( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُم
حُجّةُ الله.

يحي فوزي نشاشبي في الأحد 06 يناير 2019

 

بسم الله الرحمن الرحيم

**** 

حُجّةُ الله.

إننا نعتبرأنفسنا محظوظين عندما تعرّفنا على أستاذنا، وقد استفدنا منه الكثير، ابتداء من تواضعه الرائع، طيلة عقود من الزمن، إذ كان لأستاذنا الفضل بتحسيسنا ما لم نكن أبدا نتصوره، لم نكن نتصور أن الإختلاف في المفاهيم ضارب أطنابه ومُغَطّ مساحات شاسعة في عقول المسلمين عبرأطراف العالم، ومنذ أربعة عشر قرنا، وأن ذلك هو سر الإختلاف والتنافر والبغضاء والغل السائد بينهم.

      وإن أستاذنا ومعلمنا هو الذي باح لنا عن اعتقاده، وهو: أن النجاة من هذا المأزق الخطير الحيوي المصيري يجب أن نلتمسها  في الإعتصام بحبل الله لا غير.

      ومع ذلك، فقد كنا من حين لآخر نفاجأ أيما مفاجأة عندما يصرح الأستاذ أمامنا في إحدى جلساتنا التأملية التدبرية، متسائلا ألا يجوز أن أكون أنا مخطئا في تدبري وفي ما أراه صوابا؟ ألا يجوزأن يكون لهذه الأغلبية الساحقة الحق؟ وأن يكونوا محقين في ما ذهبوا إليه؟ وفي أن القرآن العظيم، مع عظمته يبقى محتاجا إلى هذه الآلاف المؤلفة من تلك التي تعتبر أمهات وصحاحا؟

      وكان رفيقا لي سرعان ما يهب لنجدة أستاذه ومعلمه وإخراجه من حيرته تلك، قائلا له ومذكرا إياه: " ما دمت يا أستاذنا متعلقا ومستمسكا بالحديث المنزل، فلا يمكن بل ويستحيل أن تكون مخطئا في مسعاك و في جهادك".

      نعم إن الفكر قد سافر بي وسرح بي في سماء تلك الذكريات الثمينة بالنسبة لي. وعندما نستمع إلى أولئك الذين هم غارقون إلى الذقن في (البخاريات والمرويات الشهيرات) وإلى حماسهم، لاسيما عندما يتظاهرون بأنهم مشفقون على أولئك الذين هم متشبثون بالذكر المنزل وحده، بل إن المدافعين عن (البخاريات والمرويات الشهيرات) هم مندهشون، كيف يعقل أن يعتصم المرء بالحديث المنزل وحده وبلا أدنى شريك؟هنا ترجع بي الذاكرة إلى تساؤلات أستاذنا الراحل، ولسان حاله يقول: ومن يدري؟ ألا يكون هؤلاء (البخاريون) على حق في جزء ما على الأقل؟ وكيف يعقل أن تكون الأقلية هي فقط، وهي وحدها  المستمسكة بالقرآن والمتحمسة له والمطمئنة به وحده ؟                                                                                                                     

      ثم أسترجع رأيا لي، أرتاح إليه نوعا ما، وهو: أن الناس، جميع الناس بلا استثناء هم مدفوعون على الرغم منهم، وبدون أدنى خيار، ما عدا خيار وحيد، وهو أن يخوضوا غمار المغامرة ، أو غمار الرهان العظيم المصيري. ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)–(سورة الإنشقاق – 6 ).

      وقد حدث أن وضعتُ أمامي وبدون ترتيب أوأي حساب، عدة آيات قرآنية، وشرعتُ في محاولة تأملها وتدبرها لعلي أوفق إلى إجابات مصيبة لتلك التساؤلات التي كانت تحير أستاذنا، وبعده أصبحت تحيرنا نحن تلاميذه، ومنها التالية 

(... أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا وال ذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك  بالحق  فلا تكن من الممترين.)الأنعام 115.                                                                                      

(اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(107)– الأنعام .

 

( قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)الزمر)

(وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)الإسراء)

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)الممتحنة).

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الأنعام).

وبالتالي أتصور أن هناك فئتين اثنتين لا ثالثة لهما من الذين يحسبون أنفسهم مؤمنين بالله وباليوم الآخر:

فئة متأبطة المجلدات المعبر عنها (بالصحاح، أو البخاريات)

ولسان حالها يقول إن الحديث المنزل مهما كان مفصلا فهو يبقى دائما مفتقرا إلى مزيد من تفصيل. (أفغير الله أبغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكوننّ من الممترين). الأنعام 115.

وفئة تتقدم أمام خالقها وهي متأبطة الكتاب المنزل من ربها بالحق.

      وأما عن الفئة الأولى فهي وما تحمل تكون جنت وحكمت على نفسها، فلا ينظر الله إليها ولا يعبأ بها، ما دامت مقرة ومصرة على أنها لم تقتنع بما أنزل الله ولم ترتح له ولم يطمئن قلبها إلا بما هي متأبطته من (المفتريات الصحاح).

      أما الفئة الثانية، فالمتصور والمرجو، والمأمول هو أن يرحب الله بها مهما كانت ومهما كان أمرها، ما دامت متقدمة ولسان حالها يقول إنها معتصمة بحبل الله

      ثم رجعتُ للنظر إلى أولئك المتحمسين المدعين أن القرآن العظيم في حاجة ماسة ودائمة إلى ملحق، فلم يكن مني إلا أني أسقطت عليهم الآيات من: 79 إلى 81 في سورة الأنعام، وبعد تأملها مليا وتدبرها صاح لسان حالي صيحة مقتبسة من تلك التي صاح بها ذات عهد من العهدو الأستاذ " أرخميدس "،ذلك العالم المشهور في الرياضيات والفيزياء والهندسة وعلم الفلك،عندما وجد ضالته وحلا لإحدى قاعداته التي حيرته، فاقتبست منها معاني مفادها:

      كيف تشفقون علــيّ وترثون على حالي لأني معتصم بحبل الله وحده لا شريك له ؟، ولا تخافون ولا تخجلون ولا ترثون على حالكم أنكم أشركتم بالله واستهنتم بكتابه المفصل الذي لم يفرط  فيه؟ ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الأنعام).

      وهكذا وجدتها أنا كذلك، وجدت حجة الله التي أتاها إبراهيم عليه السلام، وأصبح واجبا علـيّ  تبنيها واستثمارها أيما استثمار.

*****

 

اجمالي القراءات 700