خطــوتان إلي الخلف

عثمان محمد علي   في الخميس 30 ابريل 2009


خطــوتان إلي الخلف
بقلم : عبداللطيف المناوي


لست داعيا للفوضي‏,‏ ولامحرضا علي الفساد عندما اتوقف واطلب من الاخرين ان يتوقفوا معي للحظة‏.‏ لينظروا الي ماضينا الفكري والاجتماعي في النصف الاول من القرن الماضي‏,‏ ومقارنته بما نحن فيه الآن بعد حوالي القرن او اقل قليلا‏.‏

دعونا في البداية نتخيل ما الذي يمكن ان يحدث اليوم لو ان شخصا خرج علينا بمقال او دراسة تحمل عنوانا واضحا يقول لماذا أناملحد ؟ السؤال صادم‏..‏ اليس كذلك‏;‏؟ اظن ان رد الفعل سوف يدور حول الاحتمالات التالية‏:‏ سوف يرفض مسئول الصفحة ان يجيز المقال‏,‏ ولو اجازه فسوف يرفض عمال الجمع ان يكتبوا المقال‏,‏ ولو وافقوا فلن يوافق رئيس التحرير علي اجازة المقال‏,‏ ولو اجازه فسوف يرفض عمال المطبعة ان تدور المطابع الا لو سحب المقال‏,‏ ولو وافقوا او لم‏,‏ يلحظوا‏,‏ فسوف ترفض شركة التوزيع وموزعوها ان يوزعوا المطبوعة‏,‏ ولو وافقوا وتم التوزيع ففي هذه اللحظة سوف تقوم الدنيا ولن تقعد‏.‏



فهاهم مدعو الحسبة‏,‏ ومن وضعوا انفسهم أوصياء علي المجتمع بمؤسساته ومواطنيه يصطفون من اجل الدعوة الي عقاب‏,‏ بل وحل دماء كل من تجرأ ومر عليه مثل هذا المقال‏,‏ او قرأه‏,‏و لم يتحرك داعيا لحرق الكاتب والصحيفة‏.‏

قبل ان اناقش مافات اود الاشارة هنا الي ان مثل هذا المقال كان ينشر في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي‏,‏ وكان الاسلوب الاصيل في التعامل مع مثل هذه الآراء المختلفة ـ حتي وإن وصلت في اختلافها الي حد قد يعتبره البعض غير مقبول ـ فإن الاسلوب كان يرتكز اساسا علي مقارعة الحجة بالحجة‏,‏ والفكرة بنقيضها‏,‏ ومثال ذلك ماشهدته الحالة الثقافية المصرية من جدل كبير عندما نشر د‏.‏ اسماعيل ادهم مقالا شهيرا تحت نفس العنوان الذي طرحته بالاعلي لماذا أنا ملحد؟‏,‏ وكان ذلك عام‏1937,‏

وثارت الاجواء الثقافية في مصر بحالة من الحوار الساخن الناقد لم تصل الي حد المطالبة بقتل الرجل‏,‏ بل خرج احمد زكي ابو شادي بمقال تحت عنوان لماذا انا مؤمن؟ بين فيه ان إلحاد اسماعيل ادهم وسخطه علي الاديان عامة‏,‏ والدين الاسلامي خاصة يتعارض مع الحرية والعقل والتقدم والنظرة العلمية للكون‏,‏ وبادر محمد فريد وجدي بمقال تحت عنوان لماذا هو ملحد؟ نقد فيه اتجاه اسماعيل ادهم بقوة‏.‏ واتهمه بالعسف في احكامه‏,‏ وان مبرراته الحاده ماهي الا ترديد لاراء الهراطقة من القدماء والمحدثين‏,‏

اما الشيخ مصطفي صبري في كتابه موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين ان ادهم مدع للعلم والتفلسف ووصفه بأنه قزم عملقته الصحف‏,‏ حتي اعلي درجات التصعيد ضد الكاتب تبناها الشيخ يوسف الدجوي في مقالات تحت عنوان حدث لايمكن الصبر عليه‏,‏ اتهم فيها ادهم بالطعن في دين الدولة ومليكها حامي الدين والعلم

لم يصل احد في خلاف الي حد نفي الآخر‏,‏ او الدعوة الي استخدام العنف ضد صاحب الرأي المختلف‏,‏ ولم يصل الي مستوي التحريض الساخر‏,‏ اوالدعوة الي المواجهة العنيفة‏,‏ ضد صاحب الرأي المختلف‏.‏

أنا هنا لا ادافع عن الفكر او الرأي الذي يتخذ موقفا متطرفا من المجتمع وثقافته‏,‏ ولكن اتحدث عن رد فعل المجتمع مع تلك الآراء او المواقف التي تبدو وكأنها ضد تلك العقائد والثقافات‏,‏ وعندما يكون المجتمع اكثر صحة وقوة كلما كان قادرا علي استيعاب الاخر من الافكار والاتجاهات‏,‏ وكلما كان اكثر قدرة علي احتوائها والتعامل معها دون عصبية او تعصب قدرة المجتمع علي قبول الآخر‏,‏ والتعايش مع المختلف هي الطريق الصحيح لإغلاق الثغرات امام اية محاولة لهز اسس المجتمع‏.‏

أعرض لهذه الحالة وهذا الموقف في الوقت الذي نتابع فيه معا عنتريات من يفاخرون بمطاردة اصحاب الكتب والكتابات التي يرونها مخالفة ويقررون ان يلعبوا دور الوصي بمفهوم الرقابة إلي مستويات اكثر عنفا وقسوة‏,‏ لنجد كتبا وكتابا امام المحاكم وذلك في استخدام سييء لحق التقاضي‏,‏ ونجد كتابا مهددين بالاعتداء عليهم لأن البعض‏,‏ ممن وضعوا انفسهم موضع الوصاية علي المجتمع قد نزعوا عن هؤلاء الكتاب صفة الإيمان وخلعوا عليهم صفة الكفر والالحاد‏,‏ ومع شديد الاسف تتجاوب مع تلك الاتجاهات اجزاء من مؤسسات كانت دوما عنصرا قويا في نهضة هذا المجتمع‏.‏

ولايقف الامر عند حد المصادرة والمطاردة والاتهامات بالكفر عند حد الطبقة الاعلي ثقافيا وفكريا‏,‏ بل ان الخطير ان هذه الحالة باتت تنسحب بدرجات متفاوتة الي مستويات اخري في المجتمع‏,‏ فبات السلوك العام في مستويات واجزاء من المجتمع هو سلوك عصبي رافض للاخر المختلف في الفكر او العقيدة او حتي المزاج العام‏,‏ ومايحدث في بعض المناطق من رفض التعامل مع المختلفين في العقيدة او الاتجاه هو دليل خطورة ينبغي التنبه لها‏,‏ والتنبيه لها هذا يكون علي مستوي المثقفين وقادة الرأي الذين يحرضون علي وحدة هذا الوطن‏.‏

لقد عاشت مصر دائما حاضنة مستوعبة لكل الافكار والاتجاهات‏,‏ لم تلفظ مصر احدا من ابنائها‏,‏ ولم ينف جزء من الوطن جزءا اخر‏,‏ ولم يعاد المصريون مصريين اخرين حتي لو اختلفوا معهم كل الاختلاف‏,‏ وكان الاختيار الصحيح دائما هو قبول الاخر‏,‏ وادارة الاختلاف بالحوار الصحي الذي يؤدي بالضرورة الي نتائج اقل ايجابياتها هو التدليل علي صحة وقوة المجتمع وقدرته علي مقاومة اية محاولة لخلخلته او هزه‏.‏

وليسمح لي استاذنا احمد رجب ان استعير ماكتبه الأسبوع الماضي في‏2/1‏ كلمة عندما قال عشت عمري في الأخبار مع الفنان العظيم بيكار الذي كان بهائيا‏,‏ و لم يكن ذلك يعني احدا لاننا كنا زمان متحضرين نعرف ان الدين لله‏,‏ وكان بيكار نموذجا للخلق الرفيع والشفافية وعفة اللسان والتواضع‏,‏ وكان يكتفي بالضحك عندما أروي نوادره‏,‏ كذلك الضابط الانجليزي الذي استفزه في مناقشة وطنية فقال له بيكار اول واخر شتمة في حياته‏:‏ اذهب الي الجحيم‏,‏

ثم ظل بيكار يبحث طويلا عن الضابط ليرجوه الا يذهب للجحيم وعندما قال عن نفس القضية تم حرق بيوت البهائيين في سوهاج‏,‏ كل يوم فتخلف خطوتين

اجمالي القراءات 5838
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق