نقد كتاب مشكلة الثقافة لمالك بن نبى

رضا البطاوى البطاوى في الإثنين 17 ديسمبر 2018

نقد كتاب مشكلة الثقافة لمالك بن نبى

كتاب مالك بن نبى عن مشكلة الثقافة هو واحد من الكتب الكثيرة التى ألفت فى الأمر ولكنها لم تعرفنا ما هو الحل لأنها لا تتكلم عن مصدر المشكلة الأساسى وعمن يقفون خلف تخلفنا ولا يطبقون الحلول التى هى معروفة حتى لعامة الناس لأنهم يعرفون تماما أنها ستقضى على غناهم ونفوذهم ولم تتحدث عن دور الناس ككل فى حل المشكلة

الكتاب ككتب كمالك بن نبى الأخرى كتب بغير اللغة العربية والرجل بكتابته بالفرنسية  يشكل مشكلا أمامنا فلو أنه عاش فى فرنسا طوال حياته لقلنا أنه معذور فى الأمر فهو يكتب باللغة التى يحسنها وعاش بها فى مجتمع المغاربة الذين يتكلمون الفرنسية من توانسة وجزائريين ومغاربة ونقشيطيين وكذلك الأفارقة من بلاد المسلمين ولكن الرجل عاش معظم حياته فى  الجزائر والقاهرة وبيروت وغيرها من بلاد اللغة العربية

  السؤال من كان يخاطب الرجل بكتبه الفرنسية  ؟

فى زمنه من كان يتكلم ويكتب الفرنسية مئات الآلاف ولكن كما هو الحال فالنخبة وهم المثقفون القارئون بها لا يتعدون عدة آلاف ووصول كتب مالك لهم كان أمرا نادرا لأنهم موزعون فى أماكن كثيرة ولم تكن وسائل الإعلام وقتها تسمح بانتشار كتبه لأنها لا تتعدى الصحف والمجلات والمذياع

إذا هناك معضلة فى كتب الرجل التى انتشرت عند متحدثى العربية بالترجمة ولم تنل حظا عند متحدثى الفرنسية

لو قلنا أن الرجل لم يكن يتكلم العربية لكنا كاذبين لأنه عاش فى بلاد العرب مدة طويلة  هذه المعضلة لا حل لها حاليا لأن الرجل مات ولا يمكن أن نسأله عنها ليقول لنا السبب 

من مخترعات العصر ما يسمى بمشكلة الثقافة وليست هى بمشكلة فكلمة الثقافة هى بمثابة كلمة الدين بمثابة كلمة العلم بمثابة كلمة الأدب وغيرها من الألفاظ التى تعنى تنظيم الحياة

الثقافة ككلمة لها كلمات من جذرها فى المصحف مثل قوله تعالى :

"واقتلوهم حيث ثقفتموهم" والمراد اذبحوهم فى مكان تواجدهم فالثقف هو إيجاد أو وجود الشىء ومن هنا فلو طبقنا المعنى الحالى لكان المعنى :

تنظيم الحياة فى مكان وجود الناس وفى هذا قال مالك:

"وبوسعنا أن نقول إن الفعل ثقف أصل لغوى يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام حتى لنراه قد ورد فى بعض آيات من القرآن الكريم من مثل قوله تعالى "واقتلوهم حيث ثقفتموهم "ص25

المشكلة ليست فى الثقافة وهى الدين وإنما المشكلة هى فيمن يطبقون الدين فالإسلام فيه كل الحلول لكل المشاكل كما قال تعالى :

"ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"

وقال:

"ما فرطنا فى الكتاب من شىء:

مشكلة العالم أجمع هى فى حكامه ليس الرؤساء والملوك فقط وإنما كل الطبقة الغنية  بما فيهم هم والتى تريد الاحتفاظ بالمال والنفوذ لها دون سائر الناس ولذا فهى طوعت الأديان فى كل مكان وزمان لخدمتهم هم ومن أبرز الأمثلة فى المصحف  قوم شعيب (ص) فقد طلبوا منه أن يعبدوا الله ولكن بشرط فعل ما يريدون فى المال وهو ما عبر عنه قوله تعالى :

"    قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد"

فلكى تفسد الدين الصحيح استثنى منه المال الذى هو المصدر الأساسى للشرور فلا يطبق فيه حكم الدين فهو الذى يجعل الجرائم الأخرى ترتكب فمن لديه فائض سيصرفه على الزنى والخمر والميسر وغير هذا فالدائرة تبدأ بذنب احتفاظ الأغنياء بالمال ولا تنتهى عند حد من الذنوب الأخرى

هذه هى المشكلة وهى أصل كل ما يقع فى العالم من مظالم وغيرها من العيوب

ويرى الرجل أزمة العالم الإسلامى فى الأفكار وليس فى تطبيق الإسلام فيقول:

"وسنظل نكرر وناح فى تكرارنا أن أزمة العالم الإسلامى منذ زمن طويل لم تكن أزمة فى الوسائل وإنما أزمة فى الأفكار"ض117

المعنى الذى قلناه وهو :

تنظيم الحياة فى مكان وجود الناس قاله مالك فى العبارة التالية:

"فإن معنى هذا أن المجتمع فى هذه المرحلة يتمتع بنظام رائع من الأفكار وإن هذا النظام يتيح لكل مشكلة من مشاكله الحيوية حلا مناسبا"ص13

ولكن الرجل نحى بالمعنى مشكلات تسمى بالمشكلات العلمية عند القطاع العريض من الناس مع أن كل المشكلات علمية فأعطانا مثالا هو :

"ومثالنا على ذلك أننا نرى فى أيامنا هذه مجتمعات معاصرة تطبق حلولا مختلفة بصدد مشكلة بسيطة هى مشكلة الذباب هذا الاختلاف لا ينشأ عن سبب فنى فى المشكلة بل ص13 هو ناشىء عن اختلاف نظم الأفكار ومن أجل هذا اختلفت نظم الأفكار ومن اجل هذا اختلفت فاعلية الحلول التى تطبقها ففى الصين تعالج المشكلة بتجنيد المجتمع لقتل الذباب بينما فى أميركا تواجه بـ د د ت  "ص14

الآن وبعد مرور أكثر من نصف قرن لم يختف الذباب من العالم ولم تنفع معه حلول العالم المتقدم ولا المتخلف لأن العالم تناسى أن الذباب نوع من أنواع المخلوقات لا يمكن أن ينقرض أو يقضى عليه  ولو فكروا لوجدوا أن الذباب لابد من وجوده فى حياة الأنواع الأرضية فله فوائد عديدة كنقل حبوب اللقاح وغيرها ومن وظائفه نقل الأمراض من مكان لأخر

مشكلة البشر مع الذباب هى مشكلة تواجده فى أماكن وجود الإنسان ومن ثم تعالج المشكلة بطرد الذباب من أماكن تواجد الناس وهى السكن الذى هو مكان الراحة والوسيلة الطبيعية المتاحة لكل الناس هى طرد الذباب بالنش خارج المكان وأما استعمال المبيدات فقد ثبت أنه يضر الناس أكثر من الذباب  وقد خلق الله أنواع من النبات روائحها تجعل الذباب يبتعد عن مكان تواجدها ومن ثم فعلى الناس علاج مشكلتهم من خلال تلك النباتات وليس من من خلال شىء صناعى يضر أكثر مما يفيد وهو ما علمنا الله إياه من خلال شجرة اليقطين الطاردة للذباب والحشرات عن المريض  من خلال قصة خروج يونس (ص) من بطن الحوت

وبين مالك أن الأفكار قد تكون ناهضة بالمجتمع وقد تكون مفسدة له فقال :

"وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار فى حياة مجتمع معين تتحلى فى صورتين فهى إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة تجعل النمو الإجتماعى صعبا أو مستحيلا"

ومالك يبين أن مقياس التقدم يختلف من عصر لعصر فقال :

"وهنالك فضلا عن ذلك جانب أخر لأهمية الأفكار فى العالم الحديث ففى القرن 19 كانت العلاقات بين الأمم والشعوب علاقات قوة وكان مركز الأمة يقدر بعدد مصانعها ومدافعها وأساطيلها البحرية وبرصيدها من الذهب ولكن القرن20 قد سجل فى هذا الصدد تطور معلوما هو انه أعلى من الفكرة باعتبارها قيمة قومية ودولية "ص14

هنا الرجل يتكلم خارج إطار الإسلام فالتقدم هو طاعة وحى الله والتأخر عصيان الله وهو الكفر فمقياسنا واحد وأما العالم فهو من يضحك على نفسه باختلاف المقاييس ومن ضمن طاعة الله إعداد القوة كما قال تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" فالقوة هنا شاملة لكل أمر فى المجتمع  وأما عدد الأشياء وتطورها فليس له قيمة القوة التى هى فى إرادة الإنسان ومن الأمثلة فى ذلك حملة فريزر المسلحة على رشيد والتى كانت تحتوى على عدد كبير من أسلحة العصر المتطورة وعلى جنود مدربين ومع هذا هزمهم أناس ليسوا بمدربين واستخدموا أسلحة غير متطورة كالحجارة والأوانى  والمثال المصحفى هو غزوة بدر فالقوم قليلو العدد هزموا الكثرة المسلحة 

الحرب خدعة القولة الصحيحة فالخدعة هى التى تأتى بالنصر خاصة فى حالة قلة العدد وقلة السلاح

وبين مالك أن الرجل فى المجتمع المتخلف يعرف أنه متخلف عن الرجل فى المجتمع المتقدم  فيقول :

"فالرجل الذى يعيش فى بلد متخلف يلاحظ دون ريب تخلفه بالنسبة للرجل الذى يعيش فى بلد متقدم وهو يلاحظ شيئا فشيئا أن الذى يفصل ما بين الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية وإنما هى مسافات ذات طبيعة أخرى"ص14

مالك هنا يتكلم عن التقدم التقنى وهو ليس تقدما عند الله فالآلات المستحدثة حاليا من سيارات ومصانع وطائرات وغيرها تستهلك الكثير من الموارد وتساهم فى إحداث مشاكل كثيرة فى الصحة والطعام وغير ذلك فهى تلوث الماء والهواء وتستهلك أموالا ضخمة لاستخراج الوقود وأحيانا خطأ واحد فيها يجعل البيئة تخسر والناس يخسرون لسنوات عدة كما حدث فى كارثة انفجار مجمع تشرنوبيل فى أوكرانيا أيام الاتحاد السوفيتى فالزراعة فى المنطقة حرم أكلها سنوات فى منطقة شاسعة لأنها تحتوى على كميات كبيرة من الاشعاع وكذلك مرض الكثير من الناس فى المنطقة وفى كارثة بهوبال فى الهند حيث كارثة المصنع الكيماوى تسببت فى كارثة للزراعة وكارثة صحية على مدى عدة سنوات فضلا عن الآلاف الذين ماتوا

بالقطع لا أتكلم هنا عن تحريم الصناعة والتقنيات وإنما أتكلم عن وجوب كون الصناعة والتقنيات موافقة لتعاليم الإسلام لمنع الكوارث الكبرى فبدلا مثلا من المصانع الكبرى التى تكون فى مكان واحد يتم تجزئة المصنع على الكثير من البلدان بحيث لو حدثت حادثة تكون الكارثة فى نطاق ضيق وبدلا من المصانع التى تلوث المياه بالصرف فيها أو تلوث الهواء بالأدخنة على التقنيين أن يراعوا فى ابتكاراتهم أن تكون ضمن دورة كدورات الكون فكل نوع فى الكون فضلاته تكون طعام لنوع أخر وهكذا والمصانع لابد أن تتبع هذا النظام الكونى 

وأما المتحركات كالسيارات فلابد من التقليل من وجودها  فأكبر مستعمليها هم الأغنياء ويا ليتهم يستخدمونها فى الخير وإنما يستخدمونها فى السياحة والضياع ممثلا فى اخذ الزوانى معهم فيها وعمل الحركاتوتناول المخدرات وهناك اقتراحات بالطبع تقلل من استعمال السيارات لأقل حد ممكن كاستخدامها فقط فى التنقل بين البلدات وأما داخل البلدات فيتم استخدام الدراجات الهوائية والحمير والخيل والبغال  ومن يضحك على هذه المقترحات فعليه أن يراجع مثلا الوقت والوقود الذى تستخدمه السيارات فى مدينة كالقاهرة أو نيو مكسيكو فمسافة تستغرق مشيا عشرة دقائق فى القاهرة إذا ركبت سيارة فى العديد من مناطق القاهرة تصلها فى نصف أو ربع ساعة أو يزيد حسب الزحام  ومثلا الموظفين والعمال وهم أكثر من يسافرون بين البلدات يجب أن يتم توظيفهم داخل بلادهم أو اسكانهم داخل البلدة التى يعملون بها

بعد هذا لن نجد سفرا بالسيارات إلا قليلا وهو نقل الخامات أو المنتجات من بلد لأخرى أو المسافرون للجهاد والأعمال التى لا تتواجد إلا فى مناطق بعيدة كالسدود ومناطق التعدين     

ويعتقد مالك بوجود مسلم متخلف فيقول:      

"والمسلم بسبب عقدة تخلفه برد هذه المسافة إلى نطاق الأشياء أو هو بتعبير أخر يرى أن تخلفه متمثل فى نقص ما لديه من مدافع وطائرات ومصارف "ص15

وهو كلام خاطىء فالمسلم لا يمكن أن يكون متخلفا وإلا كان كافرا خارجا عن دينه  الكلام هو عن مجتمعات كافرة لا تحكم بشرع الله ومن ثم فالتحدث ليس عن المسلمين وإنما التحدث عن ناس غالبا لهم أسماء مسلمين

 ونرى خطأ مالك فى فهمه فى القول التالى:

"ولو أننا قرأنا وصف الحق تبارك وتعالى للمشهد الذى يدعو فيه عز وجل آدم إلى تسمية الأشياء بأسمائها فى قوله"وعلم آدم الأسماء كلها" ص22

فالرجل يعتقد أن آدم(ص) هو من سمى الأشياء بينما الله هو من سماها وهو ما فسره بقوله"الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان"

ويعود مالك بنا لمقولة التطور وهو أن الزمن كمثال كان لا اسم له حتى أتى الناس وسموه هذا الاسم وهو قوله:

"ولقد اتبعت فكرة الزمن مثلا  هذا السياق فإن الزمن لم يكن شيئا مذكورا أو بمعنى كان شيئا لا عنوان له طالما لم يخترع الإنسان كلمة يطلقها عليه "ص23

بالقطع الزمن سمى بهذا الاسم يوم خلق المكان وهو قوله تعالى :

"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض"

والتطور المعرفى نظرية تناقض القرآن فالمعرفة قدمت للإنسان الأول والوحى المنزل عليه كتب عليه مثلا شىء زمنى كصيام رمضان كما قال تعالى "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " وكحج البيت فى زمن معين كما قال تعالى "ولله على الناس حج البيت"

وهو ما يعنى أن الزمن الله هو من أعلن وحداته ومقاييسه وليس البشر كما يقول مالك فى كتابه:

"هو أن وحدة الزمن لم يتم تحديدها بعد فحديث القدماء عن الساعة لم يكن حديثا عن كمية محددة من الزمان فكان على الإنسانية أن تنتظر الحضارة العربية لترى الزمان يقاس فى النهاية قياسا رياضيا لأن أحد الفلكيين المسلمين بالمغرب وهو أبو الحسن المراكشى قد اخترع وحدته حين حدد الساعات المتساوية أعنى حين قسم مدة دوران الأرض 24 جزءا متساويا فمن ذلك الحين انتقل تحديد الزمن من المرحلة التجريبية على المرحلة العلمية "ص23

ويعتقد مالك أن الثقافة فكرة اخترعتها أوربا فى القرن16 الميلادى فيقول:

"والواقع أن فكرة الثقافة كما سبق أن قلنا فكرة حديثة جاءتنا من أوربا والكلمة التى أطلقت عليها هى نفسها صورة حقيقية للعبقرية الأوروبية فمفهوم ثقافة ثمرة من ثمار عصر النهضة عندما شهدت أوروبا فى القرن16 انبثاق مجموعة من الأعمال الأدبية الجليلة فى الفن وفى الأدب وفى الفكر "ص25

وهو كلام خاطىء فالثقافة هى الدين الذى نزل مع نزول الإنسان للأرض واستمرت موجودة وظهرت بصور متعددة عندما اخترعت الأديان الأخرى وهى الأديان الشيطانية التى أوجدت المشاكل فى المجتمعات والتى بعث لكل منها رسول بالدين الحق الذى كان موجودا فى البداية بتصحيح الثقافات الخاطئة

ما حدث فى أوربا هو أنه استحدثت أديان جديدة بأسماء مختلفة كالعلمانية والرومانسية والواقعية والماركسية والغريب أن معظم من اعتنق تلك الأديان لم يخلع نفسه تماما من النصرانية فالنصرانية ظلت فى الكنيسة بينما خارج الكنيسة  كل اعتقد كما يريد فى حياته خارج الكنيسة   

ويفسر الرجل ما جرى فى أوربا باختلاف مدرستين فى سبب الثقافة فيقول:

"فذلك الحال فى مجال الثقافة الذى نستطيع اليوم أن نرد مجموع ما قيل من تفسيرات إلى مدرستين المدرسة الغربية التى ظلت وفيه لتقاليد عهد النهضة وهى ترى عموما أن الثقافة ثمرة الفكر أى ثمرة الإنسان تقابلها طبعا المدرسة الماركسية التى ترى أن الثقافة فى جوهرها ثمرة المجتمع "ص29

وبالطبع من يعى لا يجد اختلافا فالمجتمع هو مجموع الأفراد ومن ثم فلا اختلاف أساسا وما حدث فى المجتمعات الماركسية هو ثمرة فكر أفراد كماركس وانجلز ولينين وستالين وليس ثمرة تفكير جمعى فالمقولات التى طبقت فى المجتمع الماركسى كانت ثمرة أقوال فردية لبعض الأشخاص

وانتقد مالك بعض تعريفات الثقافة عند القوم فقال :

"فتعريف بنتون الذى يرى الثقافة على أنها مجموعة من الأفكار سليم ولكنه ناقص من نواح عديدة وتعريف أوجبرن الذى يرى الثقافة على أنها جملة من الأشياء والأفكار سليم أيضا ولكنه ناقص من نواح أخرى أما التعاريف الماركسية للثقافة التى تذهب على انها انعكاس للمجتمع فهى سليمة أيضا دون أن تكون أكثر اقناعا فى وطن تقتضى  المشكلة فيه حلا أساسيا اى حيث لا تكون المشكلة مشكلة فهم وتفسير لواقع اجتماعى معين بقدر ما هى مشكلة خلق لهذا الواقع الاجتماعى "ص39

والانتقاد لم يبين فيه مالك نواح النقص فى التعريفات ويعرف الرجل الثقافة بكونها تركيب لعالم الناس أخلاقيا فيقول:

"فأساس كل ثقافة هو بالضرورة تركيب وتأليف لعالم الأشخاص وهو تأليف يحدث طبقا لمنهج تربوى يأخذ ثورة فلسفية أخلاقية وإذن فالأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية هى أولى المقومات فى الخطة التربوية لأية ثقافة"ص63

ويجعل مقومات الثقافة أربعة فى قوله:

"إن الثقافة هى التركيب العام لتراكيب جزئية أربعة هى الأخلاق والجمال والمنطق العملى والصناعة"ص67

وبالطبع العملية  أبسط من هذا فهى معرفة لوحى الله وتطبيق له فلو فتحنا الباب للتقسيم لوجدنا الزراعة ووجدنا التعليم..........

ويعود الرجل فيعرف الثقافة بكونها صفات خلقية وقيم اجتماعية نازعا عنها ما سبق قوله من المنطق العملى والصناعة فيقول:

"فالثقافة إذن تتعرف بصورة عملية على أنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التى تؤثر فى الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعوريا العلاقة التى تربط سلوكه بأسلوب الحياة فى الوسط الذى ولد فيه فهى على هذا التعريف المحيط الذى يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته "ص74

وفى الفقرة السابقة يعود بنا لنظرية فرويد عن اللاشعور وهو مفهوم خاطىء فهو عملية التعود التى تصبح نتيجة تكرارها الكثير تتم دون تفكير لأن التفكير الأول وجدها عنده صحيحة ومفيدة ولذا فهو يكررها لأنه فكر فيها من قبل

ويعود فيجعل الثقافة له قسمين غير ما قاله من المقومات الأربع وهى العقلية والروحانية فيقول:

"هى كل ما يعطى الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها من عقلية ابن خلدون وروحانية الغزالى" ص75

ثم عاد وجعلها عملية تفكيرية وتنوع اجتماعى ضاربا عرض الحائط بما قاله سابقا فيقول:

"بل هى دستور تتطلبه الحياة العامة بجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعى"ص77

وفى ملاحظة ليست ذكية جعل الرجل معنى رمضان هو من أنتج فكرة فوانيس الأطفال فى القاهرة فقال :

"وتتجلى المقدرة الخلاقة فى الفكرة فى التفاصيل ذات الأهمية البسيطة كما يمكننا أن نلاحظه فى هذه الأيام فى عربات الباعة الجائلين فى شوارع القاهرة حيث يبيعون الفوانيس الملونة لتسلية الأطفال فى ليالى رمضان فمن الواضح أن الفوانيس وهى شىء قد أوجدها معنى رمضان أعنى فكرة فلا مجال إذن لأن ننكر دور الشىء فى الخلق الثقافة ولكن لا يمكن بحال ان نخضع له الفكرة بل ينبغى أن نعترف لها بأسبقية معينة فى هذا المجال "ص45

بالقطع الفوانيس فوانيس الأطفال من اخترعها حسب التاريخ الفاطميون وهى من المقولات المفترض أنها لا تتواجد فى المجتمع المسلم فالفوانيس اخترعت لإضاءة الطرقات والبيوت  ليلا وليس للعب وهى فكرة قديمة قدم الإنسان والأجيال الجديدة ربما لا تفهم ما كان تعنيه الفوانيس عندنا وعند من قبلنا  فهى اختراع خطر فالشمعة كانت تسخن زجاج الفانوس وكثيرا ما كان يلسعنا كما أن الهواء قد يجعل الشرر يخرج من الفانوس لأن قبته كانت عبارة عن فراغات بينها قطع صفيح حتى يدخل الهواء لتظل الشمعة متقدة كما أننا فى الريف على وجه الخصوص اخترعنا فوانيسنا على حسب قدراتنا المالية وكنا نسميها بدلا من الفانوس الفونيار وكان عبارة عن زجاجة قديمة لها غطاء من الفل  أو علبة صفيح ندخل فيهم شىء يشبه الأنبوبة أو نخرم خرما فيها ونضع فيه قطنه مبللة بالجاز أى الكيروسين الذى يملى الصفيحة أو الزجاجة ونشعلها ونظل نجرى بها فى الشوارع وخارجها وهو ما كان يشعل الحرائق فى الريف خاصة مع امتلاء أسطح المنازل بالقش وعيدان الذرة وعيدان القطن الجافة وأيضا الأجران التى كانت توضع فيها أكوام المحاصيل استعدادا للدارس وهو استخراج الحبوب   

هذه الفوانيس لم تكن لعبة بل كانت خطرا داهما  ربما الفوانيس التى يتكلم عنها كانت عند الأطفال الهادئين لعبا ولكن لا يوجد  أطفال  هادئين إلا نادرا واللعبة فى الإسلام لابد أن تكون مفيدة للطفل وليس خطر عليه واستكمالا للكلام نقول أن نصارى مصروربما غيرهم استفادوا من مناسباتهم كأحد الخوص فى تعليم أطفالهم لعبا مفيدا من خلال استخدام الخوص والجريد فى بناء ألعاب مفيدة وكنا نشاركهم فى تعلم تلك الأمور التى نسيت أشكالها مع تدهور ذاكرتى وربما كانت خواتم أو حلى أو قبعات وربما يذكرنا الأكبر سنا منها

 لعب الأطفال لابد أن تكون مفيدة لهم وتعلمهم أمورا مفيدة ولعل ألعاب الحاسوب حاليا خطر ما بعده خطر على صحة أطفالنا وحتى على نفسياتهم فهى تعمل على قطع صلة الطفل بما حوله من كائنات حية وجمادات 

ويبين مالك أن المجتمع يمر بثلاث مراحل مرحلة تقبل أفكار وإبداع أخرى ثم مرحلة تبليغ الأفكار لمجتمعات أخرى وفى النهاية لا يبدع ولا يبلغ فيقول:

"ولقد حدد النبى(ص) هذه العلاقة فى صورة آخاذة تخلع على الأفكار وعلى الأشياء قيمتها العقلية وفاعليتها الاجتماعية حين قالَ: إِنَّ مَثَل مَا بعَثني اللَّه بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضاً فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعَوا. وأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينَ اللَّه، وَنَفَعَه بمَا بعَثَنِي اللَّه بِهِ، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وِلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ"ففى هذا النص تدرج من الأعلى على الأدنى فى تصوير علاقة الفرد والمجتمع بالعلم أى بالأفكار والأشياء وكان النبى(ص) أراد من هذا التدرج ذو الدرجات الثلاث أن يرمز إلى عصور ثلاثة مر بها المجتمع يبدأ تاريخه بمرحلة يحدث فيها تقبل الأفكار وإبداعها وتمثلها تليها مرحلة تبلغ فيها الأفكار إلى مجتمعات أخرى ثم تعقب مرحلة يتجمد فيها عالم الأفكار فيصبح ليست لديه أدنى فاعلية اجتماعية فيمكننا القول عن المجتمع الإسلامى فى عصر الفارابى كان يخلق أفكارا وأنه كان على عهد ابن رشد يبلغها على أوربا وأنه بعد ابن خلدون لم يعد قادرا لا على الخلق ولا على الابداع  ص49

هذه المراحل بالقطع لا تمر بها المجتمعات فالأمور الثلاثة تحدث مجتمعة وتحدث منفردة وتحدث مثنى فالإبداع موجود حتى فى ما يسمى خطأ مرحلة التخلف والتجمد فمن يراجع الاكتشافات الكبرى والموسوعات العلمية فى التاريخ المعروف للمنطقة  يجد أنها حدثت فى مرحلة التجمد ومن أشهرهم فى مرحلة التجمد ابن النفيس والزهراوى  ولماذا نذهب بعيدا عن عصرنا ؟

عصرنا الحالى من دول التخلف فيه خرج أمثال فاروق الباز وأحمد زويل ومصطفى السيد ومحمد عبد السلام وعبد القادر خان وأسماء كثيرة كلها اكتشافاتها وأعمالها ساهمت فى مشاريع الغرب الكبرى وما زلنا فى مرحلة التخلف حسب مالك وغيره من الاجتماعيين

ولو راجعنا تقنيات الغرب لوجدنا العديد منها لا يبلغ للناس المتخلفين فتقنيات الصواريخ والقنابل النووية وطائرات الشبح ومن ثم فبعض المجتمعات لا تبلغ أفكارها للآخرين ومن ثم فالمراحل الثلاث لا تقع متتابعة وإنما تختلف من مجتمع لأخر   

ويضرب مالك لنا مثلا باختلاف الثقافات عبر مشهد قتل عطيل لحبيبته ديدمونا ثم انتحاره فالمتفرج الأوربى يرى جمالا والمتفرج العربى يراه قتلا وانتحارا وهو قوله:

"بل الأمر غير ذلك تماما فالمتفرج الأوربى عامة يفكر فى جو من الحساسية الجمالية بينما المتفرج المسلم يفكر فى جو من الحساسية الأخلاقية ومن اجل هذا لا يمكن ان يتشابه سلوكهما أمام المشهد الواحد فعندما يقتل عطيل ديدمونا وينتحر يبلغ انفعال المتفرج الأوربى أوجه لن الدائرة التى يعيش فيها فى تلك اللحظة دائرة جمالية أليس يرى نهاية مخلوقين جميلين بينما يظل انفعال المتفرج المسلم هادئا فى هذا المشهد لأن دائرته أخلاقية فهو يرى قاتلا ومنتحرا"ص53

أخطأ مالك فى جعل متفرجه الأخير مسلما فالمسلم لا يشاهد مسرحيات مشتركة بين الرجال والنساء لأنه قوله تعالى "وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم"يمنعه من المشاهدة ومن ثم فهو لا يتحدث عن ثقافة إسلامية وإنما عن ثقافة خارجة على الإسلام

ويرى الرجل أى عملية إصلاح لأية ثقافة تتم بعمليتين الأولى ترك سلبيات المجتمع والثانية عمل الصالح لتكون الحياة كريمة وهو قوله:

"ونخلص من ذلك على ضرورة تحديد الأوضاع بطريقتين الأولى سلبية تفصلنا عن رواسب الماضى والثانية إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة"ص71

وما قاله هنا يتمثل فى الإسلام فى النهى عن المحرمات التى أسماها سلبيات والعمل بالأمر الإلهى وهو عمل الصالحات التى أسماها الإيجابيات

ويناقض الرجل نفسه بكون عملية الإصلاح تتم إما بلغة القوة أو بلغة البقاء فيقول:

"وبعبارة أخرى يواجه المجتمع مشكلاته بلغة القوة أو بلغة البقاء بقدر ما تصوغ ثقافته أسلوب حياته وسلوك الأفراد فيه "ص119

ويبين الرجل لنا نقطة مهمة وهى أن المشكلات لا تتغير ولكنها عند كل عصر تتخذ مظهرا جدا سواء فى الإشكال أو فى الحل وهو قوله: 

"حتى إنك لتنظر إلى الشىء بعد حين فتحسبه قد تبدل شيئا أخر وما هو فى الحق إلا الشىء نفسه تنكر لك فى مظهره الجديد"ص80

ويناقش الرجل مقولة أن المجتمع فى عالمنا مجتمعا كلاميا وليس عمليا فيقول:

"ولقد يقال إن المجتمع الإسلامى يعيش طبقا لمبادىء القرآن ومع ذلك فمن الأصوب أن نقول إنه يتكلم تبعا لمبادىء القرآن لعدم وجود المنطق العملى فى سلوكه الإسلامى ونظرة إلى واقعنا لنرى الرجل الأوربى والرجل المسلم أيهما ذو نشاط وعزم حركة دائبة؟ ليس هو الرجل المسلم بكل أسف"ص87

بالقطع المجتمع الذى لا يطبق الإسلام محال أن يكون مجتمعا مسلما لأن كلمة إسلام نفسها تعنى التطبيق العملى بالخضوع لأوامر الله ونواهيه وهو الاستسلام لذا سمى الله المتكلمين مؤمنين فقال :

"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون"

ويفاجئنا الرجل بمقولة لا أساس لها وهى كون المشكلات فى العالم الذى يسميه متقدم واحدة رغم الخلاف السياسى فيقول:

"وسيكون لدينا فى هذا الشأن مقياس متمثل فى النموذج الغربى فعلى محور واشنطن موسكو حتى طوكيو نجد أن المشكلات العلمية والعقلية والاجتماعية متحدة من طرف لأخر بل على الرغم من التوتر السياسى بين الطرفين فإن التبادل الثقافى يتم فى نطاق علاقة حضارية واحدة حتى فى المجال الذرى كما رأينا منذ مؤتمر جنيف"ص101

الرجل يحدثنا وكأن الغرب شىء واحد مع أن الغرب فيه دول متخلفة حسب مقاييس الغرب نفسه كاليونان والبرتغال وهما تعانيان مشكلات العالم النامى أو الثالث فالصناعات فيهما متخلفة حتى الآن وفى عصر مالك كانت البرتغال تحت حكم استبدادى عسكرى هى وأسبانيا  والمشكلات الاجتماعية ليست واحدة فمثلا مشكلات المثلية فى فرنسا والولايات المتحدة ليست مثلا موجودة فى بلد كاليابان وإيطاليا وروسيا والتفكك الأسرى فى الكثير من بلدان أوربا يقابله مثلا تماسك أسرى فى اليابان وإيطاليا والمهاجرين كمشكلة لم يمثلوا مثلا فى إيطاليا وفرنسا وألمانيا مشكلة ولكنهم فيما بعد أصبحوا مشكلة تبحث عن حل حاليا ففرنسا المحتلة لم يحررها سوى المهاجرين من جنود البلاد المحتلة عندما انهار الجيش الفرنسى وألمانيا التى كانت تطلب الأيدى العاملة من الخارج خاصة تركيا وأسهم الأتراك المهاجرين بصورة كبيرة فى بناء ألمانيا ما بعد هتلر  أصبحت الهجرة لها مشكلة وهذه المشكلة لا تواجه روسيا واليابان

ثم يدخلنا مالك الذى يتناول مشكلات تخص عالمنا الإسلامى فجأة على عالم أخر يكون فيه كافرا بالإسلام  معتنقا فكر غاندى الهندوسى فيقول:

"وستجد الفكرة الأفروآسيوية بمقتضى ازدواجها الروحى مبدأها الثانى فى فكرة عدم العنف ذلك المبدأ الذى نعرف دوره المنقذ فى تحرير الهند والذى لا زال يلهم حتى يومنا الحوار الدولى بوصفه قانونا لا يقبل الانفكاك عن المحاولات الإنسانية فى الميدان السياسى "ص108

ويكرر الكلام متناسيا دينه وحتى رسوله (ص) الأخير فيقول:

"إن المتاحف فى آسيا وأفريقية غنية بالوجوه الجليلة وبالأسماء والمثل لكى نستمد منها عناصر أخلاقية نحتاج إليها فى بنائها لتراث أفرآسيوى وسيكون غاندى ولا ريب فى أحد الأبهاء الفخمة التى تحتوى ثور الرجال العظماء"ص109

ويزيد الرجل الموضوع سوادا فيطالب المسلم بالاندماج فى المجتمع العالمى وكأن الآخرين فى العالم يريدون للإسلام والمسلمين وجود وليسوا يريدون فناء الاثنين فيقول:

"فالمثقف المسلم  نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زوايتها الإنسانية الرحبة حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته فى هذا الإطار العالمى" ص116

اجمالي القراءات 1820