فهمي لسورة التوبة ( الجزء الأول )
فهمي لسورة التوبة ( الجزء الأول )

أسامة قفيشة في السبت 12 مايو 2018

فهمي لسورة التوبة ( الجزء الأول )

أرى أن سورة التوبة هي بلاغ و بيان انقلابٍ ضد رسول الله عليه السلام شخصياً و ضد رسالته القرآن فكرياً و ضمنياً , كما أرجح بأنها آخر سور القرآن بياناً أي أنها آخر ما تلاه الرسول من القرآن الكريم ليختم بها تلك الرسالة الإلهية فيكتمل بها هذا الكتاب الكريم .

( بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) 1 التوبة :

إعلان البراءة و حصرها فقط بمن أبرم المعاهدات و المواثيق من المشركين مع الدولة الإسلامية و هم أغلبية القبائل العربية و على رأسهم قريش , لأنهم يبيتون أمراً سيقدمون على تنفيذه في الوقت القريب , فكان السبق في فضحهم و كشفهم أي أنهم باتوا معرّفين و معروفين للنبيّ .

( فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ) 2 التوبة :

1 - الإعلان و الإمهال عن مهلة أربعة أشهر و بعدها فالدولة الإسلامية في حلٍ من تلك المعاهدات و المواثيق الموقعة مع التهديد و الوعيد بأن هؤلاء المشركين المعاهدين لن يعجزوا الله جل وعلا بأفعالهم و مكرهم و مخططاتهم التي يعملون عليها و سينفذونها قريباً , و بأن الله جل وعلا سيخزيهم في الدنيا و الآخرة و الله لا يخلف الميعاد ( هل حدث هذا الخزي لهم بعد موت النبيّ عليه السلام و ألبسهم شيعاً متقاتلين يذيقون بأس بعضهم البعض ؟ ) .

2 - إعلان فسخ و إبطال تلك المواثيق جاء من طرف الدولة الإسلامية .

( وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) 3 التوبة :

1 - لحظة هذا الإعلان و مكانه , فقد جاء وقت تلاوة هذا البيان على الناس يوم الحج , أي تم الإعلان عنه على لسان النبيّ عليه السلام على مسامع قريش و من قلب مكة أي من قلب قريش , حيث لا يملك السيطرة و لا يملك الخوف من قريش التي عاهدته .

2 - إعلان البراءة و نسبتها لله و للرسول فقط دون باقي المؤمنين تستلزم الوقوف عندها , فمفهوم البراءة بشكلٍ عام يستلزم وقوع جرمٍ أو اعتداء ما , و حصرها في الله جل وعلا و رسوله فقط يشير بأن هذا الجرم يستهدف الله جل و علا و رسوله دون أحدٍ سواهما ( و ليس كما يدعون و يقولون عن سبب نزول تلك السورة ) , و التعبير جاء هنا بالرسول يقتضي بأن المستهدف هي الرسالة التي جاء بها الرسول و ضمنياً فإن النبيّ عليه السلام مستهدفٌ بشخصه أيضاً , أي أن الله جل وعلا و رسالته ( القرآن ) و النبيّ عليه السلام هم ثلاثتهم مبرؤون مما سيستهدفهم و ينسب إليهم من جرمٍ و اعتداء ( هل هذا الجرم مازال يقع عليهم و في حقهم ليومنا هذا ؟ و متى سينتهي الناس عن هذا الظلم و يكفون عنه و يتوقفون عن تبرير جرائهم و وحشيتهم و ممارساتهم التي يرتكبونها باسم الله و القرآن و النبيّ ؟ ) .

3 - هذا الجرم ليس نهاية المطاف فالله جل وعلا قد حفظ رسالته و تعهد بها فمهما فعلوا لن يستطيعوا بأن يطفئوا نور الله عز و جل لذا فعبثٌ ما يفعلون , و جعل لهم باب التوبةِ مفتوحاً لمن أراد , و يعود التذكير بأن من يرتكب هذا الجرم و لا ينتهي عنه فلا يعتقد و لا يظن بأنه معجز الله جل وعلا بل أن الله ممهله ليوم الحساب و يبشره بعذابٍ أليم ينتظره هناك .

( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) 4 التوبة :

1 - قلنا بأن هؤلاء المشركين الذين تم فسخ المعاهدات و العقود معهم هم معروفون و معرّفون للنبيّ عليه السلام و هم أنفسهم من يحيكون و يحبكون هذا الانقلاب , و هذا يقتضي حتماً بوجود بعض القبائل العربية المشركة ممن أبرم تلك المعاهدات و العقود لا علم لهم بتلك المخططات لا من قريبٍ و لا من بعيد , فهنا جاء الاستثناء لمثل هؤلاء و الحث على حفظ تلك العهود و المواثيق معهم , ما لم ينقضوها هم بأنفسهم و التزموا الحياد و لم يناصروا أحد أو يساعدوه ممن سيتم نقض العهد معه .

2 - هذا يعني بأن تلك القبائل العربية المشركة تعلم نفسها جيداً , فمن كان منهم مشتركاً في عملية الانقلاب فهو وحده المستهدف من هذا البيان , و لا خوفٌ و لا ضررٌ سيلحق بمن لم يشارك قريشاً بهذا المخطط الآثم و الكبير ( اللي في بطنه عظام بتقرقع ) .

( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) 5 التوبة :

1 - هنا تبيانٌ لما سيحدث بعد انتهاء تلك المدة و ما سيترتب على فسخ تلك المعاهدات و المواثيق , فستكون حرباً مكشوفةً ضد من لم يتب منهم خلال مهلة الأربعة أشهر و استمر بالعمل و التجهيز لعملية الانقلاب .

2 - الدعوة لقتل هؤلاء المشتركين المشركين أينما كانوا و من مطاردتهم و رصد تحركاتهم .

3 - الإبقاء على باب التوبة مفتوحا أمام من يعلن توبته منهم , و التوبة تستلزم العفو كما قلنا فتوجب إخلاء سبيل التائبين بعد اعترافهم العلني .

4 - ربط توبتهم تلك بالتزامهم بما يمليه عليهم دينهم , و لقد تبين لنا سابقاً بأن المشرك هو صاحب دين يتعبد به , و قلنا بأن دين المشرك هو دين شرك و قلنا بأن جميع الأديان الشركية و الأرضية يتحتم وجود صلاة و زكاة فيها , فصلاته و زكاته هنا مرجعها لما يمليه عليه دينه و ليست ما يمليه عليه ديننا نحن , لأن ديننا لا إكراه و لا إجبار فيه بل الحرية المطلقة , فهذا يعني بالعامّية ( التهي بدينك و سيبك من ملاحقة دين غيرك و اتركك من الي داير عليه ) , مثال بسيط على ذلك هو ما نعانيه نحن اليوم من هؤلاء المشركين فهم يلاحقوننا هنا و هناك و نحن نكتب ما نعتقد و ما نؤمن به هنا على هذا الموقع , فتراهم يتركون مواقعهم و يأتون إلينا يسبّون و يشتمون و يتوعدوننا بنار جهنم و كأنهم باتوا يملكون أمرها ( يا عمي حلّوا عنا و روحوا صلّوا و زكّوا زي ما بدكم و اتركونا و شأننا , ما بدنا تعلمونا كيف نصلّي و نزكّي متلكم ) , و هذا هو مفهوم دعوتهم لإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة .

( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ) 6 التوبة :

1 - فتح باب اللجوء و الاستجارة في وجهه من يطلب ذلك من هؤلاء المشركين , مع دعوته لدين الإسلام بما ينص عليه كلام الله جل وعلا ( القرآن ) .

2 - عدم ترك أو إهمال هذا المستجير بل وجب تأمينه و حمايته من بطش المشركين . 

اجمالي القراءات 1398