الصوفية والولائم فى مصر فى القرن العاشر الهجرى

احمد صبحى منصور   في الثلاثاء 27 اكتوبر 2009


في القرن العاشر الهجري – في مصر العثمانية – تسيد الصوفية الحياة الاجتماعية والدينية ، واشتهر وقتها الشيخ عبدالوهاب الشعراني زعيما للفقهاء والصوفية وتأثرت القرون التالية بمؤلفاته الكثيرة ، ومنها كتاب " لطائف المنن " الذي نسترشد به في هذا المقال عن الصوفية والولائم في القاهرة العثمانية .

    وفي هذا الكتاب يفتخر الشيخ الشعراني بمناقبه وبما منّ الله عليه به، لذلك سمي الكتاب " لطائف المنن "وفيه يقول مثلا مفتخرا بأنه يتعفف ع عن الأكل والولائم التي يقيمها مشايخ العرب وفقهاء الأرياف . ومن المعروف أن مشايخ الأعراب وفقهاء الأرياف كانت لهم السيطرة على القري والفلاحين في ذلك الوقت وكانوا يقيمون الولائم من عرق الفلاح المصري ودمائه ويحضرها علماء الدين المشهورون في القاهرة ، وقد افتخر الشعراني بتعففه عن حضور تلك الولائم ، ويقول الشعراني إن زوجة صاحب الوليمة " ربما عجنت وخبزت وطبخت في اليوم مرتين وتصير تتسخط وتقول : اللهم أرحنا من هذه العيشة ، وربما أكرهها زوجها على ذلك وضربها بالعصا ضربا مبرحا .." .
ولم يكن بقية المشايخ على طريقة الشعراني في التعفف إذ يذكر أن بعضهم كان يدور في بلاد  الشرقية والغربية ومعهم مريدوهم وأتباعهم فأرهقوا الفلاحين .. وبعضهم كالشيخ دمرداش المحمدي كان إذا عزم أحدهم ذهب للوليمة وحده وأكل الطعام كله وحده ، وفي إحدى المرات أكل طعاما يكفي ثلاثمائة شخص كما يقول الشعراني ..!!
    بل كان المشايخ " يعزمون أنفسهم " على طعام الأيتام و يلتهمونه ، إذ يقوم الشيخ في القرية بإغراء أم الأولاد الأيتام بأن يجعل أبناءها شيوخا بشرط أن تقيم ولائم لمشايخ القاهرة ، وقد افتخر الشعراني أنه لا يفعل مثل ذلك.
وقد أسهب الشعراني في وصف المظالم التي يتعرض لها الفلاحون ، وكيف يتعرضون للضرب والتعذيب إلى أن تسلبهم السلطات الحاكمة آخر مالديهم من قوت لأولادهم ، ومع ذلك فإن شيوخ القاهرة كانوا ينزلون الريف – كالتتار – يأكلون الأخضر واليابس في ضيافة الكاشف أو المأمور ، ويدفع الفلاحون المعدمون فاتورة الطعام ..!!
    وكان حكام الريف يرسلون الهدايا إلي مشايخ القاهرة من العلماء والصوفية وتراوحت الهدايا بين الحبوب والطيور والحيوانات خصوصا في المواسم الدينية ، والشعراني - كعادته – يفتخر بأنه لا يأكل من تلك الهدايا التي ترد إلى زاويته وربما يقوم بذبح الحيوانات المهداة إليه ويفرقها على جيرانه في القاهرة ، ويقول " وقد بلغنا أن الكاشف ومشايخ العرب يأخذون هذه الضحايا . وربما كانت تلك النعجة للأيتام أو فقراء أخذها شيخ البلد منهم قهرا .. فيأكل سيدي الشيخ وفقراؤه حراما بنص الشريعة !!..
ثم يذكر الشعراني تجربة شخصية وقعت له فيقول " ومما وقع لي أن بعض الكشاف بالغربية أرسل لي خمسة كباش فقلت لقاصده( اى الرسول الآتى منه ) : أنا لا أقبل شيئا من الكشاف " وذكر الشعراني القصة وافتخر في نهايتها بأن " هذا أمر مما رأيت له فاعلا في مصر إلا قليلا "
    وكان الشيوخ نجوم ولائم أخري يغلب عليها الطابع الاجتماعي مثل الأعراس والعزاء وولائم الجمعة ونهاية الشهر بالإضافة للنذور ..
   ويقول الشعراني مفتخرا أنه لا يذكر أنه حضر وليمة من هذه الولائم إلا مرة واحدة أكل فيها ثم تقيأ ما أكله .. هذا مع أنه في مناسبات كثيرة ذكر في هذا الكتاب وغيره أنه كان يحضر تلك المناسبات ويأكل مع الشيوخ ..
الاسراف فى الولائم
وحديث الشعرانى في الموضوع يعطي بعض التفصيلات التاريخية لمجتمع القاهرة في ذلك الوقت ، ونعرف مما قاله أن الإسراف كان شديدا في إعداد أطعمة الأعراس .
   وامتد الإسراف والمباهاة إلى طعام العزاء وآخر الأسبوع الجمع وتمام الشهر حيث يتوافدون على المقابر والترب.. ويقول الشعراني أنهم ربما عملوا من الفطير والعجمية والسنبوسك والحلو والأرز خوفا من عتب الناس الذين يعزون ويطلعون له التربة ، وربما كان ذلك من مال الأيتام وبعضهم .. والداهية العظمي مايحدث من تشاجر بين المقرئين على الفلوس ونهبهم للطعام وأهل الميت يسمعون ذلك ..!!
الحرفيون و العمال فى القاهرة ( الصنايعية )
   والتفت الشعراني إلى فقراء الصنايعية في القاهرة ، وأولئك المساكين كانوا يوفرون من الضروريات لإقامة ولائم للشيوخ المترفين الذين لا عمل لهم إلا الأكل والرقص أو الذكر الصوفي ، ويقول الشعراني " وما من الله تبارك وتعالى به على حمايتي من الأكل من طعام الصنايعي الذي يعمل بالقوت لا سيما أن كان قد طعن في السن إلا أن كافأته على ذلك بإعطائه ثمنه أو بتوجهي إلي الله تبارك وتعالى أن ينزل له البركة الخفية في رزقه بقية عمره .. وسبب التورع عن مثل ذلك كون الصنايعي يقاسى شدة في كسبه طول يومه حتى يعاين ما يقارب أسباب الموت ، فلا ينبغي لمن كان له مروءة أن يأكل من مثل ذلك.."
    ومع ذلك اعترف الشعراني بأنه كان يأكل طعام الصنايعي البائس في مقابل أن يدعو له .. وذلك ما يفعله باقي إخوانه من المشايخ وبنفس التبرير .
 
 
 
هذه المقالة تمت قرائتها 722 مرة


التعليقات (3)
[43156]   تعليق بواسطة  فتحي مرزوق     - 2009-10-24
حتى اليتيم لم ينجو منهم

ربما كان ذلك من مال الأيتام وبعضهم .. والداهية العظمي مايحدث من تشاجر بين المقرئين على الفلوس ونهبهم للطعام وأهل الميت يسمعون ذلك ..!!

الحرفيون و العمال فى القاهرة ( الصنايعية )

والتفت الشعراني إلى فقراء الصنايعية في القاهرة ، وأولئك المساكين كانوا يوفرون من الضروريات لإقامة ولائم للشيوخ المترفين الذين لا عمل لهم إلا الأكل والرقص أو الذكر الصوفي ، ويقول الشعراني " وما من الله تبارك وتعالى به على حمايتي من الأكل من طعام الصنايعي الذي يعمل...هههههههههههههههه


إن حاجتهم إلى الولائم أقوى من شعورهم باليتيم الذي وصف الله تعالى من يأكل ماله كأنه يأكل نارا وأوصى خيرا به وبماله حتى إن كان القيم على ماله المحتاج فيأخذ منه  ولكن بمقدار معروف ومحدد ، لكن مثل الصوفية المترفين الذين لا عمل لهم إلا الأكل والرقص وهذا وصف الشعراني لهم ، يعني شهد شاهد من أهلها ،ليس مدعيا أو مروجا للشائعات بل مقرر ومعبر عن أحوالهم  تذكرني هذه الأفعال بما روي من بعض النكات التي تعبر عن الاختلاف في توزيع دكر البط المشهور بينهم:  فقال أحدهم أوركني :أي أعطني الورك  وأسدر نفسك أي خذ السدر أنت وأعطي الغشيم الأجنحة : أما الذي لا يفهم في الأكل وهم قلة على حسب تقديري فلهم الأجنحة التي تخلو من اللحم تقريبا


 

[43204]   تعليق بواسطة  نورا الحسيني     - 2009-10-25
وهل ينتظرون الثواب على عملهم هذا .

 هل ينتظرون الجزاء من الله تعالى على عملهم هذه الولائم الذين يقومون بإجبار زوجاتهم عليها   كما  ذكر  الشعراني في قوله"  ربما عجنت وخبزت وطبخت في اليوم مرتين وتصير تتسخط وتقول : اللهم أرحنا من هذه العيشة ، وربما أكرهها زوجها على ذلك وضربها بالعصا ضربا مبرحا .." .


هل في قرارة أنفسهم يقتنعون بما يفعلونه أم هى طقوس تعودوا على تأديتها دون تفكر فيما يفعلونه !!.

 


 

[43245]   تعليق بواسطة  أيمن عباس     - 2009-10-26
ميتة وخراب ديار

(وحديث الشعرانى في الموضوع يعطي بعض التفصيلات التاريخية لمجتمع القاهرة في ذلك الوقت ، ونعرف مما قاله أن الإسراف كان شديدا في إعداد أطعمة الأعراس .

وامتد الإسراف والمباهاة إلى طعام العزاء وآخر الأسبوع الجمع وتمام الشهر حيث يتوافدون على المقابر والترب.. ويقول الشعراني أنهم ربما عملوا من الفطير والعجمية والسنبوسك والحلو والأرز خوفا من عتب الناس الذين يعزون ويطلعون له التربة ، وربما كان ذلك من مال الأيتام وبعضهم .. والداهية العظمي مايحدث من تشاجر بين المقرئين على الفلوس ونهبهم للطعام وأهل الميت يسمعون ذلك ..!!
)

ومازال هذا الإسراف معمولا به في أوساط كثيرة حتى اليوم ففي العزاء تجد كل ما طاب من مأكل ومشرب وأيضا تستطيع أن تجد بيوتا مهيأة تقيم بها بالإضافة إلى السرادقات الفخمة والمقرئين ويا سلام لوكانوا ممن يقرؤن في الإذاعة ولهم شهرة وصيت ،حتى إن أسرة المتوفي تبيع بعض التركة أو تقترض بالدين حتى تستطيع توفير نفقات العزاء  ،وإذا قصرت اتهموها بأنها لم تؤدي الحق للمتوفى ويكون النقد جارحا يعني ميتة وخراب ديار ؟!


 

اجمالي القراءات 8502
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
باب دراسات تاريخية
بقدمها و يعلق عليها :د. أحمد صبحى منصور

( المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك ) من أهم ما كتب المؤرخ الفقيه المحدث الحنبلى أبو الفرج عبد الرحمن ( ابن الجوزى ) المتوفى سنة 597 . وقد كتبه على مثال تاريخ الطبرى فى التأريخ لكل عام وباستعمال العنعنات بطريقة أهل الحديث ،أى روى فلان عن فلان. إلا إن ابن الجوزى كان يبدأ بأحداث العام ثم يختم الاحداث بالترجمة او التاريخ لمن مات فى نفس العام.
وننقل من تاريخ المنتظم بعض النوادر ونضع لكل منها عنوانا وتعليقا:
more