من قلب البوتقة المصرية

كمال غبريال في السبت 02 فبراير 2013

أحب بداية أن أشير ولو من قبيل تذكرة قد تبدو سابقة لأوانها، أننا قد اتفقنا يوم 25 يناير 2011 على مغادرة محطة الركود "المباركية" دون اتفاق على محطة الوصول، وكانت النتيجة أن ذهبنا إلى حيث لم يحتسب أغلبنا، حيث تمكن الأكثر تنظيماً وحذقاً بيننا من قيادة السفينة المصرية إلى ما يعتبره الشارع المصري الآن "بحر الظلمات"، والآن يتكرر نفس الوضع المبهم والمختلط، ليكون الأرجح أن تقذفنا الأمواج والتيارات العشوائية إلى مأساة جديدة، فالواجهة السياسية التي تلخص وتنسب نفسها لغضبة الشارع المصري مجموعة متنافرة من الشخوص والتوجهات، ونظن أن حتى أكثرهم حذقاً واستقامة لا يمتلك رؤية واضحة لما يمكن تسميته "محطة الوصول"، ولا الطريق الآمن الذي يمكن للبلاد أن تسكله لتحقيق شعارات يصر عليها الشباب وعامة الشعب، تلك التي يجمها شعار "عيش. حرية. كرامة إنسانية. عدالة اجتماعية"، علاوة بالطبع على الافتقاد للتنظيمات القادرة على قيادة الجماهير وتوجيهها وفق الرؤى المفترضة.
يعني ما تقدم أن سقوط "حكم الإخوان" بهذه الطريقة أو تلك ليس نهاية المنى أو فردوس الحرية والحداثة والتقدم، فالشاطئ الآخر الذي "تبلبط" "جبهة الإنقاذ الوطني" في أوحاله لا يقل ضبابية وعشوائية عن "بحر الظلمات الإخوانجي"، وهنا نتذكر المثل العامي المصري "من داهية لمصيبة يا قلب لا تحزن"!!. . مع ذلك تبقى صخرة طيور الظلام أولى الآن بالانشغال، فكل يوم تدوم فيه هيمنتها نغوص فيه أكثر وأكثر في هاوية التخلف الحضاري والفشل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وبالتالي لابد وأن تسكت جميع الأصوات عدا صوت نجدة مصر الموشكة على الغرق، وإن كان هذا لا يعفي من الانتباه إلى ما ينتظرنا بعد النجاة المرتجاة.
فيما ينادي الشباب وعامة المصريين بكافة ميادين مصر وشوارعها بسقوط النظام، نجد النخبة التي ليس لدينا غيرها لادعاء تمثيل الجماهير الغاضبة وكأنها تسير على حبل مشدود، تنشد هي الأخرى "سقوط النظام"، لكنها لدواع قانونية لا تجرؤ على إعلان تمنياتها خوفاً من الاعتقال أو المحاكمة بتهمة قلب نظام الحكم، فيلجأ بعض رموزها إلى مطالب تلف وتدور حول ذات الهدف المنشود دون التصريح به، فيما يمارس البعض الآخر حرفة "الأكل على جميع الموائد"، متستراً خلف شعارات توحيد الصفوف والحوار وما شابه من تهويمات ربما صارت الآن مفتضحة بما يكفي حتى للبسطاء من شعبنا الغاضب.
الحقيقة هي أن الشرعية القانونية هي الحل وطريق الخلاص من الورطة التي أوقعنا أنفسنا فيها مباشرة بعد تنحي مبارك في 11 فبراير 2011، فالإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري باطل لتجاوزه لقرار الشعب بتعديل دستور 1971 في استفتاء 19 مارس، وقرارات المجلس بالإفراج عن الإرهابيين السجناء باطلة، لأنها من الناحية القانونية تعد انتهاكاً لسيادة القانون، وسياسياً أدت لتحويل مصر إلى ملاذ آمن للإرهابيين المفرج عنهم والقادمين من منافيهم في مختلف معاقل الإرهاب في العالم، والأحزاب الدينية التي تشكلت بالمخالفة للمادة الخامسة من دستور 71 باطلة، فهذه المادة حرمت العمل السياسي وتشكيل الأحزاب على أساس ديني، واللجنة التي تشكلت بعد الثورة لاعتماد تشكيل الأحزاب قامت بأخطر عملية تدليس في تاريخ مصر السياسي، حين تسترت وراء خلو برامج الأحزاب المقدمة لها من النصوص التي تدخل هذه الأحزاب في تصنيف الأحزاب الدينية، رغم أن شخوص المقدمين لتلك الأحزاب وخطابهم الزاعق يشي بفاشية دينية غير مسبوقة في الساحة السياسية المصرية.
الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تقدم فيها مرشحون عن هذه الأحزاب الدينية أيضاً باطلة، والإعلان الدستوري المنتهك لسيادة القضاء الذي أصدره مرسي باطل، والرئيس الذي حنث بقسم الحفاظ على الدستور والقانون باطل، والدستور الذي تم طبخة بليل باطل، ومجلس الشورى وكل ما يصدر عنه باطل. . الأمر إذن ليس أمر ثورة ثانية لإسقاط النظام، فنظام ثورة 25 يناير 2011 قائم، وكل المطلوب العودة للشرعية القانونية، بدءاً من دستور 1971 الذي تم تعديله في استفتاء 19 مارس بناء على إرادة الشعب، فكل ما تلى ذلك خروج على الشرعية وإرادة الشعب المصري العظيم. . علينا جميعاً إذن أن لا نرفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" لا علانية ولا في الغرف المغلقة، وليكن شعارنا الوحيد "الشعب يريد سيادة الشرعية والقانون"!!
يشيع على ألسنة رموز معارضتنا الهمامة أن الإخوان خلفوا وعودهم بالمشاركة لا المغالبة، ويتبعون منهجاً انفرادياً استئصالياً للآخر شريك الوطن، أي أن المشكلة في المنهج، وكأن بمقدور الإخوان تغييره إلى منهج مشاركة بقليل أو كثير من الإلحاح والضغط. . الأفاضل نجوم المعارضة يجهلون أو بالأصح يتجاهلون أن منهج الإخوان هذا متسق تماماً بل ويفرضه فكرهم التكفيري القطبي الذي يستهدف التمكين لفرض رؤاهم المقدسة على شعب كافر يحتاج لمن يهديه إلى الإسلام. . هي ليست بأي حال مشكلة منهج، بل مشكلة فكر هذه الجماعة وكينونتها ذاتها، فمن العبث أن تطالب فيروس الكبد الوبائي مثلاً أن يتبع منهجاً صحياً ورحيماً خلال سعيه لاختراق جهاز المناعة في جسم الإنسان والسيطرة على خلاياه. . المحتوى الفكري هو ما يفرض ويستدعي المنهج المناسب له، فالليبرالية كمحتوى تستدعي الديموقراطية كمنهج، فيما الأيديولوجيات السلطوية الدوجماطيقية تستدعي المناهج الاستبدادية بالضرورة، وخلاف هذا هو خداع للنفس، واستخدام مصطلاحات أو مفاهيم مفرغة من مضمونها، فأي "ديموقراطية" يمكن أن نقنع بها الإخوان والسلفيين أو نجبرهم عليها، وهم صلب تفكيرهم ومحوره مبدأ "الحاكمية لله"، بل وأيضاً "الولاء والبراء"؟!!
هناك أيضاً من يطالبون بوزارة إنقاذ أو ائتلافية، بتصور أن هذا هو الطريق لوقف مسلسل الأخونة، بجانب توفير إدارة قادرة على العبور بالبلاد مما يتهددها اقتصادياً، هؤلاء عليهم أن يتأملوا جيداً ما يقولون، فالوزارة لا تعمل في فراغ، بل في محيط سياسي يوجهها، وأي وزارة في ظل هيمنة الظلاميين الشرعية على كراسي السلطة، وغير الشرعية عبر تحكم تنظيماتهم في الشارع، والذي عاينا بعضاً منه في محاصرة المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامي وحرق حزب الوفد،، مثل هذه الوزارة سيكون مصيرها لا يختلف عن سابقاتها، فشل وعجز وتخبط. . المطلوب بداية سياق جديد يختلف تماماً عن ذاك الذي قادنا فيه المجلس العسكري ليسلمنا في نهايته لقمة سائغة لخريجي السجون.
السؤال المرحلي الملح الآن هو عن حجم ونوعية وحدود الضغوط المطلوبة ليتخلى الإخوان وأذيالهم عن حلم التمكين، سواء إنقاذاً لأنفسهم، أو خوفاً من أن تموت الفريسة بين أيديهم، ليعودوا رجال دين ودعوة لا أكثر. . الاستقرار هو ما ننشده جميعاً، لكنه ليس ذلك الاستقرار في هاوية الظلاميين وبين أنيابهم، فكما كان من المحتم أن يخرج هذا الشعب من كهف نظام مبارك وأسلافه، فإن الحاجة اليوم أشد لتحويل السفينة المصرية عن الطريق إلى "بحر الظلمات". . المجد والنصر لهذا الجيل الذي لا يشبه آباءه وأجداده. . مصر الجديدة تولد الآن من رحم الدماء والمعاناة. . مصر الجديدة الطفلة تشق طريقها بين الصخور والأشواك.
kghobrial@yahoo.com
 المصدر ايلاف 
اجمالي القراءات 4591