الغم
الغم

أسامة قفيشة في الإثنين 30 يناير 2017

الغم

ما هو الغم ؟ و ماذا يقصد به في كلام الله جل و علا ؟

الغم ليس الضيق أو الهم و الحزن الذي يدعيه الفقهاء و معاجم اللغة ,

و لا علاقة لهذا من قريب أو من بعيد , الغم هو فقدان للسيطرة , ينتج عنه الإغماء و هو حالة لفقدان الحس و الحركة بسبب عارضٍ ما , فهو فقدان للوعي و فقدانٌ للشعور بما يحيط بك مع عدم وضوح للرؤية نتيجة الخوف الشديد و الهلع .

فعن أهل النار و عذاب الحريق الذي هم فيه قال تعالى ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) 22 الحج :

هؤلاء الذين يصب فوق رؤوسهم الحميم لتُصهر جلودهم , و لهم سلاسل و أغلال لا يستطيعون الهرب أو الخروج من النار , فكيف لنا من فهم إرادتهم بالخروج من ذلك !

خروجهم من هذا العذاب قد حدده الله جل وعلا و حصره بالغم فقال ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ) أي أن خروجهم من هذا العذاب مرهونٌ ببلوغ حالة الغم التي تفقدهم الإحساس بذلك العذاب و تبيان ذلك جاء في قوله سبحانه ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) , فحالة الغم التي سيبلغونها تفقدهم الإحساس و الشعور حين تذوب جلودهم , فبتبديل جلودهم كل حين تكون عودتهم و إعادتهم من جديد , من أجل عودتهم للإحساس و الشعور مرةً أخرى كي يذوقوا عذاب الحريق .

و عن يونس عليه السلام قال تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) 88 الأنبياء :

يونس عليه السلام قد ابتلعه الحوت و أصبح في جوفه و في تلك الظلمات التي لا يمكن له من إدراك ما يحيط به أو التواصل مع الخارج ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) , فتعايش مع حالة الغم التي أفقدته الحركة و الإدراك لما يدور من حوله إلى أن أنجاه الله جل وعلا من تلك الحالة .

و عن موسى عليه السلام قال تعالى (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ ) 40 طه :

من المعلوم بأن من يقع في حادثة كتلك التي وقع موسى عليه السلام بها في حادثة القتل و خصوصاً حين يكون خلف المقتول سلطةٌ قويةٌ طاغية فالقاتل يقع في حالةِ فقدانٍ للسيطرة على الموقف و تنتابه حالة من عدم الإحساس و الشعور و التخبط , فهي حالةٌ تشبه إلى حدٍ كبير حالةُ الإغماء , و لكن الله جل وعلا سلّم موسى و نجاه من تلك الحالة .

و عن المؤمنين في معركة أُحُد قال تعالى (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )

153-154 آل عمران :

بعد أن كان النصر سيتحقق لولا البعض الذي طمع بالغنائم حين رأوها بتخلف قريش و تقهقرها و الذي كان واضحاً في الآية 152 حيث أن الله جل وعلا وصف هؤلاء بأنهم من يريدون الدنيا حيث قال ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) فمن هنا بدأ الفشل و التنازع و العصيان , فكان أمر الله جل وعلا بصرف هذا النصر و استبداله بالهزيمة كي يكون درساً قاسياً لهم و ابتلاء ,

ثم يأتي العفو العام من الله جل وعلا على الجميع , ثم يصيبهم الغم بما فعلوا فكان بمثابة الجزاء و الابتلاء , و الهدف هو عدم الحزن على ما فات وضاع من متاع الدنيا ,

فكيف يكون الغم الذي أصابهم هو الحزن كما يدعي المفسرون ! وما كان ليصيبهم هذا الغم إلا من أجل أن لا يحزنوا على ما فاتهم ,

ثم أنزل عليهم من بعد الغم أمنةً فكان عكس حالة الغم هي الأمن , أي أن حاله الغم هي عدم الاستقرار و فقدانٌ للوعي و الشعور و الإحساس , فتم استبدال حالة الغم بحالة الأمن .

و عن قوم نوح عليه السلام قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ) 71 يونس :

نوح عليه السلام بعد رحلةٍ طويلةٍ من الدعوةِ لله عز و جل و بعد أن تأكد بأن القوم لن يؤمنوا بدعوته , صارحهم و طالبهم بأن يتخذوا موقفاً واضحاً اتجاهه , فهو عليه السلام قد أوكل أمره لله جل وعلا و توكل عليه , و طالبهم بالاجتماع و التشاور مع شركائهم كي يخرجوا بقرارٍ واضحٍ مشترك كي لا يبقوا في حاله عدم الاستقرار و التردد و التخبط في اتخاذ القرار لعدم وضوح الرؤية فطالبهم بالاجتماع و اتخاذ القرار بشكل جماعي .

و عن أهوال يوم القيامة قال تعالى ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ) 25 الفرقان :

ذلك اليوم العظيم و الرهيب الذي سيفقد فيه الإنسان سيطرته من شدة الموقف , و سيصاب بحالة خوفٍ شديد و هلع تدخله في حالة ألا وعي , مع نزول مهيب للملائكة على الأرض , و هذا ما يبينه الله جل وعلا في قوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) هو إذاً يوم القيامة و أهواله , حيث يرسل الله الغمام في ظلل أي بشكل مستمر غير منقطع .

و عن بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام قال تعالى ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) 55-57 البقرة :

بعد العدد الكثير من الآيات التي بعثها الله جل وعلا لبني إسرائيل قاموا باتخاذ العجل وثناً بظلمهم , و طلبوا من موسى عليه السلام بأن يريهم الله جهراً كي ينظروا إليه بعيونهم , فأخذتهم الصاعقة فأماتهم الله جل وعلا ثم بعثهم من جديد , ثم ظلل عليهم الغمام أي جعله ظللاً لهم بشكلٍ مستمر غير منقطع , فكانوا في حالةِ فقدانٍ للوعي و الشعور بسبب ظلمهم , و هذا يوضح التيه الذي لازمهم و استمر أربعين سنه ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) 26 المائدة .

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا

سبحانك إني كنت من الظالمين 

اجمالي القراءات 8808