهد بالحق حينها , فسبحانه و تعالى سيختم على أفواههم فلا يؤذن لهم بالنطق فيقول ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ) ,

بينما شهادة الشهداء تكمن في الحضور و النطق , و شهادتهم معتبره , لذا يأذن الله جل وعلا لهم بالقول و الشهادة ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) ,

من خلال تلك الشهادة تتحقق الشفاعة تأكيداً لمن يستحق ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ) , فمن أذن له الرحمن من الملائكة الحضور يوم الحساب بالقول و إدلاء الشهادة التأكيدية , نلاحظ بأن شهادتهم ستكون شهادة حق مبنية على العلم أي أنها شهادة نظرية تؤدي إلى الشفاعة ( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ,

لذا فشهادة الشهداء هي شفاعتهم لأنفسهم , ثم تأتي شهادة الملائكة المختصين تأكيداً لشهادة الشهداء و شفعاً لهم , أي أن البشر لا يشفعون لأحد قط , بل كل نفسٍ تشفع لنفسها فقط من خلال شهادتها بما في ذلك الأنبياء , فكل الشهداء سيشفعون لأنفسهم فقط و تلك هي شهادتهم التي سيدلون بها أمام الحق جل وعلا , ثم يأتي التأكيد على شهادتهم بشهادة الملائكة المختصين فتحل الشفاعة و تتم المصادقة على شهادتهم بأنها حق . 

اجمالي القراءات 2019