حفلة الانهيار الكبير:
نظام فقد أهليته للحكم فى فضيحة وسط البلد

signature   في الثلاثاء 21 نوفمبر 2006


يدق هذا المقال ناقوس الخطر حول حادثة الاعتداء الجماعي على الفتيات و السيدات بمنطقة وسط البلد بالقاهرة أثناء العيد الماضى مؤكدا انها ظاهرة خطيرة لها دلالات هائلة على تحولات فى سلوك المصريين و حالتهم النفسية ..

مقالات متعلقة :

( لا التعتيم الاعلامى الرسمى ولا بيانات وزارة الداخلية ولا مقالات المنافقين.. لا شيء بإمكانه التقليل من فداحة ما حدث فى وسط القاهرة خلال العيد..

فقد تجمع أكثر من ألف شاب بين شارعى عدلى وطلعت حرب وبدأوا فى مهاجمة النساء وهتك أعراضهن بدون تمييز على مدى أربع ساعات كاملة.. أى امرأة ساقها حظها العاثر للمرور فى المنطقة تلك الساعة، سواء فتاة أو امراة أو سيدة مسنة، سافرة أو محجبة أو منتقبة، سواء تمشى وحدها أو مع صديقاتها أو حتى مع زوجها.. كانت ستلقى نفس المصير.. مئات الشبان المسعورين جنسيا سيهاجمونها، يحاصرونها بأجسادهم تماما، تمتد عشرات الأيدى لتنزع ملابسها حتى تصير عارية، ثم يهتكون عرضها بتحسس جسدها والعبث بعورتها.. وقد تكاتف بعض الأهالى فأنقذوا فتاة أو اثنتين بعد أن تمزقت ملابسهن وسقطن عاريات على الأرض بينما هتك المسعورون أعراض بنات عديدات لا يعرف عددهن، هؤلاء البنات اللاتى هتكت أعراضهن لسن ساقطات ولا منحرفات وانما هن مواطنات مصريات عاديات، مثل زوجتى وزوجتك وابنتى وابنتك، جريمتهن الوحيدة أنهن صدقن أننا نعيش فى بلد محترم فخرجن يتنزهن يوم العيد.. هذه الجريمة البشعة حدثت أمام عشرات الشهود، وسجلها مصورون عديدون وزعوا صورهم على شبكة الانترنت، ولقد رأيت الصور فأصابنى الحزن على بلادى، لن أنسى أبدا الفتاة المحجبة التى ظهرت فى الصورة وقد تمزقت ملابسها تماما ونسى المسعورون أن ينزعوا عنها غطاء الرأس، وراحت عشرات الأيدى تعبث بجسدها العارى، لن أنسى وجهها الحزين المتألم وشرفها ينتهك فى الشارع، بعد أن قاومت بقدر استطاعتها هجوم عشرات الأيدى المغتصبة ثم سقطت فى النهاية....

إن ما حدث ليس مجرد جريمة وانما كارثة أخلاقية واجتماعية يجب أن نتوقف عندها لنفهم ماذا يحدث فى مصر:

1-      هؤلاء الشبان قادمون من مناطق فقيرة وعشوائية، من قاع المجتمع المصرى.. وقد تجمعوا أولا ليحجزوا تذاكر فى حفلات السينما ولما اكتشفوا نفاد التذاكر اجتاحهم غضب بالغ فقاموا بتكسير واجهة سينما مترو، عندئذ انتبهوا لأنه لا توجد قوات أمن فى المنطقة كلها وأحسوا بأن كثرتهم تمنحهم قوة وتجعلهم بمنأى عن أى عقاب. فأطلقوا العنان لمشاعرهم البدائية التى انحصرت فى هتك عرض أى امراة يجدونها أمامهم. وكانوا بعد أن ينتهوا من الاجهاز على احدى البنات يصيح أحدهم فيه واحدة تانية فيردد الجمع وراءه واحدة تانية.. واحدة تانية ويندفعون نحو ضحيتهم الجديدة...... هذه الطريقة الهيستيرية فى العدوان الجماعى هى مجرد بروفة لفوضى شاملة قد تندلع فى أى مكان وأى لحظة، ولقد أكد بعض المواطنين على شبكة الانترنت أن ما حدث فى وسط البلد قد تكرر بنفس الطريقة أثناء العيد فى الزقازيق والمنصورة.. ان الذين اندفعوا فى عدوان جماعى على الأعراض لاشباع جوعهم الجنسى سيندفعون بلاشك، فى أقرب فرصة، الى السلب والنهب واحراق الممتلكات..

2-      السعار الجنسى الذى انتاب هؤلاء الشبان لا يعبر فقط عن الكبت الجنسى.. فالانسان كثيرا ما يدفن داخل رغبته الجنسية احساسه باليأس والاحباط والظلم و الضآلة و اللاجدوى.. وكلها مشاعر يعانى منها الفقراء فى مصر.. ان هؤلاء المسعورين هم أبناء المعدمين المطحونين الذين يموتون بالفشل الكلوى والتسمم من شرب مياه الصرف الصحى، الذين أصابتهم مبيدات يوسف والى بالسرطان، الذين يحترقون فى قطارات الصعيد ويغرقون فى عبارات الموت فلا يهتم أحد بموتهم أو حياتهم، إن هؤلاء المسعورين أبناء البطالة والعجز والزحام، يعيشون مكتظين فى حجرات ضيقة ومبان عشوائية بلا خدمات ولا مرافق.. انهم فاقدون لأى أمل فى المستقبل، لا عمل ولا زواج ولا حتى هجرة للخارج.. انهم يعيشون بلا كرامة ويستطيع أى مخبر أو أمين شرطة أن يعتقلهم ويضربهم ويهتك أعراضهم.. ومما يبعث على التأمل، ان الأسلوب الذى استعمله المسعورون لهتك أعراض ضحاياهم، هو ذاته الذى تستعمله الشرطة المصرية ومباحث أمن الدولة ضد زوجات المعتقلين والمتهمين لانتزاع اعترافاتهم.. ان هذا السلوك العدوانى الهستيرى، يحمل بلا شك، قدرا كبيرا من الانتقام من واقع قبيح معاد يفتقر الى أدنى شروط الحياة الانسانية.. وكأن هؤلاء الشبان باقترافهم لهتك الأعراض الجماعى.. ينتقمون فيمن تسبب فى حياتهم البائسة الذليلة....

3-      لو أن حفلة جماعية لهتك الأعراض مثل هذه حدثت فى الغرب لسارع كثيرون لاتهام المجتمع هناك بالانحلال والتهتك.. أما أن تحدث فى مصر فمعنى ذلك ان التدين المنتشر الآن فى مجتمعنا يقف عند المظاهر دون المضمون.... لقد كانت لمصر على مدى قرون طريقة فى فهم الاسلام، متسامحة ومنفتحة تتسق مع طبيعة المصريين المتحضرة.. و استطاعت مصر دائما، بطريقة فذة حقا، أن تحتفظ بإسلامها وانفتاحها على العالم، وكانت المرأة المصرية أول امرأة عربية تتعلم وتعمل وتكتسب احترام المجتمع كانسان متساوى الحقوق مع الرجل.. حتى كانت نهاية السبعينيات، عندما تعرض المجتمع المصرى الى غزو كاسح من الأفكار الوهابية القادمة من المملكة السعودية.. فمن ناحية استعمل أنور السادات الدين للتغلب على المعارضة اليسارية، واستمر نظام مبارك فى دعم الوهابية للاستفادة من الاذعان للحاكم الذى تزرعه فى نفوس الناس، ومن ناحية أخرى ارتفعت أسعار البترول عدة أضعاف بعد حرب اكتوبر فاكتسبت السعودية مكانة لم تبلغها من قبل وفرضت طريقتها فى فهم الاسلام على مصر و العالم العربى.. ومع ازدياد الفقر الناشئ عن الفساد والاستبداد تدفق ملايين المصريين للعمل فى الخليج وعادوا بعد سنوات بالمال والأفكار الوهابية.. واكتسبت قطاعات من المصريين عادات وسلوكيات سعودية لم تعرف أبدا فى مصر قبل ذلك.. مثل النقاب واللحى والجلابيب البيضاء واغلاق المحال للصلاة وخلع الأحذية على أبواب المنازل وغيرها.. والواقع أن الفكر الوهابى لا يرى فى المرأة الا وعاء للجنس وأداة للغواية ووسيلة لانجاب الأطفال.. أكثر ما يشغل الوهابيين تغطية جسد المرأة وعزلها بقدر الامكان عن الاختلاط بالمجتمع درءا لشر فتنتها.. هذه النظرة المتدنية للمرأة تنزع عنها الطابع الانسانى وتختصرها فى كونها أنثى، وهى تعتبر أى امرأة فاقدة للارادة ضعيفة الاحساس بالشرف بحيث يؤدى الاختلاء بها حتما الى الخطيئة.. المرأة فى نظر الوهابيين غير كاملة الأهلية لايجوز لها أن تقود السيارة ولا أن تتجول وحدها بدون رجل يمنع اختطافها أو اغتصابها، وهذه الأفكار برغم أنها تدعى الحفاظ على الفضيلة الا أنها فى النهاية تؤدى الى ترسيخ النظرة الى المرأة باعتبارها غنيمة جنسية، لايمكن أن ترفض ولا أن تدافع عن نفسها، يجب على الرجل أن يمنعها عن الآخرين أما اذا استطاع ان يحظى بنساء الآخرين ويفلت من العقاب فانه لن يتردد.. ونذكر هنا أن خطف النساء والأطفال واغتصابهم فى السعودية يشكل ظاهرة مخيفة وخطرا حقيقا يعرفه كل من عاش هناك. وهكذا نكتشف بالمقارنة، أن مصر المنفتحة المعتدلة حتى نهاية السبعينيات، كانت تعبر عن تدين حقيقى فى السلوك و التعامل... بينما مصر المتجهمة، المتشددة فى مظاهر الدين، التى نعيش فيها الآن.. هى بالفعل أبعد ما تكون عن روح الدين، ليس لديها منه الا قشور انتقلت اليها كالعدوى، من مجتمعات بدوية مغلقة متخلفة ومنافقة...

4-      كشفت هذه المأساة عن أن وزارة الداخلية لم تعد تعتبر تأمين المواطنين من واجباتها.... إن قوات الشرطة التى تقوم بتفتيش المصريين وتعطيلهم بالساعات فى الشوارع لمجرد أن أحدا من أفراد أسرة مبارك أو وزراء نظامه قرر المرور بموكبه.. أجهزة الأمن التى قمعت وضربت وسحلت وهتكت أعراض الذين تظاهروا من أجل الديمقراطية ودعم استقلال القضاة.. هذه الأجهزة القمعية الجبارة لم تفكر فى أن تبعث بقوات لتأمين وسط البلد فى العيد، بل ان بضعة عساكر وضابطا شابا قد ظهروا فى صور الحادثة غير عابئين اطلاقا بحفلة هتك الأعراض القائمة على قدم وساق أمامهم.. عسكرى واحد ظل يحتفظ بفطرته الأولى.. عسكرى واحد فقط دفعته النخوة، بمبادرة شخصية منه، الى خلع حزامه ليصد به جحافل المسعورين فلم تجد شجاعته شيئا مع كثرتهم واصرارهم على افتراس ضحية جديدة.... والحق أن تعليق وزارة الداخلية على الكارثة، سواء فى برنامج العاشرة مساء أو فى جرائد الحكومة.. جاء متناقضا ومتخبطا لدرجة كبيرة، فقد أنكروا ما حدث وقالوا ان قسم قصر النيل لم يتلق بلاغا بهتك العرض.. وكأنما ينحصر واجب رجل الشرطة فى الجلوس فى القسم لينتظر البلاغات. ونحن نسأل السيد حبيب العادلى: هؤلاء المسعورون جنسيا، الذين تركهم ضباطك يهتكون أعراض المواطنات على مدى أربع ساعات كاملة.. ماذا كان سيحدث لو أنهم رددوا هتافات ضد حسنى مبارك..؟! ألم تكن جيوش الأمن المركزى ستندفع فورا لتسحقهم سحقا..؟.. هل حماية الرئيس مبارك من الهتافات المعادية أهم عندكم من حماية أعراض المصريات..؟!..

ان ما حدث فى وسط البلد، يدل على أن الانهيار الكبير قد بدأ بالفعل.. مصر تنهار بينما الرئيس مبارك الذى حكمها ربع قرن فهبط بها الى هذا الحضيض لا يشغله الآن الا توريثها الى ابنه. واجبنا جميعا أن نتحرك لننقذ بلادنا من مصير أسود بدأ يلوح فى الأفق. ولن يكون انقاذ مصر الا بديمقراطية حقيقية تعيد الى المصريين آدميتهم وحقوقهم وكرامتهم.. وسلوكهم المتحضر أيضا...

اجمالي القراءات 6817
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق