التحرش الجنسي في مصر..بين الثقافة والحب

سامح عسكر في الأحد 17 مارس 2013

 

هل توجد علاقة بين أحوالنا النفسية ومُشكلاتنا الجنسية؟. هذه العلاقة بالطبع موجودة، فمشاعر القلق والتوتر تؤثر بالسلب في الحالة الجنسية والعكس صحيح، وكثيراً ما كان فلاسفة وكبار علماء النفس يمرحون بين ثنايا وزوايا هذه القضية، فالغريزة الجنسية هي إحدى الغرائز التي يتطلب تفسيرها العديد من النظريات التي تجمع بين علوم النفس والاجتماع وحتى السياسية والاقتصاد والدين..مما يشى بأن للقضية بُعداً ثقافياً شاملاً يتمثل في المفاهيم والسلوكيات العامة والخاصة وكيفية التعاطي معها،هذا البُعد وتلك المفاهيم ستكون هي المؤثر في توجيه تلك الغرائز بعيداً عن أماكنها الطبيعية،فالمكان الطبيعي لإشباع الغريزة الجنسية هو مؤسسة الزواج، وعندما تتحكم هذه الثقافة في تلك الغريزة فهي إما تضعها داخل تلك المؤسسة أو تنحرف بها بعيدا.

في تاريخ المصريين محطات لم تُسجل في إحداها مُشكلة التحرش الجنسي بالإناث أكثر من المحطة الحالية، فما الذي جدّ على هذه المحطات كي يقع المصريون أسرى للتحرش؟!..وما الذي جعل المرأة هي المسئولة عن تحرش الرجال بها في وعي كثيرٍ من المصريين؟!..وهل بعض شيوخ الدين هم فقط من يُحمّلون المرأة المسئولية أم أن المسألة طالت قناعات بعض المثقفين؟!

أرى أن ظواهر التدين الشكلي والتعصب هو الذي جدّ على المصريين، إضافة إلى تأثير الهجرات المتتالية من الريف إلى الحَضَر -مما ساهم في استدعاء النزعة الأبوية الريفية إلى قاطني المُدن المصرية، إضافة إلى جهل المصريين بمعاني الحُرية..(أنظر مقالنا السابق.. الطبيعة الغير مستقرة للمجتمع المصري)..إضافة إلى الانفتاح الإعلامي والاقتصادي والذي بدأ بتحرير الإعلام والاقتصاد من سُلطة الدولة وبروز العمل النقابي في الواجهة، وقد كان لنظام الرئيس الراحل أنور السادات الفضل في هذا العمل الذي نقل مصر من مرحلة إلى مرحلة بغض النظر عن صوابها.

كل هذا ساهم -إلى حدٍ كبير- في إيجاد مُشكلة مجتمعية وأخلاقية كالتحرش الجنسي بالإناث..رغم أن مظاهر التدين قد تعكس في مضمونها حُرمة لجسد المرأة، ولكن بخروج تلك المظاهر بصورة شكلية أهمل المصريون الجانب الإنساني منهم، وبدلاً من البحث والتفتيش في الذات بدأوا في البحث عن الآخرين..ولكن ليست كل مظاهر التدين في قفص الاتهام، فهناك مظاهر تدين يدعو إليها الصوفيين وهي تهتم بالذات والأنا في المقام الأول، ومعناها أن الدافع الجنسي مصدره الإنسان ولا سُلطة للغير عليه، مما يضعنا في مقابلة أكثر إحراجاً إذا ما قلنا بأن الدين يأمر بغض البصر وكف الأذى وفي ذات الوقت نخالف ما تعارف عليه الصوفيون..هذه الرؤية الصوفية هي على خِلافٍ كبير مع رؤى ومفاهيم السلفيين "التقليدية" التي انتشرت في العقود الأخيرة، وأرى أن هذه المفاهيم السلفية التقليدية هي المسئولة عن شيوع كافة أنواع وصنوف التحرش .

ولكن مع كل ذلك فلكل مُشكلة طبيعة خِلافية تحمل في مضمونها بذور الاجتهاد، فالتحرش الجنسي لم يؤرق بعد المصريين لتفسيره أو البحث عن دوافعه، ويكتفي البعض منهم باختزال المُشكلة بالإزاحة النفسية وتحميل المرأة المسئولية ، وهذا بالتأكيد له علاقة مباشرة بالثالوث المُقدس المصري والعربي المتمثل في.. (الدين والجنس والسُلطة)..فثقافة العيب لا تزال هي العائق أمام البحث الجاد عن أسباب المُشكلة وبالتالي حلّها بأساليب أكثر منطقية وعلمية...وأرى أن من أولى مواضع الاجتهاد للقضاء على هذه الظاهرة أو مُحاصرتها لن تخرج من الحض على الحُبّ والفصل بينه وبين الجِنس خارج مؤسسة الزواج، بمعنى أنني أحب كل الناس ومن حُبّي لهم أدافع وأكف الأذى عنهم، خاصة بعد العلم بأن المرأة تتعرض لضغوط وآلام نفسية إذا ما تعرضت للتحرش الجنسي...وهذا بالتأكيد سيغرس ويُنمّي مشاعر الرحمة في قلوب الناس.

إضافة إلى أن الحب في مضمونه يساعد في فهم معاني الحرية، ولكن أي حب؟..إن الحب إذا ما لم يتم فصله عن الجنس داخل مؤسسة الزواج، تُصبح مسائل التحكم في الذات أكثر صعوبة، وعليه فتنوع الحب هو في ذاته اعترافُ بالآخر وبحقوقه، بمعنى أنني رجل وأرى كثيراً من النساء على قدرٍ من الجَمَال، فإذا ما اختلطت لدي مشاعر الحب والجِنس تُصبح المرأة أمامي كائناً جنسياً، أما إذا أحببت هؤلاء النساء من حيثية وجودهم كبشر عُقلاء ولهم أرواح وأنفس حرام ويشعرون ولهم حقوق كثيرة فسيختفي "الكائن الجِنسي" من أمامي ويحل محله كائناً آخر مثلي ومتطابق معي في أمور كثيرة، إضافة إلى كون هذه المرأة هي بالأصل ضعيفة الجسد والروح والعقل والكينونة مما سيحملني على التعاطف معها وحمايتها... 

أما إذا ما اقترن هذا الكائن برغبتي فيه كشريك للحياة تجتمع فيه كافة رغبات الحب والجنس حينها وَجَب الالتزام بالأوامر الدينية الصارمة ومن أهمها.."غض البصر وكف الأّذى"..وهما يكفيان لحماية الرجل والمرأة من غرائزهم العُدوانية والتي تكون الغريزة الجِنسية هي إحدى دوافع العُدوان، إضافة إلى الاعتراف بحقوق هذا الكائن فهو في النهاية متطابق معي في كافة المشاعر والرؤى، فكما أنه بالنسبة لي مطلوب ومرغوب..أنا أيضاً بالنسبة له كذلك، فلا أنظر له بمنظور ذكوري قد يُبخسه حقه، حينها أشعر بقيمتي كإنسان لا يغتر بإشباع غرائزه وإرضاء الذات على حساب الغير ، فهذه هي الأنانية، والإنسان المثالي لا يعتقد في ذاته أن لها سُلطة على الآخرين، فالمتحرشين إما أنهم لم يكفوا أذاهم ويغضوا أبصارهم، أو أنهم يعتقدون في أن لأنفسهم سُلطة على الإناث، تدفعهم رغباتهم الأنانية في الاعتداء عليهم بحُجة الإغراء!

أخيراً أنا لا أقتنع أبداً بأن الجَمَال وحده كافياً لسلوك التحرش والعُدوان، فالغني -ذا المال- ليس مسئولاً عن سرقة ماله، فإذا كانت أمواله فقط هي السبب في السرقة فالغني مُذنب بمجرد ثرائه!...وهذا لا يقبله عقل ولا دين..فالثراء حالة اجتماعية لا يخلو منها أي مجتمع وفي كل العصور، وكذلك فالمرأة الجميلة لا يخلو منها أي مجتمع..إذن فالمسئول الأول هو الذي طوعت له نفسه بالاعتداء على أموال الغني بالضبط كما أنه هو المسئول عن الاعتداء على جسد المرأة.

اجمالي القراءات 6217