تطور التخوف الإنساني

كمال غبريال في الخميس ١٩ - نوفمبر - ٢٠١٥ ١٢:٠٠ صباحاً

كان جان جاك روسو يفترض الطيبة والوداعة في الإنسان الأول البدائي، مما حدا بفولتيير لأن يقول له ‏‏"أنك تغريني بالمشي على أربع"!!. . الحقيقة أن الطبيعة الأولية الخام للإنسان هي طبيعة وحشية، ‏تعصف بها شتى أنواع الغرائز بلا ضابط ولا رابط. مسيرة الإنسان الحضارية وتنامي وتنوع احتياجاته ‏هي التي أجبرته على التهذيب من غرائزة، عبر محاولته إشباع هذه الاحتياجات بالتواجد في مجتمعات. ‏هذا الرقي والتحضر لم يغير من طبيعته البيولوجية الوحشية، التي ظلت تجذبه دوماً إلى أسفل عودة ‏لأصوله، فيما يعمل المجتمع وظروف الحياة من حوله على منعه من السقوط، بل ودفعه للمزيد من ‏الرقي، الذي اصطلحنا الآن على تسميته "الإنسانية"‎‏.‏

من هنا ندرك سر جاذبية الإيديولوجيات الفطرية البدائية، التي تسحب الإنسان إلى هاوية الوحشية ‏الأولى، التي يتوافق معها ويتوق إليها تكوينه البيولوجي الأصيل.‎

لعل غريزة الخوف وما يترتب عليه من حالة قلق دائم، هي أهم ما تميز به الإنسان طوال مسيرته من ‏البدائية والوحشية إلى عصور الحضارة. فاستشعار الأمان المطلق كفيل بقعود الإنسان، وتوقف عقله ‏عن الفكر الابتكاري، وانخفاض حجم الجهد الذي يبذله إلى حد أدنى. ولعل هذا وراء ما شهدناه من ‏فشل وانهيار للنظم الاشتراكية، التي حاولت توفير الأمان التام والمساواة بين سائر الأفراد اقتصادياً، بما ‏لابد وأن يحولهم إلى كما لو هياكل خشبية، لا تخشى شيئاً ولا تطمع في شيء، فيتوقفون ساكنين ‏مكانهم، فيما العالم الحر يتغير ويتطور.‏

كان الخوف وما يترتب عليه من بحث عن ملجأ يحميه من أسباب ومصادر مخاوفه، هو قوة الدفع ‏للإنسان منذ بداية مسيرته الحضارية، فور نزوله من مصاحبة القردة على الأشجار، وهي اللحظة التي ‏امتزج فيها الخوف بالشجاعة والإقدام على المواجهة. الخوف من مظاهر الطبيعة من أمطار وبرق ‏ورعود، وحتى من توالي الليل والنهار في صورة نور وظلمة، والخوف من الحشرات والحيوانات المفترسة ‏وغير المفترسة، وبين بينها سائر البشر الآخرين، الذين اندرجوا جميعاً في البداية في ذهنه مع سائر ‏مكونات "المملكة الغيرية". ففي هذه المرحلة المبكرة من الوعي الإنساني، تمحور الإنسان حول نفسه ‏فقط، وتملكته حالة جزع من كل ما هو خارج هذا الجسد. وهذا ما ولد لديه بالتالي نزعة عدوانية، ‏يستبق بها ما يتوقع أن يلحق به من ضرر من الآخر، والتي مازلنا نعيش آثارها حتى الإنسان لدى ‏كثيرين.‏

مع تقدم ورقي الوعي الإنساني، بدأ الإنسان في تكوين الأسرة، ليخرج أفرادها من نطاق الغيرية، إلى ‏دائرة توحد مع الذات، في مواجهة باقي مكونات "المملكة الغيرية". وقد لعبت الأنثى/ الأم هنا دوراً ‏رئيسياً، في جذب الرجل نحو الاستقرار، وفي قبوله واعتباره باقي أفراد أسرته جزءاً من كيانه. ومع ‏الوقت بدأت التكوينات الأسرية تتجمع في جماعات، لتحمي وتأتنس ببعضها البعض، مكونة قرى ثم ‏عشائر وقبائل. في مرحلة القبائلية توحد الأفراد المنتمين إليها، فأصبح الكيان القبلي هو ذات الفرد، ‏يحتمي به ويدين له بالولاء، لينحصر خوف الإنسان في سائر ما يحيط به خارج دائرة قبيلته. كانت هذه ‏المرحلة بداية جادة قوية، لانتقال الإنسان من "الأنا" إلى "نحن".‏

احتاج الإنسان إلى فترة زمنية أخرى، للانتقال من مرحلة القبيلة إلى مرحلة تكاملية، تجمع قبائل شتى ‏تحت مسمى ما عرف بالوطن. لتدخل التكوينات القبلية مرحلة التفكك، ليذوب المنتمون إليها في ‏الكيان الجديد المسمى الوطن. وكانت هذه خطوة أخرى في مسيرة ا لانتقال من "الأنا" إلى "نحن".‏

الآن تعيش المسيرة الإنسانية في مرحلة أرقى، هي عصر العولمة، الذي يذهب باتجاه زوال الخوف ‏السلبي الإنساني البدائي من تركيبة الإنسان السيكولوجية تماماً، لينفتح على مجمل "القبيلة الإنسانية"، ‏بل وأيضاً على "عالم الحيوان" وسائر مكونات البيئة، التي كانت في البداية مصدر قلق وتخوف دائم ‏له. فنحن نشهد الآن محاولات إنسانية واسعة لحماية حيوانات وطيور برية من الانقراض، وإنشاء ‏محميات للنبات والحيوان في سائر أنحاء العالم. الدافع المستقبلي للإنسان العولمي المأمول لن يكون ‏بعد هو الخوف من الآخر، وإنما سيكون الرغبة الإيجابية في الاندماج والتكامل مع البيئة وكل ما ‏عليها من كائنات، ليستطيع الإنسان التمتع بما يحققه هذا التألف من سعادة ورفاهية عيش. هي إذن ‏مرحلة استبدال الرغبة في الإيجابيات كقوة دافعة للتطور والتغيير، بالدافع السلبي البدائي، الذي هو ‏الخوف مما قد يلحق به من أضرار. وتتقلص غريزة الخوف في مجرد الحرص على عدم ضياع ما ‏يُحَصِّله الإنسان من مكاسب. هنا نكون قد وصلنا إلى المحطة النهائية من مسيرة انتقال الإنسان من ‏‏"الأنا" إلى "نحن". حيث "نحن" هنا هي القبيلة البشرية جمعاء. أو حتى يصح القول أن "نحن" هي ‏الكون بكل ما فيه من مظاهر طبيعية وكائنات حية.‏

هذا التطور المستمر لسيكولوجية الإنسان لم يكن متساوياً بين جميع أفراد الجنس البشري. وتنوعت ‏درجة مسايرته بين الأفراد والجماعات، وفقاً لعناصر ذاتية وبيئية، ومع اختلاف طبيعة الثقافات السائدة ‏بين مكونات الكيانات التي تتشكل منها المجتمعات الموسعة، من حيث مدى صلاحيتها للانفتاح ‏وقبول الآخر. فمازلنا نجد أفراداً محاصرين في ذاتيتهم الفردية بدرجة أو بأخرى. كما نجد جماعات قد ‏تختلف في مدى تحول أفرادها السيكولوجي، من مرحلة الأسرة إلى القبيلة إلى الوطن والعالمية.‏

تبدو شعوب الشرق الأوسط هكذا سجينة عصر القبائلية والطائفية العنصرية، عاجزة عن مغادرتها. ‏نلمس هذا الآن بوضوح فيما تشهد المنطقة من تفجيرات داخلية لمكوناتها الوطنية. وفيما يشيع بين ‏الناس، من "نظرية المؤامرة" العالمية على كياناتها الدينية والطائفية والعرقية والوطنية. فما نشهده الآن ‏من رواج غير مسبوق لنظرية المؤامرة، هو بمثابة ارتداد أو سقوط مروع إلى حالة سيكولوجية بدائية، ‏كان يفترض أن الإنسان عموماً قد غادرها إلى غير رجعة، منذ ما يقرب من 50 ألف عام، من عمر ‏الإنسان الذي يرجع إلى حوالي 200 ألف عام. في هذا السياق أيضاً نرى تفشي الأعمال العدوانية، ‏ترافقها ثقافة وسيكولوجية الكراهية، كمجرد عرض من أعراض الارتداد إلى الخوف الإنساني البدائي من ‏الآخر.‏

هنا يبرز تساؤل، إن كان هذا العجز عن مسايرة التطور الطبيعي للإنسان والإنسانية، هو نتيجة قصور ‏ذاتي في شخصية إنسان المنطقة، أم أنه يرجع لعناصر بيئية وظروف محيطية، أم لكلا العاملين معاً؟

Kamal Ghobrial

Alexandria- Egypt

اجمالي القراءات 8571