حروب سوريا واليمن..السبب والمعادل الموضوعي

سامح عسكر في الإثنين 23 يوليو 2018

مرت حتى الآن أكثر من 7 سنوات على حرب سوريا، وأوشكت المعارك على نهايتها بقرب سيطرة الجيش الحكومي على درعا والقنيطرة، وبالتالي لم يتبق سوى معركة إدلب التي ستنهي هي الأخرى كل جيوب الريف الأخرى خصوصا في حماه..

لكن ما يجعل معركة إدلب صعبة أنها ملامسة لحد التماس مع تركيا، أحد أقوى داعمي الجماعات الإرهابية منذ بداية الحرب، وهذا يعني أن دخول الجيش الحكومي فيها سيشكل خطراً على مصالح تركيا مثلما شكل دخول نفس الجيش حلب خطرا عالجته تركيا بالسيطرة عفرين، والبدء في صناعة شريط عازل يسكنه العرب السنة مكان الأكراد ..فيما تبدو أنها كانت خطة سلام ومقايضة بين سوريا وتركيا برعاية روسية أفضت إلى انسحاب الجماعات من حلب..

أما في اليمن فقد مرت 3 أعوام ونصف تقريبا والحال كما هو، مثلما بدأت عاصفة الحزم مثلما تسير الآن عدا انفصال عملي بين شمال اليمن وجنوبه، وانقسام الجنوب بين قوات مؤيدة للسعودية وأخرى مؤيدة للإمارات وثالثة مؤيدة لقطر..أما الشمال فقد أفضى إلى سيطرة حوثية 100% بعد مقتل صالح في ديسمبر الماضي، تغيرات ليست بالجذرية لأنها لم تغير خارطة المعارك، فقوات التحالف العربي مدعومة بمقاتلين من الجنوب ضد الحوثيين وحلفائهم من القبائل..هكذا بدأت الحرب..وهكذا تسير بآخر فصولها في معركة الساحل الغربي في الحديدة..

ومنذ بداية عاصفة الحزم قلت أن الحرب أشعلها الطرف الخليجي الخاسر من التدخل الروسي في سوريا، أصبحت معها اليمن هي المكافئ والمعادل الموضوعي لحرب سوريا..تتأثر بكل ظروفها، فعندما يقرر الجيش السوري دخول حلب يقرر التحالف العربي إشعال معركتي نهم في صنعاء والبقع الحدودية في صعدة وقصف مجالس عزاء في العاصمة، وعندما يقرر الجيش السوري تحرير الغوطة الشرقية يشعل التحالف العربي الساحل الغربي بدعاوى تحرير الحديدة..وقبلها..عندما نجح التحالف العربي في السيطرة على عدن قررت روسيا دخول حرب سوريا رسميا..

وقتها قلت أن سماح مجلس الأمن بحرب اليمن وعدم استخدام روسيا لحق النقض - الذي كان يكفل منع الحرب- هو (خطة روسية إيرانية) بالأساس تهدف لتوريط الدول الراعية للجماعات في سوريا بمستنقع حرب قبلية ودينية في اليمن، عوضا عن إحداث حرب عالمية في سوريا كانت متوقعة بشدة..وهذا ما حدث، فمع أول تورط لتلك الدول في اليمن بدأت الكفة تميل ناحية الجيش السوري ضد الجماعات، ومع الوقت سحب البساط من أرجل الولايات المتحدة أبرز داعم سياسي ومالي وإعلامي للجماعات دوليا، حتى جاءت إدارة ترامب تخلت فيها عن دعم الجماعات بنسبة كبيرة مما تسبب في سقوطها تباعا.

إذن هناك ارتباط نوعي بين الحربين في سوريا واليمن، أعطي فيها المبادرة لسوريا بوصفها الدافع والشريان المغذي لعقائد ملوك وأمراء الخليج ناحية اليمن، وكأن صنعاء في مخيلة الأمراء هي حائط المبكي الذي يحجون إليه كلما تذكروا هزيمتهم في سوريا، أو هي الطفل العاق الذي يحتاج للتأديب بعدما خرج عن طوع أمه، وقتها بمشاعر الأبوة ينفث الخليجيون غضبهم تجاه هذا الولد العاق كلما ذكرهم أحد بفضيحة سوريا..وتاريخ قصف مجلس عزاء صنعاء الذي راح ضحيته أكثر من 500 مدني يمني في أكتوبر 2016 جاء في عز معارك تحرير حلب وقسوة الضربات الروسية على عملائهم في المدينة، هنا كان انتقام الأب الخليجي من ولده العاق كان قاسيا لدرجة تخليه عن كل مشاعر الرحمة وقيود الدين والعرف.

ولأن هذا الارتباط النوعي كان سبب فهو أيضا نتيجة، بمعنى أن كل ما ستنتجه حرب سوريا من تداعيات وأحداث مهمة ستؤثر على الجانب اليمني ، لذلك أرى أن نهاية حرب سوريا تنهي معها حرب اليمن فورا لعدة اعتبارات سياسية وفلسفية كالتالي: 

أولا: طبيعة الأنظمة الملكية بسلطاتها المطلقة هو عدم تقبلها فكرة الهزيمة، لأنها قامت بالأساس على قيم (كالأبوة والقدسية والثقة) فهي حتى لو هُزِمت فعليا ستروج على أنها انتصرت ، كطبيعة الأنظمة الشمولية بالضبط خشية انهيار تلك القيم في عيوب الشعب، بمعنى أن هزيمة تلك الأنظمة في معركة يعني (سقوطها فورا) والقارئ في التاريخ يلحظ ذلك..

هُزمت ممالك العرب في النكبة عام 48 فأثر ذلك على الجيش، حتى سقط الملك المصري بعدها ب 3 سنوات والعراقي ب 10 سنوات، إنما في الجمهوريات ذات الحكم المتعدد والديمقراطي فالهزيمة لا تعني سوى معركة خاسرة كما حدث في 73 مع إسرائيل، والفارق أن الحكم الشمولي المطلق عماده القيم الأخلاقية والدينية والعُرفية، إنما الحكم الديمقراطي مختلف..هذا قائم على فكرة الحقوق، بالتالي منظورهم للمعارك العسكرية مختلف، فالملكي المطلق تنهار كل قيمه فورا ويسقط في عيون مؤيديه، بينما الديمقراطي يُحاسب الحكومة إذا أراد..توجد آليات محاسبة وشفافية ومرونة تفصل تماما بين قيم الوطن والدولة وبين قيم الحكومة والسلطة، إنما في الأنظمة الوراثية والدينية والعسكرية كلهم واحد.

ثانيا: قام ملوك الخليج برد فعل وقائي على ثورة إيران عام 79 أولا: بتحريض ودعم الجيش العراقي ضدها، ثانيا: بإنشاء مجلس تعاون وجيش مشترك، ثالثا: بدعم فصائل في الحرب الأهلية اللبنانية تصدت لمقاومة فلسطين والأحزاب الشيعية اللبنانية..والهدف من وراء الثلاثة واحد بمبدأ (خير وسائل الدفاع هو الهجوم) نجحوا بالفعل في تحجيم ثورة إيران سياسيا وجغرافيا وحصرها على المناطق الشيعية ومقاومة فلسطين، فأنهك الجيش الإيراني في حرب طويلة دمر فيها أيضا جيش عراقي كان عدوا لإسرائيل.

هنا انتفعت ممالك الخليج من نتائج الحرب فأسقطت هيبة ثورة إيران بفقدان زخمها القيمي والأخلاقي، وأسقطت كذلك أقوى جيش عربي عدو لإسرائيل كان يخدم إيران قيميا ومعنويا رغم عدائهم السياسي، فالثورات الشعبية في حقائقها تحمل قيم وبرامج إذا اشتعلت بطريقة أيدلوجية مثلما حدث في إيران، تساهم تلك الطبيعة في خلق مناخ داعم لها عبر الحدود مثلما حدث مع ثورة مصر 52، حين عبرت قيمها لحدود العرب وأسقطت أكثر من نظام ملكي عربي ، هنا يفسر لماذا تعادي ممالك الخليج كل ثورات العرب عدا ثورة سوريا، الجواب : لأن كل الثورات هددت عروشهم بينما ثورة سوريا تهدد عرش إيران ونفوذها الإقليمي.

بالتالي معنى خسارتهم في سوريا يعني نفوذ أقوى لإيران وعودة ببرنامج الثورات لمرحلته الصفرية بإعادة إحيائه من جديد ولو بثوب آخر.

ثالثا: خسارة دول الخليج في سوريا لم تكن واردة حين اتخذوا قرارهم بتدويل الأزمة في مجلس الأمن، فالمال والسلاح والدين والنفوذ والإعلام كلها عناصر تخدمهم ، ولأن روسيا الضعيفة لن تجرؤ على مواجهة أمريكا وأوروبا، وبشار الضعيف لن يصمد أمام جنود مقاتلين أيدلوجيين وانتحاريين، وجيش سوريا الضعيف لن يصمد أمام خطط تركيا في اللاذقية وحلب وإدلب، ولبنان لن تتدخل كي لا تنتقل الحرب إليها من الشمال وتصبح أهلية لبنانية، بينما مصر الضعيفة لا حول لها ولا قوة..فجيشها مشغول بصراعات الحكم وتهديده قائم في سيناء والمحافظات، أما إيران فمشغولة أكثر في العراق وحصارها النووي.

هذا يعني أن تغير مسار الحرب أو طولها لم يكن متوقعا، بالتالي دخول الحرب لعامها الرابع لم يكن في مصلحة دول الخليج، فعليهم إذن خلق مكافئ ومعادل موضوعي لتلك الحرب يضع في حسبانه كل الاحتمالات قبل فوات الأوان ، فلو خسروا في سوريا هذا المكافئ يصبح بديل يروجون فيه لانتصاراتهم بفضل الملوك والأمراء الموهوبين من السماء، فتبقى السلطة وتبقى الأسر كما بقيت بعد ثورتي يوليو 52 وإيران 79 ، فكما يقال بالمصري (التالتة تابتة) أي هذه المرة (ثورات2011 ) لن يفلت ملوك الخليج فكان الضغط أكبر وبالتالي إنفاقهم وجهدهم سيكون أكبر وأكبر.. 

رابعا: هذا المكافئ والمعادل الموضوعي كان في اليمن، أشعلوا الحرب فيها بنفس دوافع ومزاعم الجماعات الإرهابية في سوريا ..لاحظ (خطر إيران – خطر الشيعة) ثم ألبسوا لتلك المزاعم لبوس سياسي في مجلس الأمن بحجة (دعم الشرعية) والعالم كله كان يتابع أحداث اليمن ويعرف أن حلف المتمردين – صالح والحوثي – هو الذي جاء بهادي رئيسا توافقيا، وبالتالي هم أصحاب الشرعية الجماهيرية الحقيقية، أما هادي لم يكن سوى صورة عسكرية اتفق عليها الشمال والجنوب لمرحلة انتقالية، وبالتالي كان الحل الوحيد هو اتفاق سلام جديد بعد ثورة/ انقلاب 2014 وليس حرب لأن أفقها غير موجود ، والمعارك ستوجه لصدور المدنيين.

هذا يعني أن التغيير في سوريا يؤثر حتما في ذلك المعادل الموضوعي لوحدة الهدف والأساليب المتبعة، بالتالي سنسمي سوريا (بالسبب) واليمن (بالمعادل) أما مناقشة قيم ذلك السبب والمعادل فليس مكانه، سنشير فقط أن قيم رفض السبب هي نفسها قيم رفض المعادل (الحرية) بمعنى أنهم رفعوا شعار الحرية ضد الأسد بينما أنكروه للحوثي وصالح، والعكس صحيح، أي قيم رفض حجة السبب هي نفسها قيمة قبول حجة المعادل (الشرعية) بمعنى أنهم رفضوا حجة الأسد بشرعيته وقبلوا حجة هادي بشرعيته...هذه الازدواجية في المعايير لم تكن لتأتي سوى أن هذا سبب لذاك، وذلك معادل لذاك يتعلق به ..يبدأ وينتهي معه..

خامسا: ستنتهي حرب اليمن حسب طريقة نهايتها في سوريا، فلو انتهت سوريا باتفاق سلام ترعاه الأمم المتحدة ومجلس الأمن بدخول الجيش إلى إدلب مقابل اتفاق داخلي..ستنتهي حرب اليمن باتفاق سلام أيضا يعطي للحوثي شكل أكبر في الحكم، وهذا مجرد تحليل يرتكز على ما يلي:

1- قيم الحرب مختلفة عن قيم السلام، ففي عصر السلام تشيع الموائمات والمساومات والاتفاقات، وهذا سيمثل عنصر دولي وأخلاقي ضاغط على التحالف العربي إذا تم إقرار السلام في سوريا، وقتها لن يصمد أمام الحملات الدولية والإقليمية يضطر بعدها لقبول خطة سلام دولية على الأرجح ستتقدم بها فرنسا أو روسيا..والسبب أنه لم يعد هناك الآن سوى حربين (اليمن وسوريا) واحد انتهت، فالأخيرة منطقيا ستصبح محط أنظار العالم.

2- في الحروب تشيع نزعات الانتقام والعزلة والكراهية بتقلد عناصر عدوانية مقاليد الحكم، وأزعم أن عدوانية الطرف الدولي الآن (ترامب) ليست موجهة حربيا إلى اليمن أو سوريا، هذا له معارك خاصة عدوانية أكثرها شخصية واقتصادية، أما الأطراف المؤثرة التي رعت اتفاق سوريا ستكون لها دور فاعل في اليمن رجحت أنه روسي أو فرنسي اعتمادا على شخصية كلا الرئيسين فيهما اللذان يميلان للسلام وطرح الحلول والموائمات .

3- بما أن اليمن هي معادل للسبب السوري ستتشكل حسب طبيعته، فلو كان الصانع ذكيا ماهرا أكيد ستكون الآلة ذكية وماهرة..والعكس صحيح، أي لو خلص السبب لاتفاق سلام سيخلص المعادل لاتفاق سلام يراعي وضع اليمن الآن من الناحية الجيوسياسية والعسكرية، يخدم ذلك توجهات العالم الآن الرافضة لكل قيم الحرب.

سادسا: أما لو انتهت الحرب السورية بدخول الجيش السوري إلى إدلب والقضاء على المعارضة المسلحة فيعني ذلك نهاية الحلم الخليجي في الشام، هنا الأردن مضطرة للتعامل مع الأسد بحكم الجيرة والنفوذ الروسي الأخير في المنطقة الذي تخطى للداخل الإسرائيلي بالتأثير عليه ، بينما الأسد سيظل عدو تاريخي لدول الخليج ويفرض هيمنته أكثر على لبنان بنفوذ إيراني روسي مزدوج.

هنا زيادة نفوذ إيران في الشام تلقائيا ينتقل للعراق ويصبح الشمال العربي كله معادي لدول الخليج المهددة من ثلاث نقاط ضعف بالغة الأهمية:

1- الاقتصاد السئ وهروب الثروات على شكل فساد أو رشاوى لصالح بعض الدول والأفراد النافذين ، فحسب بعض الدراسات الأخير تعاني دبي من أزمات في التجارة والسيولة، والسعودية على وشك ركود اقتصادي أجبر الحكومة هناك على رفع الضرائب ومشتقات البترول والتخلي عن الأيدي العاملة.

2- الأزمة الخليجية منذ يونيو 2017 هذه خلقت شرخ في مجلس التعاون أدى لانشقاقه بين ثلاثة كتل (السعودية والبحرين والإمارات) مقابل (قطر) وحياد (الكويت وعُمان) ولا أمل في حلها في القريب العاجل..عدا اعتبار وحيد أنها نشأت بنفس دوافع نشوء حرب سوريا واليمن (خطر إيران) وعليه فالمنطق يقول أنها ستنتهي مع نهاية كلا الحربين.

3- حرب اليمن..هذه خلقت شرخ آخر بين شعوب الخليج يصبح من المستحيل أن تتفق معا لاستقبال خطر شمالي بنفوذ إيراني مستقبلي إذا انتهت حرب سوريا عسكريا بدخول الجيش إلى إدلب..

سابعا: عوامل التفكك والتفتت كلها موجودة الآن في أنظمة الخليج، صراعات على الحكم، أزمات اقتصادية، صراعات قبيلة لها أبعاد مذهبية وأيدلوجية، في حين عدوهم قوي متربص على الحد الشمالي، مقابل حليف وجار غربي (مصر) لا يؤتمن برئيسه المخادع ذي الألف وجه، وحليف دولي (ترامب) لن يغامر بحرب من أجلهم كل الطرق الآن تؤدي إليها بقطيعة مع إيران وتحشيد مذهبي وشعور شعبي عربي بات معاديا لأسرتي (آل سعود وبن زايد) خصوصا في دول المغرب..

هذا يخلق تفاعل ذاتي بين مركبات قابلة للاشتعال تؤدي في النهاية للانفجار، فما حدث طيلة 7 سنوات من حرب سوريا هو في الحقيقة كان خلق مركبات نارية في قصور الحكم الخليجية باتت تشعر بالغضب والثأر والخوف والقلق أكثر مما يبد على بسمات وجه بن سلمان المصطنعة، أو هدوء بن زايد الذي يخفي وراءه طموحا امبراطوريا لحدود القرن الأفريقي ومصر وليبيا، بينما نتائج ما حدث في سوريا واليمن تكسر هذا الطموح ومعاني تلك البسمات كما أن تحقيق الوحدة يلزمه إدارة واعية تجعل من الدول تتحرك (كرجل واحد) بينما في السعودية اعتقال أمراء ومجازر في اليمن تثير غضب بعضهم، وفي الإمارات خلاف بين أسرتي آل نهيان وآل مكتوم انعكس على سياسات كلا الأسرتين في دبي وأبو ظبي..

ففي حين تنفتح دبي على العالم وسياسات قائدهم آل مكتوم يغلب عليها الحكمة مع إيران وشعبها، تعلي أبو ظبي نزعات الكراهية والحرب والانتقام ضد إيران فتهدد مصالح دبي العامل بها حوالي نصف مليون إيراني في قطاعات مختلفة في الاقتصاد، ومعه بالضرورة أن أي حرب بين الدولتين يعني انهيار لاقتصاد دبي ورحيل المال الأجنبي الذي لا يدخل مكان في العادة مشتعل بالحروب..

ثامنا: نهاية حرب سوريا عسكريا يعني نهاية حرب اليمن عسكريا أيضا، فالمنتصر في سوريا سيكون هو المنتصر في اليمن، وكما شرحنا كيف لو انتهى الأمر بالسلام سنشرح كيف سينتهي الأمر بالحرب..

1- الحوثيون انتصروا عمليا في معركة الحديدة في الساحل الغربي، وهي آخر معركة تمثل آخر بصيص أمل للتحالف العربي لإجبار الحوثيين على الاستسلام، فالهدف من المعركة تعطيل ميناء الحديدة لتشديد الحصار على صنعاء وإغلاق كافة المنافذ البحرية على البحر الأحمر كالحديدة والصليف، هذا أجبر الإمارات على وقف عملياتها العسكرية هناك بعد تقارير عن مذبحة أكثر من 1300 جندي من جيشها الجنوبي، وباقي الجيش بات محاصرا في شعاب التحيتا وزبيد وساحل تعز، دفع ذلك الوضع سفراء بعض الدول – كفرنسا- للقاء ممثل الحوثيين "محمد علي الحوثي" لعرض مبدأ الاتفاق، وهذا يرجح أن لفرنسا سيكون الدور الأكبر في إقرار السلام في اليمن إذا انتهت مشكلة إدلب أيضا باتفاق..

2- تعاني السعودية الآن من الحرب ليس فقط على الحدود أو باستنزاف أموالها وسلاحها..بل أيضا بتهديد مجالها الجوي الذي اخترقه الحوثيون منذ 3 أيام بقصف شركة أرامكو في العاصمة الرياض بطائرات مسيرة، هذا يفتح الباب لتهديد قصور الحكم نفسها واعتبار المجال الجوي السعودي ليس آمنا، يعني ذلك وجود أسباب مقنعة لوقف المعارك حفظا على ما تبقى من نظريات أمنية سعودية كسرها الحوثيون كلما طوّروا سلاحا جويا وصاروخيا..

3- طبيعة النظام السعودي الآن ليست عاقلة وحكيمة..فالنظام الذي ورط نفسه في حرب داخل سوريا والعراق من قبل ثم أزمة مع قطر وإيران ثم حرب في اليمن..هو ذو طبيعة عدوانية، وقيم العدوان مختلفة عن قيم العقل، فالعدواني تسوده مشاعر الزهو والفخر بما لا يستحق غالبا، بينما العقلاني تسوده انطباعات هادئة ومتزنة ترى المتناقضات شئ واحد وصراع الأشياء واحد، بينما في السياسة يوظف كل تلك المتناقضات والصراعات لصالحه، لا أن يجعل نفسه واحدا منهم فيتورط كطرف أصبح مصيره مرهونا بمصائر كل تلك المتناقضات..

4- من النقطة الثالثة أتنبأ أن لو انتهت حرب سوريا عسكريا سيكابر ويعاند النظام السعودي ويكثر من هجماته ومجازره على المدنيين حتى يدفع ذلك المجتمع الدولي للضغط الإيجابي الذي قد يهدد الأسرة الحاكمة وقتها، وربما تتطور الأوضاع ويحدث انشقاق أو انقلاب برعاية غربية، فاليمن لم تعد معركة شرعية كما بدأت في 2015 هذه أصبحت أزمة إنسانية في ضمير العالم في 2018 ، وكارت لإحراق كل ممالك وأنظمة الخليج المتورطة في الحرب..خصوصا بعد سحب عدة دول دعمها للحرب آخرهم ماليزيا بتصريح مثير هو أن اليمن بلد إسلامي الحرب ضده مخالفة لقيم الدين..

أخيرا: قد يخطئ هذا التحليل وقد يصيب لكن ما يبعث لي أمل بصحته أنه مقرون بصحة وقائع على الأرض، والتحليل والفلسفة السياسية عموما تقوم على تحليل وقائع، وليس خيالات مرهونة برغبات وأمنيات أصحابها، فكما استنكرنا جميعا هنا مبدأ بوش بتصدير الديمقراطية الغربية للعراق على دبابة وصاروخ كان يجب أيضا استنكار تصدير الشرعية لليمن بدبابة وصاروخ، فالحروب الأهلية على السلطة دائما لا رابح فيها، ومن يخسر يقوم مرة أخرى، ومن ينتصر لا ينعم بانتصاره عدة سنوات حتى يتفكك وتبدأ سلسلة جديدة من الصراعات، لذلك قلنا منذ بداية الحرب أن مبدأها فاسد وهو تحويل دولة ما لديمقراطية بقوانين الحرب ، متجاوزين طبيعة الدولة والشعب وأفقها السياسي الأعلى..

اجمالي القراءات 686