هل النار مشتعلة في البيت؟

محمد عبد المجيد في الخميس 20 سبتمبر 2012

هل هناك سرٌّ في صمت المرشد العام والدكتور محمد مرسي والإخوان المسلمين والسلفيين ومرشحي الرئاسة، سابقا، وكل وسائل الإعلام المصرية على عائلة مبارك، والأحكام، والأموال، والتحويلات المالية بين سوزان مبارك والمصارف والبنوك في الداخل والخارج؟
هل هذا الموضوع داخل الخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه باتفاق مسبق؟
هل سيأتي الوقت الذي أصبح أنا فيه الصحفي الوحيد الذي يكتب كل يوم، تقريبا، عن أموال مصر المنهوبة، وتبرئة جمال مبارك، وآلاف المعتقلين ظلما والذين يحتقرهم رئيس الدولة ويزدري أهلهم فلا يعطيهم من وقته ساعة واحدة؟
هل سيأتي الوقت الذي يصيب الملل قرائي الأعزاء ويقولون: ما لهذا الرجل لا يكتب إلا عن موضوع نريد نسيانه، مبارك، ملياراتنا، قمامتنا، إعلامنا المتخلف، مذيعاتنا المومياوات، تواطؤ المستشار أحمد رفعت في تبرئة المجرم جمال مبارك، حرية الحركة المالية لسوزان مبارك، الصندوق الأسود لعام ونصف العام من حُكم العسكر، عودة الفلول من كل ناحية مع موافقة إخوانجية ضمنية، أسعار البترول والغاز لإسرائيل، الاتفاقات غير المعلنة بين مصر ودول العالم، عمليات التعذيب في السجون والمعتقلات ..... ؟
حالة من الصمت المريب تصيب الجميع بعد كل إشارة مني لهذا الكـَـمِّ الكبير من المُحرّمات!
يستحسن البعض، ويشكرني آخرون، ويُعلـّـق بكلمتين من لديه عدة دقائق، لكن الحقيقة المـُـرّة والمـُـفزعة والمفجعة والكارثية والمـُـبكية أننا، جميعاً، مشتركون في جريمة اغتيال وطن!
كلنا نتلذذ بلعبة لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم!
كلنا قضاة ودعاة ومحامون وفقهاء شريطة أن لا نقترب من موضوع سيُجبرنا على مليونية!
مبروك، الإخوان في الحُكم، وعمرو موسى يضع أيمن نور والغزالي حرب تحت جناحيه، ووزير العدل يؤكد أن انتقاد رئيس الدولة مثل الالحاد، ومشروع النهضة وهمي، وحزب الدستور سيتنفس لمدة أربع سنوات تكون مفاصل الدولة كلها قد انفصلت.
لا عجلة، ففي العجلة الندامة، وأمهات آلاف المعتقلين يستطعن الصبر والبكاء عدة سنوات أخريات، والفلوس تنتظر خروج المخلوعين بعفو رئاسي أو ضربة معلم، والقمامة ليست مدرجة في مشروع النهضة فالمهم أنها ليست أمام بيت رئيس الدولة.
الدعوة لمليونية ضرب من الجنون، وشباب الإخوان المسلمين تكاثروا كالأرانب الأسترالية يدافعون عن ( الجماعة) كأنهم نزلوا من بطنها، ودعاة( تمهل، واصبر، وامنح الرجل فرصة) غطــّـوا على كل الجرائم السلحفائية في حل مشاكل وطن يغرق.
مثقفو الوطن وإعلاميوه التصقت بألسنتهم عبارة: ( لكن الرئيس شخص مهذب وطيب !) ثم يسكت المثقف عن الكلام المباح، وينتظر دعوة للتشرف في القصر الجمهوري.
رجل مبارك وعقله وساعده ووزير خارجيته وعينه على جامعة الدول العربية وبئر أسرار جرائمه يصبح رئيس حزب يمسك بأصابعه اثنين وعشرين حزباً آخر، والمصريون يرقصون طرباً فـ (سيجار) عمرو موسى سيحرق خصوم الوطن.
الكتابة لم يعد لها تأثير مع وجود خمسة ملايين كاتب على الفيسبوك ومنهم من لا يعرف الحروف العربية، ومنهم من لم يسمع من قبل عن الكتاب، أما كنزه الثقافي في البيت فهو عدد قديم من مجلة ( حواء)!
ما خشيت على مصر من قبل أكثر من خشيتي اليوم مع اضمحلال الذاكرة، واختفاء الغضب الوطني ليحل محله غضب ديني أو طائفي أو كراهية الآخر اليائس من أي إصلاح، أو الظن بأن الثوار هم الموجودون الآن في المشهد المصري، لكن الحقيقة أن قوى الثورة المضادة عادت أصلب من السابق، وأمهر من ذي قبل، وأقدر على لعبة السلم والثعبان من عهدي المخلوع والمشير.
المسرح المصري هشّ تحت ثقل فتنة طائفية حمقاء يظن فيها المسلمون والأقباط أن الله، عز وجل، ينتظر نهاية المباراة بينهم ليكافيء المنتصر بجنة الآخرة و.. سعادة الدنيا.
صراع ظاهر أحيانا، وخفي أحايين أخرى يحاول المسلم والمسيحي اثبات نسب كل منهما إلى رحم أمٍ تسقط منه أجنــّـة نورانية مكتوب على جبهتها مكانها في الجنة.
معارك دونكيخوتية متخلفة اشترك فيها للأسف كبار الكتاب والإعلاميين والصحفيين وأمسك كل واحد منهم سهما وقوساً يحارب به دين الآخر، ويتهكم على تعاليمه، ويسخر من مقدساته وسط رقصة من مجانين حول قرآن وأناجيل محروقة.
بقاؤنا متحدين في مصر مرهون باستعادة ذاكرة غابت تماما عن عهود مبارك والمشير ومرسي، وعندما يكتشف المصري أن المسجد والكنيسة توأمان سياميان لا ينفصلان، وأن خسارة المسلم في إلغاء القبطية، تاريخا ودينا وشهداء ومناضلين ومثقفين وقساوسة ومتسامحين وطفولة مشتركة تعادل خسارة القبطي في نبي أوصى بهم خيرا، وخاصم من يؤذيهم، وقرآن كريم يتسلل إلى النفوس والقلوب من خلال آذان مصغية يخشع لها القبطي والمسلم على حدٍ سواء، هنا يلتحم الوطن من جديد حول قيم سامية في أرض الأديان.
تسألني ما هي البلاهة؟
إنها البدء بالشك في الآخر، وإنهاء أيّ حوار عقلاني بالقول: لكن الآخر هو الذي بدأ بالكراهية، والحقيقة أن هذه الاجابة هي عين الكراهية.
الفيلم المسيء أثبت هشاشة الابتسامة المفتعلة، وفضح عيوبنا، وأخرج من صدورنا أجهزة عصبية كان من المفترض أن تلتصق بالعقل فإذا هي ملتحمة بالحنجرة.
الفيلم المسيء أثبت أن المتحدثين في الدينين الكبيرين، الإسلام والمسيحية، يحتاجون إلى إعادة تأهيل، وتثقيف، واقناعهم أنهم زيت على نار، وينبغي أن يعودوا لممارسة دور التسامح أو الاختباء تحت الأرض حتى تهدأ الأوضاع.
كل الذين يمارسون محاربة ومشاتمة ومخاصمة الدين الآخر هم في جانب شيطان يوعز إليهم بالحطّ من الآخرين، ويتبرأ منهم يوم القيامة.
كل مسلم أو قبطي لا يحمل بين جوانحه ذكريات جميلة، وصداقة مع زميل يعتنق دينا آخر، ولم يتأثر بجمال حشد المصلين في صلاة عيد الأضحى وعيد الفطر وعيد الفصح، ولم يمر وفي قلبه رهبة تدفيء وجدانه أمام مسجد أو كنيسة، فلن تستطيع أن تقنعه أن أسنانه أنياب، وأنَّ تــَـمـَـزُق مصر، لا قدَّر الله، على يديه.
هل تريد أن تعرف مساحة التسامح في قلبك؟
تخيل محمدا والمسيح، عليهما السلام، قادميّن من بعيد! فإذا رأيتهما يتضاحكان، ويتمازحان، ويمسك كل منهما يد الآخر بمحبة شديدة، فتأكد أن خلاص مصر من الطائفية المقيتة بيدك أنت وحدك.
وإذا رأيتهما يتخاصمان، ويتشاجران، ويتلاكمان، ويبتعدان عن بعضهما فأنا على يقين من أنك صانع فيلم مسيء لمحمد أو للمسيح، عليهما السلام، حتى لو لم يخرج من تصوراتك بعد.
أشفق على حملة مشاعل تحرق ويظنونها تنير، وكتابات تنفجر بغضاء وأصحابها يتحدثون باسم الله، ومثقفين وإعلاميين وشيوخ وقساوسة يُطلــّـون علينا من الشاشة الصغيرة وتتقاطر من أفواهم الدماء وهم يتحدثون عن أصحاب الدين الآخر.
ستنتهي حياة كل منهم ويبقى الدينان الكبيران، الإسلام والمسيحية، رغم أنف كل الذين يهلـّـلون بعد كل صراع ديكة أنهم منتصرون.
الحل كما أراه هو أن ترفع سماعة التليفون الآن بدون تأخير، وتديرالقرص على رقم صديق أو زميل يعتنق الدين الآخر، وتبثه أوجاعك وأحزانك، وستتعجب من رّد فعله عندما يقول لكَ بأن أعزّ أصدقائه وأحبابه من غير دينه.
لكنك يمكن أن تفعل العكس، وتتصل بصديق متعصب من دينك، الإسلام أو المسيحية، وتطلق على أذنه قذائف غضب على أتباع الدين الآخر، وهنا لو اختلست نظرة في الجانب الآخر ستجد إبليساً يستلقي على قفاه من الضحك عليكما!
تلك هي بعض همومي، فهل تجد استجابة أم أن النار .. اشتعلت في البيت؟
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 19 سبتمبر 2012

اجمالي القراءات 7755