رد على الدكتور نهرو طنطاوى

د.حسن أحمد عمر في السبت 24 مارس 2007

فى مقال له بعنوان ( أنواع الرسالات الإلهية ) كتب الباحث والمفكرالإسلامى القدير الدكتور / نهرو طنطاوى
((أما الرسالات الإلهية التي أوحى الله بها إلى الأنبياء والمرسلين فتختلف عن بعضها البعض، من حيث توقيتها، ومن حيث مادتها، ومن حيث مهامها، إذن فهي مختلفة من حيث التوقيت، ومن حيث المادة، ومن حيث المهمة التي كُلِفَ بها النبي أو الرسول في هذه الرسالة أو تلك. فجميع الرسالات التي أوحى الله بها إلى الأنبياء والرسل أتت على نوعين لا ثالث لهما، وهما: النوع الأول: الرسالات ال&Igrarave;ديدة العامة المفصلة المركزية الكبرى. النوع الثاني: الرسالات الفرعية التجديدية، ويمكن استعراض هذين النوعين على النحو التالي: # النوع الأول: الرسالات العامة المفصلة المركزية الكبرى: الرسالة العامة المفصلة المركزية الكبرى هي: رسالة جديدة عامة كاملة شاملة أوحى الله بها، وميزها عن غيرها من الرسالات،)
ثم قام الدكتور نهر بتوضيح الفوارق بين النوع الأول والنوع الثانى
كما يلى :
((النوع الأول: الرسالات العامة المفصلة المركزية الكبرى: الرسالة العامة المفصلة المركزية الكبرى هي: رسالة جديدة عامة كاملة شاملة أوحى الله بها، وميزها عن غيرها من الرسالات، فهي تقوم على خصائص أريع هي:
1 – تأتي الرسالة الجديدة العامة المفصلة المركزية الكبرى في وقت قد اندثرت فيه الرسالات السابقة، بمعنى أن الرسالات السابقة لها قد ضاع مضمونها الحقيقي، وهدفها الأساسي، وبهتت ملامحها الأصلية، وتحولت إلى حزمة من العقائد والشعائر الوثنية التي لا تمت بصلة لأصل الرسالة الحقيقية، ولا بمضمونها الأساسي، ولا بملامحها الأصلية. وعند حدوث ذلك يبعث الله إلى برسالة جديدة عامة مفصلة مركزية كبرى.
2 – الرسالة العامة المفصلة المركزية الكبرى أوحى الله بها إلى رسول، والرسول هو: شخص عادي من الناس، لم يكن نبيا قبل أن يأتيه الوحي، إنما حصل على رفعة منزلة النبوة بعد الرسالة. وقد سبق وأن أوضحت الفرق بين النبوة والرسالة في مقالي السابق المعنون: (الأنبياء والرسل مخيرون وليسوا مسيرين).
3 – تتوجه الرسالة المركزية الكبرى لأكبر عدد ممكن من القرى ومن الناس، ولا تقتصر على قوم بعينهم، أو أناس بعينهم، بل يبعث الله رسوله بالرسالة المركزية الكبرى في أكبر القرى عددا من الناس، وأكبرها مقصدا وزيارة وتوجها إليها، أو وفق التعبير القرآني، يبعثه في أم القرى، قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا). (59- القصص). فمن خلال دراسة قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم، نجد أن الله قد بعث رسولا برسالة عامة مفصلة مركزية كبرى في مجموعة كبيرة ممتدة من القرى، ولم يبعثه في قرية تلو أخرى، إنما بعثه في أم القرى، وأم القرى هي أشهر القرى وأكبرها عددا، وهي أصل القرى ومرجعها، كمكة التي سماها الله حين نزول القرآن بأم القرى في منطقة الجزيرة العربية ومن حولها، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا). (7- الشورى)، لأن مكة وقتها كانت أكبر القرى في تلك المنطقة، وأكثرها مقصدا للحجيج والتجار والزائرين وذوي الحاجات. إذن الرسالات المركزية الكبرى قد أوحى الله بها في قرية هي عاصمة جامعة لعدد كبير من القرى والمدن من حولها، وهي ما عبر عنها القرآن بأم القرى.
4 – تأتي الرسالات العامة المركزية الكبرى في كتاب مخطوط مقروء، ذلك الكتاب قد يأتي في صحف، أو ألواح، أو مجموعة رسالات مخطوطة. وقبل أن نسترسل في موضوع هذه الدراسة، لابد وأن نفرق بين مفهومين لكلمتي (كتاب) و(كتابة): الأول: مفهوم خاطئ يفهمه معظم الناس، والثاني: مفهوم صواب وهو ما نعتمده في هذه الدراسة، المفهوم الخاطئ لكلمتي كتاب وكتابة والذي يعتقده معظم الناس، أن كلمة كتاب تعني مجموعة الأوراق المخطوطة حول موضوع معين من الموضوعات العلمية أو غيرها من الموضوعات، وهذا مفهوم خاطئ يعتنقه معظم الناس، أما المفهوم الصحيح لكلمة كتاب هو: مِنْ (كَتَبَ) ومعنى كتب أي جمع بين شيئين أو أكثر، إذن معنى كتاب هو عدة موضوعات مختلفة ومتنوعة تم جمع بعضها إلى بعض، سواء كان الكتاب مخطوطا في أوراق، أو محفوظا في الذاكرة، وفي كلتا الحالتين تسمى هذه الموضوعات المجموع بعضها إلى بعض بـ(كتاب)، هذا هو المفهوم الصواب لكلمة كتاب وفق اللسان القرآني، أما عملية الخط والتي يطلق الناس عليها خطئا مصطلح (كتابة)، فالمسمى الأصلي لها هو كلمة (خط) والخط هو الأثر الممتد امتدادا لتثبيت شيء ما والدلالة عليه، إذن فالخط غير الكتابة، أما الكتابة فهي عملية جمع موضوعات متعددة سواء تم خطها على الورق، أو لم تخط على الورق، والذي يدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). (48- العنكبوت). فقال سبحانه تخطه بيمينك ولم يقل تكتبه بيمينك. أما الكاتب فكلمة تطلق على الشخص المتخصص في جمع الموضوعات المتعلقة بأمر ما، ثم يقوم بخطها على الورق، فهذا الشخص يسمى (كاتب)، ومن ذلك أيضا نتبين معنى قوله تعالى عن الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله، أي أن رجال الدين من أهل الكتاب كانوا يقومون باختلاق موضوعات دينية سواء خطوها أو لم يخطوها، ثم يقولون للناس هذا كتاب من عند الله.))
فقمت بالتعليق على مقال الأخ الدكتور نهرو وسألته بعض الأسئلة كما يلى :
((أخى الفاضل الباحث والمفكر الدكتور نهرو طنطاوى
تحية طيبة وبعد
أسعدنى جدأ تواجدكم على موقع أهل القرآن الكريم , كما تسعدنا بحوثكم القيمة ومقالاتكم المستنيرة فى مختلف مواضيع القرآن العظيم
ولقد قرأت معظم كتاباتك وأحييك عليها ولو كان لى بعض التحفظات على كثير منها فسوف يأتى كل شىء فى وقته , ندعو الله تعالى لك ولنا بالهداية على صراطه المستقيم وأن يكون القرآن العظيم هو نور عقولنا وربيع قلوبنا
أخى الفاضل لى سؤال بسيط عن موضوع الرسالات المركزية الكبرى والرسالات الفرعية وهو:
تحدث القرآن الكريم فى عدد من آياته الكريمة عن وجوب إتباع الرسول الخاتم لرسالة نبى الله ورسوله إبراهيم عليهما السلام , مما يوحى أن الرسول الخاتم كان مجددأ لرسالة أبيه إبراهيم , وأن ما جاء فى القرآن العظيم هو تكرار معجز لما كان مسطورأ فى صحف إبراهيم عليه السلام
ولذلك فإننى أرجو إلقاء نظرة موضوعية وتفسيرية للآيات الكريمة الآتية وهل من خلال تلك الآيات الآتية يمكن إعتبار أن الرسالة الخاتمة مجددة لرسالة إبراهيم وبذلك لا تنطبق عليها شروطكم حيث أنكم كررتكم دائمأ فى شروط الرسالات المركزية الكبرى أن تكون :
(أيضا جاءت رسالة موسى في وقت قد اندثرت فيه رسالة إبراهيم، وكانت رسالته عبارة عن كتاب جديد يحوي عدة موضوعات متنوعة هي: العلم، والحكم، والحكمة، والعبادات والنسك، وتفصيل لكل شيء، ولم تكن رسالة موسى رسالة فرعية من رسالة قبلها، ولم تكن أيضا تجديدا لرسالة قبلها، بل كانت رسالة جديدة مفصلة عامة شاملة، وقد أشار القرآن لرسالة موسى )
أى أنكم قمتم بتحديد الشروط الآتية للرسالة المركزية الكبرى :
1- إندثار الرسالة السابقة
2- وجود كتاب جديد يحوى على موضوعات متنوعة هى العلم والحكم والحكمة والعبادات والنسك وتفصيل كل شىء
3-ألا تكون تجديدأ لرسالة قبلها وأن تكون رسالة جديدة مفصلة عامة شاملة
وبناءأ على شروطكم التى اقترحتموها للرسالة المركزية الكبرى فهل ينطبق ذلك على الرسالة الخاتمة ؟؟
الآيات هى كما يلى :

( وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) البقرة 135
َ(ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) البقرة 130
( قلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (
آل عمران 95
( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) النساء 125
( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام 161
( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ النحل )123
كما لا ننسى الآيات الكريمة الأخرى مثل
( إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) وأداة الإشارة هنا تشير لما جاء فى القرآن العظيم
ومثل قوله تعالى
( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك )
ارجو ألا أكون قد أطلت عليك
وبارك الله فيكم
وسننتظر ردكم الكريم الشافى
وكل عام وأنتم بخير
وتفضل الأخ الدكتور نهرو طنطاوى بالرد التالى على تعليقى :
((
رد على تعليق د. حسن أحمد عمر1
أخي الكريم الدكتور/ حسن أحمد عمر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولا: أشكرك أخي الكريم الفاضل على مرورك واهتمامك بما أكتب

ثانيا: بخصوص سؤالك أخي الكريم حول أمر الله لرسوله باتباع ملة إبراهيم، ابتداء ينبغي أن نفرق بين مصطلحات القرآن وكلماته من حيث المعنى الأصلي لها، حتى نفهم مراد الله سبحانه من كلامه.
إن المفهوم الأصلي لكلمة (ملة) هو الزمن الطويل الممتد، فكلمة ملة من (ملي) والميم واللام والحرف المعتل هو الشيء الممتد في زمان طويل، ومعنى ملة إبراهيم هي: الدين القيم وهو إسلامه لله رب العالمين فقط دون غيره، إسلامه له في كل ما كلفه به، وقد فسر الله ملة إبراهيم بالإسلام لله، وذلك في بعض الآيات نذكرها على النحو التالي:

(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ* وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً*)

(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)

(قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)

تعليق بواسطة نهرو طنطاوي - 2007-03-23
رد على تعليق د. حسن أحمد عمر2
إذن الملة هي الشيء الممتد زمنا طويلا، ونحن نعلم أن الشيء الوحيد الممتد زمنا طويلا من أول الأنبياء إلى آخرهم هو الإسلام أي الانقياد لله في كل ما أمر به، وهذا هو الدين القيم ملة إبراهيم، وهو قمة وذروة ما نسميه بالتوحيد، فالملة هي الإسلام لله وحده أو ما نسميه نحن بالتوحيد الممتد زمانا طويلا من أول الأنبياء والرسل إلى آخرهم محمد عليه الصلاة والسلام. والإسلام لله ليس تكليفا عمليا ماديا، وإنما هو تكليف يقع على القلب والعقل والنفس ابتداء، وهذا هو ملة جميع الأنبياء والرسل بلا استثناء، وهو الإسلام لله رب العالمين في كل ما أمر به ونهى عنه. قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) أي الانقياد لله.

إذن فالملة هي الإسلام لله رب العالمين، وليست هي الشريعة العملية من حكم وحكمة وشعائر ونسك وعبادات، لأن الحكم والحكمة والشعائر والعبادات تختلف من رسالة لأخرى.

فالله لم يأمر الرسول محمد باتباع شريعة إبراهيم التي هي التكاليف العملية، وإنما أمره باتباع الملة والملة حسب التعبير القرآني هي الإسلام لله أو ما نسميه بتوحيد الله. أما الشرائع العملية فكما تعلم فيها كثير من الاختلافات في الحكم والحكمة والمحرمات والمباحات والشعائر والنسك والعبادات، حتى وإن اتفقت في بعض الأشياء القليلة إلا أنها في المضمون العام تختلف عن بعضها البعض، ولذلك قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)

فالرسالة الجديدة التي أتى بها محمد عليه الصلاة والسلام هي الشريعة الجديدة المفصلة والتي تحتوي على الحكم والحكمة والشعائر والنسك والعبادات، والتي تختلف عن شريعة إبراهيم وتختلف عن شريعة موسى في محتواها العام. فالاختلاف بين الرسالات الكبرى يكون في الشريعة التي هي الحكم والحكمة والنسك والشعائر والعبادات، وليس التجديد في الملة التي هي الإسلام لله رب العالمين، أو ما نسميه بالتوحيد، فهذا تكليف (قلبي عقلي نفسي) وهو الدين القيم وهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وهو الإسلام لله رب العالمين، بالقلب والعقل والنفس أولا ، ثم العمل بالشرائع ثانيا، وليس التجديد أيضا في العلم الغيبي كاليوم الآخر والبعث والحساب والثواب والعقاب. فهو كما هو في جميع الرسالات الإلهية.

وقد أشرت إلى هذا بصورة مقتضبة في صدر مقالي حين قلت:
(إن الرسالات السماوية هي واحدة، وليست واحدة، فهي واحدة من جانب أن جميعها جاءت تدعوا إلى وحدانية الله بأركانه الثلاث: الألوهية، الربوبية، واللامثلية، وهذه الوحدانية سوف نتناولها لاحقا في دراسة مستقلة. أما أن الرسالات السماوية ليست واحدة، فمن ناحية المادة الرسالية التي جاءت بها كل رسالة على حدة)

وأخيرا أرجو أن أكون قد وفقت في الإجابة على تساؤلات أخي الفاضل الدكتور حسن عمر
ولكننى لم أقتنع برد الأخ الفاضل الدكتور نهرو فكتبت له الرد التالى :


أخى الفاضل الدكتور نهرو طنطاوى
تحياتى لك واشكرك على الرد ولكن ...
يا أخى الفاضل كيف يكون معنى كلمة ( ملة ) الزمن الطويل الممتد ؟ ومن أين وصلت لهذا التفسير ؟
لقد ذكرت كلمة ملة فى القرآن العظيم ستة مرات وكلها ترتبط بنبى الله ورسوله إبراهيم فى الآيات التالية :
البقرة 130 , 135
آل عمران 95
النساء 125
الأنعام 161
يوسف 37
, أما كلمة الملة فقد ذكرت مرة واحدة فى سورة ص الآية 7
وهى :
(ما سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)
وكلمة ملة من الفعل ( يُمِل ) بضم الياء وكسر الميم وماضيها مُل ّ أى مل إملاءأ وهى تعنى كتب ويتضح ذلك من قوله تعالى فى سورة البقرة فى آية التداين يقول تعالى :
((فإن كان الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة 282
وكلمة( يمل ) معناها واضح هنا بمعنى أن شخصأ سينطق بالدين بفتح الدال والآخر سيكتب ما ينطق به وكلنا يعرف حصة الإملاء فى المدرسة أى الكتابة غيبأ أى دون النظر لمصدر , ولقد أكد الله تعالى أن معنى (يمل ) هو يكتب حين قال فى نفس الآية (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِه)
ومن هنا نتأكد أن كلمة ( يُمِل ) و ( يُملل ) معناها يكتب , ومنها جاءت كلمة ( ملة ) أى الكتاب المكتوب وهو طبعأ الوحى الذى أنزله الله تعالى على رسول من رسله .
أما كلمة ( أًمْلى) بفتح الألف وسكون الميم وفتح اللام وهى الماضى من( يُمْلى ) بضم الياء وسكون الميم وليس كسرها كما حدث فى ( يُمِل) فمعناها الواضح هو انتظرت وصبرت وانظر قوله تعالى فى الآية التالية :
(لَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) الرعد 32 أى صبر عليهم المولى وانتظرهم علهم يتوبون ثم أخذهم بكفرهم أخذ عزيز مقتدر عندما أصروا على مواصلة الكفر والعناد والتحدى لله تعالى . والآية الكريمة الآتية تؤكد أيضأ معنى صبر الله تعالى على كفر الكافرين وجرائم المجرمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم :
َ(وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) الحج 44 , أما الآية الكريمة التالية فجاءت بمعنى الإملاء :
(إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) محمد 25 - أى أن الشيطان الرجيم وسوس لهم وأملاهم طريق الكفر والغواية فاتبعوه والعياذ بالله من الشيطان الرجيم .
وقوله تعالى ( واهجرنى مليأ ) أى فترة زمنية طويلة ومصدر مليأ هنا ملأ , أما مصدر كلمة ( ملة ) فهو ( ملل )
أخلص مما سبق إلى أن :
(1) كلمة ملة معناها دين وعقيدة ولا يمكن بحال أن يكون معناها ( الزمن الطويل الممتد ) كما كتب الدكتور نهرو طنطاوى .
(2) وكلمة يمل بضم الياء وكسر الميم معناها الإملاء أى شخص ينطق شفويأ والآخر يكتب ويسجل ما ينطق به الأول .
(3) وكلمة أملى بفتح الألف وسكون الميم وفتح اللام معناها صبر وانتظر وقد بينا كل تلك المعانى أعلاه
والسؤال للدكتور الفاضل نهرو طنطاوى :
كيف يستقيم المعنى بأن كلمة ( ملة ) معناها ( الزمن الطويل الممتد) ؟؟ ومن أين جاء هذا الإستدلال ؟
وفى نهاية تعليقى أؤكد أن دين الله الإسلام الذى أنزل على كافة الأنبياء والمرسلين وآخرهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , هذا الدين قد ختمه الله تعالى برسالة القرآن التى (( هيمنت )) على كل ماسبقها من رسالات واحتوتها فى طياتها واشتملت على كل المابدىء والقيم الدينية والإنسانية التى كلف بها الله الإنسان منذ بدء الخليقة , وأن القرآن العظيم كان تجديدأ لملة أبينا إبراهيم الذى سمانا المسلمين من قبل , نعم , لقد جدد القرآن العظيم ملة إبراهيم أى دينه وعقيدته وشريعته التى كانت قد تبعثرت مع مرور الزمن وانقلبت أحوال أهل الجزيرة العربية فحولوها من ملة يعبد فيها الله بلا شريك على ملة مشركة تعبد فيها الأصنام بل وتضع الأصنام فى الكعبة وحولها ليعبدوها مشركين بالله ما لم ينزل به سلطانأ , وحولوا الصلاة الحقيقية إلى مكاء وتصدية ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءأ وتصدية ) وأهدروا حقوق المرأة واقاموا لها الرايات الحمراء وتكسبوا بجسدها , ووأدوا البنات ( وإذا الموؤودة سئلت بأى ذنب قتلت ) , وأهدروا كل الأخلاقيات وكانوا مفسدين فى الأرض وقاطعين للسبل ومطففين للموازين , فجاء القرآن العظيم على قلب خاتم المرسلين لكى يجدد ملة إبراهيم ويصحح المفاهيم الخاطئة التى تراكمت على قلوب وعقول الناس فى الجزيرة العربية بفعل مرور الزمن .
كما أضيف أن الله تعالى أمرنا بعدم التفريق بين أحد من رسله ( لا نفرق بين أحد من رسله ) , وعليه فجميع الرسالات السماوية كانت بنفس القوة والفعل ولنفس الهدف وهو أن يعبد الله تعالى بلا شريك وتجتنب الفواحش
أما قوله تعالى ( لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجأ ) فلم يقل ملة ومنهاجأ لأن الملة واحدة وهى الأعم والأشمل وتحتوى فى داخلها على كل التعاليم الربانية والتشريعات وغيرها , ولو أردنا قول شىء من هذا القبيل فإن الرسالة الخاتمة هى رسالة عالمية لكل الناس بل وللجن أيضأ بما ضمن الله لها من حفظ لكتابها الخالد ( القرآن الكريم ) , وأن جميع ما سبقها من رسالات سماوية قد احتواها المنهج القرآنى العظيم ( مهيمنأ عليه) أى أن كل ما أراد الله تعالى توصيله للبشرية من خلق وشرائع وأحكام وحكم وعبادات ونسك تم جمعه فى كتاب واحد معجز ومحفوظ من قبل الله تعالى نفسه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وأن القرآن العظيم تجديد لملة إبراهيم التى كانت تحمل كل ما فى القرآن وينطبق ذلك على من سبق من رسل وأنبياء ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) ( إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى )
شكرا للدكتور المفكر والكاتب والباحث المجدد نهرو طنطاوى وأتمنى له التوفيق والتفوق .

اجمالي القراءات 11553