بعض المنشور فى جريدة الوطن العربي . ف1 من كتاب : (جهادنا ضد الوهابية )

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 05 فبراير 2019

بعض المنشور فى جريدة الوطن العربي .  ف1 من كتاب : (جهادنا ضد الوهابية )

 

أولا : مقالات قصيرة

جريدة الوطن العربى بتاريخ 13 /5/1996 :

 

( خدعوك فقالوا : ناقصات عقل ودين )

    قال: فعلا ما أصدق قوله عليه الصلاة والسلام عن النساء " ناقصات عقل ودين "

    قلت : هل تعني أنه حديث صحيح ؟!

    قال : نعم وبالتأكيد .

    قلت : فكيف يتفق هذا مع حديث آخر يزعمون أنه حديث صحيح يقول عن السيدة عائشة " خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء"

    قال بعد تفكير : فعلا ، هل تكون السيدة عائشة ـ وهي من النساء ـ ناقصة عقل ودين ، ثم يأمر النبي بأن نأخذ عنها نصف ديننا ؟

    قلت : ليس معني هذا أنني أوافق علي أن حديث " خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء " حديث صحيح ، فالدين كله في كتاب الله وكتاب الله محفوظ إلي يوم القيامة وليس متوقفا علي إنسان يعيش فترة ثم يموت .

    قال : ما الذي تقصده بالضبط؟

     قلت : إنها كلها أحاديث كاذبة ومتناقضة ويضرب بعضها بعضا.

     قال : نعود إلي اعتراضك علي حديث " النساء ناقصات عقل ودين " فأنا أراه حديثا صحيحا لأن المرأة اقل عقلا من الرجل وبسبب الحيض فهي أقل تدينا من الرجل هكذا يقولون .

    قلت : وهل يستريح ضميرك إلي أن تكون المرأة ناقصة دين إذ خلقها تحيض أو خلقها ـ بزعمك ـ اقل عقلا من الرجل ، وما ذنبها حينئذ؟

    قال متنهدا: أنا أيضا لا أستريح لوصف السيدة عائشة أو السيدة خديجة أو أي من زوجات النبي بأنهن ناقصات عقل ودين .

    قلت : إن الله تعالي يقول عن نساء النبي " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" الأحزاب /33 . فكيف يكن ناقصات عقل ودين ؟ والله تعالي يجعلهن أمهات للمؤمنين جميعا فيقول " النبي أولي بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " الأحزاب /6. فكيف تكون أمك في دين الله وهي ناقصة عقل ودين ؟

    قال : صدقت . وأتذكر الآن ما قاله تعالي عن السيدة مريم التي اصطفاها وطهرها والتي كلمتها الملائكة . لا يمكن أن تكون ناقصة عقل هذه السيدة التى " التي أنبتها الله نباتا حسنا وجعلها آية للعالمين " لا يمكن أن تكون التى مدحها القرآن ـ مدحا عظيما .

    قلت : بل إن الله تعالي جعل المثل الأعلى لكل المؤمنين ذكورا وإناثا ـ امرأتين صالحتين هما السيدة مريم وامرأة فرعون وجاء ذلك في آخر سورة التحريم .

    قال : وأوحي الله تعالي إلي أم موسي ، ووعدها بإرجاع ابنها ووصفها بالإيمان . واقرأ تفصيلات ذلك في سورة القصص كما أشاد بأم إسحاق زوج إبراهيم .

    قلت : إذن خدعوك فقالوا : النساء ناقصات عقل ودين.

 

 

جريدة الوطن بتاريخ  20/12/1994

( خدعوك فقالوا :  لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ).

 

     قال : إن فلانا اضطر للاقتراض من فلان ، فأقرضه بفائدة ، أي بربا .. وقد دفع ما عليه من ديون وفوائد ، ولكن ضميره يؤنبه لأن الحديث يقول : " لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده "..

      قلت: تقول إنه اضطر للاقتراض بالربا .. فلنفترض أنه اضطر لأكل لحم الخنزير والميتة .. هل يكون ذلك حراما ؟.. وهل يكون هو ملعونا ؟ ..

     قال : لا ..لأن الله تعالي أحل الأكل من الميتة ولحم الخنزير للمضطر ، وقال في تحريم الأكل منها " إلا ما أضطررتم إليه .."

    قلت : إذن فليس ملعونا وليس آثما لأنه مضطر ، ولا حرج على الاضطرار ، بل أن المضطر يغفر الله له إن أكرهه أحد علي الكفر ، طالما كان قلبه مطمئنا بالإيمان ..

   قال : نعم .. والله تعالي يقول : " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .."

  قلت : صدق الله العظيم ، وهناك ناحية أخري .. لماذا كان الربا حراما ؟..

   قال : لأن المرابي أوقع الضرر بالمحتاج المضطر للاستدانة ..

   قلت : إذن فالذنب يقع علي المرابي وحده ، وليس علي المضطر الذي وقع عليه الضرر ، لأن التحريم للربا كان بسبب ذلك الضرر ..

   قال : نعم .. واسمح لي أن أضيف أنه لا ذنب أيضا علي الكاتب والشاهد في واقعة الضرر ..

   قلت : ذلك صحيح .. فالكاتب والشاهد علي الحياد . يشهدان علي كتابة العقد ، والله تعالي جعل لهما حصانة ومنعا من أن يقع عليهما ضرر ، فقال : " ولا يضار كاتب ولا شهيد ، وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ، واتقوا الله " البقرة 282.. فإذا وقعت أضرار بالكاتب والشاهد في الأمور التجارية فذلك دليل علي وجود خلل في المجتمع ..

   قال : هذا حق .. ولكني أتعجب لماذا إدّعوا أن الكاتب والشهيد والمضطر للاستدانة  بالربا مذنبون وملاعين ؟..

 قلت : خدعوك فقالوا : لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ..

 

جريدة الوطن العربي بتاريخ 27/2/1994

 

( خدعوك فقالوا: فوائد البنوك حرام !! )

 

    قال : إن التعامل مع البنوك حرام كله، لأنه ربا.. وقد أحل الله البيع وحرم الربا..

    قلت : صحيح أن الربا حرام.. ولكن فوائد البنوك ليست من الربا الحرام.

    قال: كيف؟

    قلت صحيح إن الله تعالي يقول في الآية (275) من سورة البقرة ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ).. وصحيح أن الآية الكريمة تقول ( وأحل الله البيع وحرم الربا ..) ولكن المقصود بالربا هنا هو ربا الصدقة، وليس ربا التجارة..

     قال: هذا كلامك..وأنا أريد الدليل من القرآن..

     قلت : إن الآية الكريمة التي أشرنا إليها جاءت بعد أربع وعشرين آية متصلة كلها آيات تحث علي الصدقة، ثم بعدها كانت آية الربا تنذر الذين يأتيهم الفقير الجائع المحتاج للصدقة فلا يعطونه حقه في الصدقة، بل يعطونه القرض بالربا..

    قال : هذا صحيح.. ولكنه لا يكفي في الدلالة علي أن الربا المحرم هنا هو ربا الصدقة..

    قلت : والآية التي بعدها تدعو لإعطاء الفقير صدقة بدلا من إعطائه قرضا بالربا، وتقول ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات.. ) والآية التالية بعدها تحث علي إيتاء الزكاة، أي الصدقة.. وهكذا في الآيات التالية إلي أن يقول الله تعالي يحثهم علي الصدقة: ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلي ميسرة، وأن تصدقوا خيرا لكم إن كنتم تعلمون، واتقوا يوما ترجعون فيه إلي الله )"البقرة 280"..

     قال: إذن افهم من كلامك أن الربا المحرم في هذه الآيات هو ربا الصدقة، أي الربا الذي كانوا يفرضونه علي الفقير المحتاج حين يستدين..

     قلت: بهذا تنطق الآيات (262ـ282) من سورة البقرة.

    قال: ولكن البنوك لا تعطي أموالا للمحتاجين، بل إنها تؤكد أن أموالها للاستثمار وأن المقترض منها قادر علي السداد، أي ليس فقيرا.. أي أنت تقصد أن هذا الربا مستثني من الحكم العام ؟..

    قلت :  نعم.. وقد أحله الله تعالي في القرآن بشرطين.. الشرط الأول: أن يكون عن تراض وبدون إجبار وإكراه، يقول تعالي ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) " النساء29".

    فالقاعدة العامة هي تحريم أكل الأموال بالباطل.  والإستثناء هو أن يكون ذلك في تجارة قائمة بالتراضي..

     قال : هذا هو الشرط الأول.. في تحليل فوائد البنوك.. فما هو الشرط الثاني؟..

    قلت : ألا تكون الفوائد مركبة، يقول تعالي ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) " آل عمران 130".. فالربا في التجارة الذي تضاعف فيه الفائدة يكون حراما.. لأنه أيضا يحمل معني الإكراه والسيطرة والإرغام.. ويفسد معني التجارة.. وحال السوق..

     قال: وحرية السوق هي التي تتحكم في سعر الفائدة، والبنوك لا تجبر أحدا علي اللجوء إليها ليودع أمواله أو ليقترض منها..

     قلت: إذن خدعوك فقالوا إن فوائد البنوك حرام.

 

جريدة الوطن بتاريخ 1/7/1997

 

حقائق قرآنية.. منسية : ( التعـــزيـــــــــر)

   أ ـ التعزير في تشريعات القرآن يعني:

1ـ التأييد والنصرة كقوله عن أصحاب النبي " فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه " الأعراف 157.

2ـ التقديس والإعزاز والتبجيل، كقوله تعالي " لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه " الفتح 9.

    ب ـ أما التعزير في تشريعات الفقهاء فيعني العكس تماما. إذ يعني الإهانة والعقوبة، وقد جعلوه عقوبة علي جنايات لم يأت فيها عقوبة شرعية. وبعض الفقهاء يجعل عقوبة التعزير اقل من الحدود وبعضهم يصل بعقوبة التعزير إلي القتل في جرائم لم ترد فيها عقوبات شرعية. ( فقه السنة سيد سابق: 2/497: 500 )

 

فتاوى معاصرة :  ( فــــــــوائد البنـــــــــوك )

 

1 ـ بدأ الشيخ شلتوت بأرباح "صندوق التوفير" فأفتى بأنها حلال ولا حرمة فيها، لأن المال المودع في الصندوق ليس ديناً ولم يقترضه منه صندوق التوفير وإنما تقدم صاحب المال إلى صندوق التوفير  بنفسه طائعاً مختاراً ملتمساً قبول إيداع ماله عنده وهو يعرف أن مصلحة التوفير تستغل الأموال المودعة لديها في مشروعات تجارية تحقق فيها ربحاً ، وهى تعطيه الفوائد من خلال تلك الأرباح، وصاحب المال يقصد بإيداع ماله حفظ ذلك المال من الضياع وتعويد نفسه على التوفير والاقتصاد ثم إمداد المصلحة الحكومية بزيادة رأس مالها ليتسع نطاق معاملاتها وتكثر أرباحها فينتفع العمال والموظفون وتتسع مجالات العمل وينتفع الجميع بفوائض الأرباح.

2 ـ ويقول الشيخ شلتوت  ولا شك أن تعويد النفس على الاقتصاد في النفقة والتوفير مع مساعدة الدولة على إنجاز مشروعاتها غرضان شريفان ، كلاهما خير وبركة ، ولذلك فإن من يودع أمواله بقصد النفع لنفسه وللآخرين إنما يستحق التشجيع ، وليس في هذا النفع المشترك شائبة ظلم لأحد ..

3 ـ  ويستطرد الشيخ شلتوت قائلاً إن التعامل مع صندوق التوفير بتلك الكيفية وبالأرباح المضمونة الثابتة لم تكن معروفة للفقهاء السابقين حين أفتوا بما كان سائدا في عصرهم ، ثم استحدث التقدم البشري أنواعا من التعامل الاقتصادي  قامت على أسس صحيحة إلا أنها لم تكن معروفة من قبل ، ولكن ما دام الميزان الشرعي قائما على قوله تعالى :" والله يعلم المفسد من المصلح " وفي قوله تعالى " :" لا تَظلِمون ولا تُظلَمون " فلابد أن نسير على مقتضاه ، ولذلك فإن الربح المذكور لا يدخل في نطاق الربا وإنما هو تشجيعٌ على التوفير والتعاون .

4 ـ ثم يلتفت الشيخ شلتوت إلى التعامل مع البنوك فيفتي بأنه حلال  ويضع ذلك تحت عنوان " الأسهم والسندات ضرورة  الأفراد وضرورة الأمة" ويقول  "من المشاريع الهامة  التي تعود بالخير على المسلمين ما يحتاج إلى قرض من المصرف يتقاضى عنه المصرف ربحا ، فهل يحجم المسلمون عن ذلك على أنه ربا  ويترك المجال لغير المسلمين ؟ وما حكم الشرع في الأسهم والسندات ؟ .

ـ  ويبدأ الشيخ بتوضيح معنى الربا الذي نزل القرآن بتحريمه فهو القرض الذي يأخذه المحتاج الجائع المعدم من الثري المرابي الذي يستغل جوع المحتاج ليعطيه قرضاً بربا ، وهو ما لا ينطبق على التعامل مع المصارف والبنوك لأنها لا تتعامل مع الجوعى والمعدمين وإنما تتعامل مع أصحاب مشاريع تجارية  وصناعية يفتحون أسواقاً للعمل  والوظائف والرواج وبذلك يكون التعامل معها حلال .

                                                        

ثانيا : مقالات طويلة :

الاسلام والمجتمع المدني

 

1 ـ المجتمع المدني دولة أقامها النبي في يثرب التي أصبح أسمها " المدينة " ، وفي المدينة نزل القرآن دستورا للمجتمع المدني .ثم اندثر المجتمع المدني بقيام دولة الخلافة المستبدة ، وفيها تم تدوين التراث الذي يشرع للدولة الدينية الثيوقراطية .وتتعرض هذه الصفحة لملامح المجتمع المدني من خلال القرآن ، وكيف ضاعت هذه الملامح في تراث المسلمين اللاحقين وتاريخهم .

سلطة الحاكم : هل من الشعب أم من الله ؟!

( 1 ) من ملامح المجتمع المدني أن الحاكم يستمد سلطته السياسية من الأمة أو الشعب ، أما في الدولة الدينية فإن الحاكم فيها يدعي أنه يستمد سلطته من الله أو من السماء ، وذلك ما ساد في العصور الوسطى باسم الحق الملكي المقدس في أوروبا ، وفي عصر الخلفاء غير الراشدين باسم " الحاكمية " ونتساءل هنا .. ما هو موقف الإسلام والمسلمين من هذه القضية ؟

( 2 ) كان محمدا عليه السلام نبيا يضطهده قومه في مكة ، وكان من وسائل إغرائهم له أن عرضوا عليه أن يكون حاكما فرفض ، ثم اضطروه للهجرة ومعه المسلمون ، فأقاموا دولة جديدة مدنية في المدينة ، عمادها أولئك الذين التفوا حوله وآزروه بعد أن كان في مكة مطاردا معرضا للقتل والاغتيال . إذن فقيام دولة المدينة كان بسواعد المؤمنين واجتماعهم حول النبي وإيمانهم به وحبهم إياه ، ولو افترضنا أن مشاعرهم تغيرت نحوه فانفضوا عنه وتركوه وحيدا لما أصبحت له دولة ولما كانت له سلطة ، ولعادت إليه قصة الاضطهاد والمطاردة التي كان يعانيها وهو بين أعدائه في مكة وقريش وبالتالي فإنه – عقلا -  كان يستمد سلطته السياسية من أولئك الذين اجتمعوا حوله وساندوه . وهم يستطيعون التخلي عنه وتركه فيفقد سلطانه وتسقط دولته .. بالتالي فإنه – عقلا – لابد أن يكون رءوفا رحيما بأولئك الذين تجمعوا حوله ، ولابد أن يتحبب إليهم وأن يجعلهم شركاء معه في الأمر لأنهم في الحقيقة مصدر ذلك الأمر .. هذا ما يقوله العقل الواعي ..

( 3 ) وما يقوله العقل الواعي ليس بعيدا عن القرآن .. بل إن القرآن كله دعوة للتعقل واستعمال العقل " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ : يوسف  2 " " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ : الزخرف 3 " ولهذا فإنما يصل إليه العقل الواعي في موضوعنا هو نفسه ما يقرره القرآن . فالنبي كان على خلق عظيم . وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما ، وذلك ما وصفه به ربه تعالى فقال عنه " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ : القلم 4 " وقال عن رحمته بأصحابه " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ : التوبة 128 "  " يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ : التوبة 61 " .  وهذا الخلق العظيم سجية أودعها الله في نفس النبي فكان بأصحابه لينا سهلا متواضعا ، يقول تعالى " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ : آل عمران 159 "

" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّه " أي بسبب رحمة الله ..

" لِنْتَ لَهُمْ " أي جعلك لينا سهلا متواضعا معهم ..

" وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ " أي لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك عبارة واضحة لا تحتاج تفسيرا . ولكنها تحتاج إلى تدبر وتعقل ، بدليل أننا – نحن المسلمين – نقرؤها منذ أكثر من ألف عام ودون أن نتوقف مع مفهومها الواضح .. ومفهومها الواضح أنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله .. وحين ينفضون من حوله فلن يكون له سلطان ، ولن يكون له ملك ، ولن تكون له سلطة سياسية أو دولة ..

ومفهومها الواضح أنه يستمد سلطته السياسية منهم ، من اجتماعهم حوله وحبهم له وإيمانهم به ، ولذلك جعله الله لينا معهم ، ولو كان غليظ القلب لتركوه وانفضوا عنه وانفض عنه السلطان والحكم والدولة ..

المفهوم الواضح أنه عليه السلام – باعتباره حاكما – كان يستمد سلطته السياسية من الأمة ، لأن الأمة هي مصدر السلطات ، وذلك ما اكتشفه البشر ونفذوه بعد نزول القرآن بعدة قرون .

هذا مع أن محمدا عليه السلام لم يكن مجرد حاكم .. بل كان نبيا حاكما .. ومع أن الوحي كان يأتيه من الله فأن هذه الصفة الفريدة لم تكن ركيزة لادعاء أنه يحكم بتفويض إلهي ، بل على العكس نزل نفس الوحي الإلهي يؤكد على النبي ويأمره بأن يكون سهلا ولينا حتى لا ينفض عنه أصحابه ويتركوه فيضيع سلطانه ، ويأمره بأن يعفوعنهم إذا أذنبوا إليه ويغفر لهم إذا أساءوا ، وأن يستشيرهم في الأمر لأنهم معه أصحاب الأمر فإذا عزم على التنفيذ باعتباره سلطة تنفيذية فعليه أن يتوكل على الله في التنفيذ "  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " أي أن الوحي نفسه هو الذي يقرر النبي الحاكم أسس الدولة المدنية ..

( 4 ) وموضوع الشورى في دولة النبي المدنية سنتعرض له في مقال قادم .. ولكن نتوقف هنا مع الركيزة الأساسية في موضوعنا عن استمداد السلطة السياسية من الناس في دولة الإسلام ، دولة النبي في المدينة .. فهذه الركيزة هي قيام الدولة ونشر الدعوة على جهد البشر واستطاعتهم دون اللجوء إلى معجزات أو خوارق مستمدة من الله ..

( 5 ) وبغض النظر عما يحويه التراث من معجزات حسية للنبي وكرامات وخوارق لغيره من الأئمة والأولياء فإن الحقيقة الناصعة في القرآن تنفي ذلك كله .

فأين تلك الخوارق من قيام الدعوة للإسلام على منهج عقلي واضح ؟ وأين تلك الخوارق في ذلك الحوار العقلي الذي يجريه رب العزة في القرآن مع البشر وأصنافهم من مشركين ومسلمين وأهل كتاب ؟ .

وأين تلك الخوارق من الآيات المتكررة التي تؤكد رفض إنزال آية حسية أو معجزة حسية اكتفاء بالقرآن الذي هو دعوة للتعقل ؟ .

يكفينا من تلك الآيات الكثيرة قوله تعالى في الرد على طلب المشركين آية أو معجزة حسية : " وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ  ؟ : العنكبوت 50 " .

ثم أين تلك الخوارق في سيرة النبي وهو يؤسس دولته ؟ . أين هي من هجرته من مكة إلى المدينة ، وهي مجهود بشري من أوله إلى نهايته ؟ أين هي من غزواته التي انتصر فيها أو انهزم فيها تبعا لجهد أصحابه معه .. ؟

ثم أين هي من قوله تعالى " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ : الأنفال 60 " أي هو الأخذ بالأسباب ، أسباب القوة بكل ما يستطيعه البشر ، أي لا مجال مطلقا للخوارق ..

( 6 ) ومن هنا فإن البشر الذين يبذلون أقصى ما يستطيعون من قوة هم مصدر السلطات .. لأنهم الذين يبنون الدولة وهم الذين يحافظون عليها  وهم الذين يسيرون أمورها .. وهذه هي الركيزة الأساسية في مصدرية السلطة .. والبشر هم مصدرية السلطة لأنهم هم الذين يقيمون الدولة وحركتها .. هذا ما يؤكده القرآن وما أدركه أخيرا – الإنسان ..

( 7) هذا في الإسلام ، ودولته المدنية التي أقامها على أرض الواقع خاتم النبيين محمد عليه السلام مع أصحابه . ولكن منطق العصور الوسطى كان يخالف ذلك كله ، وكان بنفس القدر مع الدولة الكهنوتية وادعاء الحكم الإلهي المقدس ..

لذلك فإن التنكب عن سنة النبي عليه السلام الحقيقية وإقامة المملكة الكهنوتية وإرساء دعائم الحاكمية .. كل ذلك كان استجابة طبيعية لمنطق العصور الوسطى ، لذلك سقطت الدولة الإسلامية المدنية سريعا بعد حروب أهلية سميت بالفتنة الكبرى ، وقام الحكم الملكي الوراثي الأموي ، ثم العباسي  .. ووقف الخليفة أبو جعفر المنصور يعلن منهجه في الحكم فيقول :" أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه وخليفته في خلقه .. " .. أي يحكم الناس بالتفويض الإلهي .. وبالتالي فإن من يعترض عليه يكون خارجا عن الدين ، وجزاؤه القتل بتهمة جديدة ابتدعوها هي حد الردة ..

(8 ) وعلى نفس المنهج سار تاريخ المسلمين في الدولة الفاطمية والعثمانية والمملوكية .. إلى أن استيقظت مصر في نهضتها الحديثة .. ثم خرج علينا تيار التطرف بنفس مفاهيم العصور الوسطى ، مفهوم الحاكمية وأن الحاكم يستمد سلطته من الله ، ولا اعتراض عليه ولا اعتراف بخصومه أو بالآخر مطلقا ..

( 9 ) ومن أسف أن هذه المفاهيم الغريبة عن صحيح الإسلام والتي لم يعرفها رسول الإسلام يلصقونها زورا بالإسلام العظيم .

(10 ) ومن هنا فإن تدعيم مفاهيم المجتمع المدني ليس جهدا علمانيا وإنما هو في الحقيقة خدمة للإسلام الصحيح الذي ظلمه التطرف والإرهاب . وليس مثل الإسلام دين ظلمه أصحابه والمنتسبون إليه

 

جريدة الوطن العربى بتاريخ 31 / 12 / 1996

 

الدخول في القرن القادم

 

1 ـ هناك ثلاثة أبواب للدخول في القرن القدم , باب السادة وباب العبيد وباب الأقزام , فمن أي باب ستدخل القرن القادم ؟

2 ـ أن القرن القادم بعد 48 شهرا تقريبا يحمل متغيرات بدأت إرهاصاتها في الظهور . وهذه المتغيرات بعضها تكنولوجي والأخر قيمي.

3 ـ المتغير التكنولوجي هو التقدم الهائل والمضطرد في وسائل الاتصال التي ستكشف كل شيء في العالم وتجعله مجرد قرية صغيرة مكشوفة بلا حدود وبلا مسافات ، وحيث تتكاثر القنوات الفضائية التي سيمكن استقبالها بسهولة من أي موقع وبأجهزة ترانستور .

4 ـ أما المتغيرات القيمية فهي ثقافة حقوق الإنسان التي ينتظر لها أن تسود ، والتي من المنتظر أن تنتشر من خلال الملايين من الجمعيات الأهلية غير الحكومية ، وتلك الجمعيات سيكون لها شأن خطير بعد أن وضح عجز الحكومات عن تسيير كل الأمور الحياتية لأفراد المجتمع ، خصوصا وان الحركة الديمقراطية سيتدعم وجودها عن طريق تلك الجمعيات .

5 ـ والسادة فقط هم أصحاب تلك المتغيرات التكنولوجية والقيمية . وقد استوردنا منهم – ولا نزال ــ أجهزة الاتصال والديمقراطية وحقوق الإنسان والجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية . وتقف الحكومات عندنا عائقا أمام هذا الاستيراد التكنولوجي والقيمي . ومع بعض الاحترام لاتفاقية " الجات " التي ترعى مصالح السادة فإن حكومتنا حين تضطر للالتزام بها أو التعامل معها فإنها ستحرص على ألا ينال ذلك من هيمنة تلك الحكومات واستبدادها .

6 ـ وقانون الجمعيات الخالد " قانون 32 لسنة 1964" يشكل عائقا أمام حركة الجمعيات الأهلية ، ويجري الآن إعداد قانون آخر لمصادرة حركة حقوق الإنسان ، كما أن مجمع البحوث وبعض المحامين وأصحاب العقول الضيقة يطاردون الإبداع الفني والاجتهاد العلمي ويحرمون المثقفين الفقراء من متابعة الحركة الفنية في العالم بينما ينعم الأثرياء بمشاهدة القنوات الفضائية ما ظهر منها وما بطن !!

7 ـ وحين يصبح في متناول الجميع ذلك الجهاز التلفزيوني الذي يلتقط كل أنواع الإرسال فإن كل قوانين الرقابة وأجهزتها وأعيانها ستصبح لا محل لها من الإعراب . بل إن كل الحكام المستبدين لن يفلحوا في إخفاء أخبارهم وفضائحهم وفسادهم عن أعين العالم التي ستكشف كل شيء وستنشر كل شيء .. ولن يستطيع أي حاكم مهما بلغ عنفوانه أن يعين شرطيا رقيبا على كل شخص أو أن يمنع استيراد تلك الأجهزة السحرية الفاضحة . وهكذا ستكون مشكلة كبيرة للحكومات المستبدة في مطلع القرن القادم . وستكون مشكلة أكبر منها التيار السلفي الطامع في الحكم ، إذ كيف ينجح في إقناع الناس بالعودة إلى عصر ابن تيمية وفقه ابن القيم الجوزية وثقافة القرن القادم القادمة من بلاد الأسياد تغزو العقل مباشرة بشتى الألوان والمغريات .

8 ـ والواضح أن تلك الحكومات التي تتحكم فينا بشخصيات عاصرت وأسهمت في الحرب العالمية الثانية قد انتهى عمرها الافتراضي ، وقد آن لها أن تعتزل لتعطي الفرصة للجيل القادم الذي لم يأخذ حظه بعد ولم يجد مكانا بعد تحت الشمس ، مع أن هذا الجيل أصبح " شبابا " تحت الستين أو الخامسة والستين .. ومن العجب أن يسيطر على مقاليد أمريكا – والعالم – شاب مثل كلينتون يأمر فيطيعه " زعماء مقدسون " في العالم الثالث قد شاخوا في مواقعهم التي يجلسون عليها منذ نصف قرن تقريبا ..

9 ـ وإذا شاء المولى عز وجل أن تظل حكومات الحرب العالمية الثانية تتحكم في شعوب العالم الثالث حتى القرن القادم ، فلن تدخل القرن القادم إلا من أحد البابين باب العبيد وباب الأقزام .. وربما لن تدخل هذا القرن مطلقا ..

10 ـ والله تعالى أعلم ..!!

اجمالي القراءات 851