أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا

لطفية سعيد في الإثنين 03 ابريل 2017

 
أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا 
كان لي تعليق على مقال للاستاذ ابراهيم دادي  عنوانه : ( من هم الكافرين وبماذا كفروا؟؟؟)! فكتبت عن علامات الكفر التي استخرجتها من سورة الكهف وتحديدا ما جاء في حوار الصاحبين :
واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتين مِنْ أعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (33) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (34) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أنَا أكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأعَزُّ نَفَراً (35) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبيدَ هذِهِ أبَداً(36  )وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبّي لأجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (الكهف37
.. بيد أني قد وجدت التعليق لا يفي بما أردت قوله  ويحتاج الموضوع لزيادة ،قصُرعنها تعليقي ، وخاصة السؤال الذي كان يحيرني وأقف أمامه طويلاً. وهو لم وُصف صاحب الجنتين بالإشراك ،مع أنه لم يعبد مع الله إلالها آخر ! لم نقرأ في الآيات تلبسه بالإشراك الذي نعرف ، فلم وُصف به ؟! 
 في البداية أوجه الشكر للأستاذ إبراهيم الذي كان مقاله سبباً في كتابة هذا الموضوع ، ونبدأ بمقارنة الصاحبين كما تنقل لنا آيات الذكر الحكيم والبداية مع الصاحب الأول ، لأنه هو من  بدأ الكلام ،  اغتر  بكثرة ماله وعزة ولده ، وهما  مناط الفخر الدنيوي (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)  ودخل جنته وهو ظالم لنفسه وهو متأكد  انها لن تبيد أبداً  ،لأن بها كل مقومات النجاح !! بل قد تطرق لموضوع بالغ الأهمية  وقال: ( وما أظن الساعة  قائمة ) !!  حتى وإن قامت ورُد  صاحب الجنتين لربه فسوف يجد خيرا من جنتيه  !!  وهذا أراه غروراً بامتياز، مصحوباً بتوابل قوية من وسوسة وأماني شيطانية !!
ونأتي لرد الصاحب الثاني الذي أُصيب بالدهشة والصدمة  وقال له مستفهما استفهام  نفهم منه الإنكار الشديد،  وهو يذكره  بمن خلقه وبمراحله المختلفة من تراب ، ثم من نطفة ثم سواه رجلا .. إذن نحن هنا أما مؤمن مصدق بالبعث عمليا .. ينفذ عملياً ما يعتقده ،  ثم بعد هذا يسجل شهادة منه على أنه يؤمن إيماناً راسخا بربه ولا يشرك به أحدا ً
 قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً * لكِنّا هُوَ اللهُ رَبّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبّي أحَداً (38)
ويستمر الصاحب الثاني مع صاحبه الجاحد لأنعم الله ليصوب له بأسلوب راق ما يحسن به أن يقوله  ،وفي نفس الوقت يعترف برضا أنه أقل منه  مالاً وولدا ،ولكن مع هذا يرجو أن يؤتيه ربه خيراً من جنته ، ويحذره  من عاقبة جحوده هذا ، فمن لا يشكر النعمة يكون  هذا إنذار زوالها .. بمختلف أسباب الزوال فهولم و لن يمنع  سقوط السيل ، وفي نفس الوقت لو ندر الماء فلم ولن يستطيع طلبه ، باختصار كما قال الله سبحانه : (  أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ(64الواقعة) ) ومع  ما قصه لنا القرآن عن 
هذا الصاحب  الثاني القدوة نبقى :    
 وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنَا أقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلداً(39) فَعَسى رَبّي أنْ يُؤتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعيداً زَلَقاً( 40 ) أوْ يُصْبِحَ ماؤها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَباً (41 )
وقد صدق توقع  الصديق فقد أُحيط بثمره .. بأي طريقة كانت الإحاطة علم ذلك عند ربي !! فقد صار في حالة يُرثى لها وهو يُحصي ما أنفق في جنته من نفقة  للزراعة ، وقد عبر القرآن عن حالته هذه  بـصورة مألوفة كثيرة الحدوث  يعرفها معظمنا وهي : ( يقلب يديه)  لماذا  ؟ لأنه (وهي خاوية على عروشها) إذن ضاع الثمر وضاع معه الغرور والجحود ،فعاد لرشده وعرف ما وقع فيه من خطأ(ليتني لم أشرك بربي أحدا) !! 
 وَأُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أحَداً (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِراً
وختاما لنا أن نطرح سؤالاً للمناقشة  
  هل أشرك هذا الصاحب عندما اغتر بما لديه من مال وولد وعندما ظن أن جنته لا يمكن أن تبيد أبدأ ، أم عندما قال لا أظن الساعة قائمة  ، ينكر قيام الساعة ومع هذا يعترف بأنه سيُرد إلى ربه (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرامنها منقلبا )
هل تُعد هذه من علامات الشرك ،  وبم أشرك  صاحب الجنتين مع ربه ؟!
وهل جاء اعترافه بأنه قد أشرك بربه صدفةً  عندما أُحيط بثمره ، أم أنه كان على ثقة من ذلك ؟
قد تشغلنا أموالنا وأهلونا عن العمل لليوم الآخر ، كما كان من أمر المخلفين الذين آثروا التخلف عن الجهاد  ! ثم نعود لنسأل :هل إلى مرد من سبيل ؟! 
إنها عبادة المال ..  والانشغال والاشتغال به ، دون حساب للباقيات الصالحات   
حفظنا الله وإياكم منها ،   قال الله تعالى:
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً {الكهف:46}
ودائما صدق الله العظيم 
اجمالي القراءات 8157