هل يــفــعـــلــها الـعــادلي؟

أسامة هيكل   في الأحد 25 نوفمبر 2007


هل يسعد الرئيس مبارك حينما يسمع أخبار التعذيب في الأقسام؟ هل يتصل بوزير الداخلية ليستفسر منه عما سمعه أو قرأه؟ مالذي يفعله حبيب العادلي وزير الداخلية حينما يقرأ أخبارا عن تعذيب مواطن حتي الموت في قسم شرطة؟ لماذا لايخرج بتصريح صحفي قوي وواضح يظهر فيه موقف الوزارة الرافض لهذه الحالات من التعذيب؟

القضية لم تعد مجرد حادثة هنا أو فيلم هناك.. فالحوادث تتعدد وتتكرر، وبعضها يتم تصويره، ولاأعلم علي وجه التحديد واليقين هل كلها أفلام حقيقية فعلا أم لا.. وإن كانت حقيقية فكيف يتم تصويرها؟ ومن يجرؤ علي المغامرة بتصويرها دون أن يخاف من فضح أمره؟ ولكن المهم أنه مع انتشار كليبات التعذيب في الأقسام، دعا بعض المدونين إلي إطلاق مهرجان لأفلام التعذيب في نفس توقيت إطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.. وهذه الدعوة تعني الوفرة في تلك الأفلام.. و القضية الأساسية - في نظري - هي حالة حقوق الإنسان في مصر.. فكيف يجرؤ ضابط شرطة علي أن يتحول من محقق إلي متهم؟ ماالذي يجبره علي تعذيب مواطن متهم؟

أثق تماما في أن التعذيب في مصر ليس منهجيا كما تدعي بعض المنظمات الحقوقية.. وأثق أيضا في أن معظم رجال الشرطة محترمون ويطبقون القانون.. ولكن هذا لايجعلنا نغفل أو نتجاهل حالات التعذيب التي تمثل استثناء حتي الآن.. ولايجب أن نصمت ونتجاهل تلك الفجوة الكبيرة التي أصبحت تفصل بين المواطن وضابط الشرطة.. فالواجب هنا أن نقف ونعيد النظر في الأمر برمته بشجاعة، لأن تكرار هذه الوقائع يعني أن هناك خطأ ما يحدث ويجب معالجته والتصدي له بحسم.

والتحقيق مع المتهم فن.. ونادرا مايعترف المتهم بجريمته بمجرد القبض عليه.. ومعظم المتهمين ينكرون الاتهامات، وهؤلاء يحتاجون لفن المراوغة والضغط من قبل الضابط المحقق.. ولكن لايمكن أن يصل هذا الضغط لحد الضرب المستمر علي القفا كما شاهدنا في بعض الكليبات، أو لحد القتل كما نشر منذ أيام في واقعة قسم العمرانية.. وأي تجاوز في تطبيق القانون هو خروج عن القانون سواء كان هذا الخروج من لص يسرق أو من ضابط يحقق في قضية، وإن كنت أعتقد أن الضابط إذا خرج عن القانون لابد من محاسبته مرتين لأنه من أهل القانون وأدري به.

وإذا كان نشر تجاوزات بعض ضباط الشرطة يسيء لكل ضباط الشرطة، فلا يمكن أن يكون العلاج بمحاصرة النشر، فهذا خطأ و مستحيل حاليا لأن الإنترنت في أثره وانتشاره أخطر من الفضائيات.. ولايمكن أن تكتفي الداخلية بالضيق والامتعاض من نشر وقائع التعذيب.. ولكن الأمر يحتاج لتعامل إيجابي وحاسم.. ونشر هذه التجاوزات في حد ذاته عمل إيجابي لأنه يكشف للقادة ولكبار المسؤولين مواطن الخلل، ويدفعهم لإتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة لمنع تكرار هذه التجاوزات التي تمثل إهانة للشرطة أولا وانتهاكا لحقوق المواطن ثانيا، واختراقا وتعديا علي النظام كله ثالثا.

وتقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية التي تتحدث عن عمليات التعذيب داخل الأقسام مسموعة ومؤثرة دوليا ومحليا.. وهي إدانة للنظام المصري كله في حالة السكوت عن هذه التجاوزات.. وقد أدي الصمت الرسمي علي هذه الوقائع إلي حد وصف بعض المنظمات الحقوقية للتعذيب في الأقسام بأنه منهجي ومنظم..

فإذا كان البعض من المتورطين في جرائم التعذيب صدرت ضدهم أحكام قضائية، فإن هذا وحده لايوقف الظاهرة.. بل لابد أن يسجل اللواء حبيب العادلي نفسه موقفا حاسما وصارما وواضحا ومنشورا، ويصدر تعليمات يتوعد فيها الضباط المخالفين للقانون والمتعدين علي حقوق الإنسان بأشد العقاب والجزاء إداريا وقانونيا.. لأنهم يسيئون للداخلية كلها أولا وللنظام الذي يمثل هو أحد أركانه ثانيا.. فإذا كانت المنظمات الحقوقية تتخذ من الإعلام سبيلا لكشف الوقائع، فلا يمكن الرد عليها إلا من خلال الإعلام أيضا.

ووزير الداخلية رجل سياسة قبل أن يكون رجل أمن.. وعليه أن يوازن بين خبرته الأمنية ومتطلبات وظيفته السياسية.. فلا يمكن أن يدير وزير الداخلية كل ملفات وزارته بعين رجل الأمن، وألا يخاطب المجتمع المحلي والدولي ومنظمات المجتمع المدني كرجل دولة يعلم أن الصمت الإعلامي علي مثل هذه التجاوزات يفسره البعض بأنه رضاء رسميا عنها.. وأعلم أن هناك حرجا عند الوزير من أن يكبل حرية الضابط في التحرك بمثل هذا التصريح.. ولكن الحاجة السياسية تقتضيه الآن.. فسمعة الشرطة في مصر أصبحت أنها تعذب المواطنين.

الحقيقة أن ماينشر ومايذاع عن التعذيب في مصر يضر بهيبة الشرطة.. ويرسخ الفجوة التي اتسعت بين الشرطة والمواطن.. فالمواطن صاحب المظلمة يخشي دخول قسم الشرطة حاليا بدون واسطة.. وهذه الصورة تعني أن المواطن لايفضل اللجوء للقانون.. ومع الوقت تزيد معدلات الجريمة، ويلجأ كل مواطن لأخذ حقه بيده.. وهذا أول طريق الفوضي.

أعتقد أن اللواء العادلي بهدوئه وخبرته قادر علي إعادة ثقة المواطن بضابط الشرطة.. وأنا أعلم أنه لايحب الظهور الإعلامي، ولكنني أدعوه لأن يقطع الشك باليقين ويعلن رسميا في مؤتمراته الصحفية وندوات عامة توجيهات صارمة بحسن معاملة المواطن في الأقسام والتصدي بحزم لأي انتهاك لحقوق الإنسان داخل الأقسام والسجون.. فهل يفعلها حرصا علي سمعة الأمن وعلاقة المواطن بالشرطة؟



 

اجمالي القراءات 6118
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق