الخروج من النار
الخروج من النار

أسامة قفيشة في الخميس 10 يناير 2019

الخروج من النار

هل تريد الخروج من النار ؟

هل هناك أي إمكانية لحدوث هذا ؟

هل تعتقد بأنك إن دخلت النار سوف تعذب قليلاً ثم ينجيك الله من هذا ؟

في هذا المقال سنرى إن كان بالإمكان ذلك ,

الإنسان بطبيعته يرتكب المعاصي , و من منا بدون معصية أو خطيئة !

إن ارتكاب المعاصي أو الخطايا يولد حالةً من الخوف , هذا الخوف يدفعك لحالة الإنكار , فينكر هذا العاصي خطيئته , فيحاول الهرب و التنصل ليخرج من هذا الخوف , و حالة الإنكار تلك تدفعه ليس لمجرد إنكار الخطيئة فحسب , بل يبدأ بإنكار العقوبة , و يبدأ بإقناع نفسه بأن ما ارتكبه لا يعتبر أمراً عظيماً بل هو جرمٌ بسيط لا يستدعي هذا الحجم من العقاب و يبدأ بالتحريض ,

حالة الخوف تلك لها سلبياتها التي ذكرناها , و لكنها و في نفس الوقت لها أيضاً تأثيراً ايجابياً و هو الندم و الاعتراف ,

إذا فأنت أمام سبيلين لا ثالث لهما , إما أن تخضع و تستسلم للمؤثرات السلبية , أو أن تنمّي و تفعّل تلك المؤثرات الايجابية ,

فبما أننا جميعاً نرتكب المعاصي و الخطايا , فنحن جميعاً أمام هذان السبيلان , خاضعين جميعاً لتلك التأثيرات بسلبها و إيجابها .

يقول جل وعلا ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ) 76 الزخرف .

و من أسف فالبشر يتأثرون و ينجرون للجانب الأسهل دائماً , فيخضعون للسلبيات التي فيها سهوله أكبر لأن فيها تنصل و إنكار و نفي و تحريض , و هذا من دوافع التكبر و العلو ,

و قل منهم ما يخضع للإيجابيات التي فيها صعوبة أكبر لأن فيها اعتراف و ندم و عدول , و هذا من دوافع الخضوع و التذلل و التسليم .

نعود بعد هذا التقديم لموضوعنا الرئيس و هو الخروج من النار !

الإنسان العاصي في داخله يعلم جيدا معصيته و يستشعر بها , و قلنا بأنه لا يوجد أمامه سوى سبيلين اثنين , و قلنا بأنه من الأيسر خضوعه للمؤثرات السلبية لأنها تلبي ذاته العليا , فيظن بأنه على ما يرام , و بأنه أفضل من غيره بكثير ,

و لهذا نجده منكراً لخطيئته , يحاول الهرب من الاعتراف كي يتنصل و ينجو من العقاب , فينكر الخطيئة و ينكر العقاب , و يستهين بهما , و يبدأ بالتحريض و الإدعاء و التلفيق , و هذا ما يحدث معه حين تخبره بأنه من أصحاب النار الخالدين فيها أبدا , و بأنه إن أستمر حاله على ما هو عليه فمصيره جهنم و بئس المصير ,

لن أطيل عليكم في بيان التدرج بالإنكار و كيفيته , أو بأساليب التنصل و التبرير , أو بالاستهانة و الاستخفاف , أو بأساليب الكذب و التلفيق و التحريض و الإدعاء , و سأختصر في هذا المقال كل هذا التدرج , و سأكتفي بالإجابة على الأسئلة الثلاث التي وضعتها في بداية المقال :

يقول جل وعلا في آية من آياته المحكمات ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) 36 فاطر ,

فإن كان لا يقضى عليهم فيها , و لا مجرد أن يخفف عنهم العذاب , فكيف بهم أن يخرجوا من النار ! و كيف بهم أن يدخلوا الجنة !

بل حينها سيتمنى هؤلاء الموت و يطالبون به و لن يجدوه ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ) 77 الزخرف ,

و بعدها سيتمنون و يطالبون بأن يخفف عذابهم ليومٍ واحد , و هنا نلاحظ طلبهم بتخفيف العذاب و ليس برفعه بعد ان تبين لهم أنهم في العذاب ماكثون ( وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ) 49 غافر ,

فهل نجد هناك خروج من النار أو إمكانية الخروج منها يا من تدعون ذلك ! و يا من تهربون من تلك الحقائق ! و يا من تحرضون عليها ! و يا من تنكرون هذا الحال ! و يا من تلفقون أباطيلكم مستهينين بجرمكم !

عليكم من الاعتراف و الندم العاجل و الاعتذار , قبل فوات الأوان و قبل أن يأتي يوماً لا ينفع فيه الندم و لا الاعتذار ( يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) 52 غافر .

و لنتدبر قول الحق جل وعلا رداً على هؤلاء في إنكارهم و تنصّلهم و تحريضهم الكاذب :

حيث يقول ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) 80 البقرة ,

و قوله ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) 24 آل عمران ,

هؤلاء يريدون أن يفلتوا من العقاب بأي شكلٍ من الأشكال , كحال أي مجرم يريد الإفلات من جريمته ( يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) 37 المائدة ,

هؤلاء يظنون بأن بعضاً من أعمالهم و أفعالهم ستدخلهم الجنة في نهاية المطاف , فأنكروا بأن الله جل وعلا سيحبط تلك الأعمال و الأفعال , بل و سيجعلها حسرةً في قلوبهم ( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) 167 البقرة ,

هؤلاء يظنون ظن السوء في موضوع الشفاعة كي يخرجوا من النار ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ ) 19 الزمر , و ما الشفاعة إلا شفاعة الشفيع جل وعلا و التي هي مغفرته و رحمته للمتقين .

كما نرى فلا مجال للخروج من النار لكلٍ منا نحن العصاة , ولكن إن أردنا الخروج و النجاة , فليس لنا سوى الخضوع لإيجابيات التأثير بالندم و الاعتراف قبل فوات الأوان ,

و هذا لا يتم إلا في الدنيا , فلنسارع جميعاً للنجاة من النار بالتوبة و الندم و الاعتراف بالذنب .

اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم . 

اجمالي القراءات 646