د. أسامة الغزالي حرب يكتب: أزمة نظام لا أزمة صحافة!

ألمصري اليوم   في الإثنين 01 اكتوبر 2007


لا شيء يعكس - مثل الصحافة - طبيعة النظام السياسي في أي مجتمع! حقًا، إن الصحافة - مثلها تمامًا مثل القضاء - هي مهنة مستقلة بذاتها، ولكنها في الوقت نفسه جزء لا يتجزأ من النظام السياسي. وفي ضوء هذه الحقيقة - فقط - يمكن فهم واستيعاب دلالة ومغزي الأحكام التي صدرت مؤخرًا ضد إبراهيم عيسي «قضيتان» وعادل حمودة، ووائل الإبراشي، وعبد الحليم قنديل، وأنور الهواري، ومحمود غلاب وأمير عثمان. فالتهم التي وجهت إليهم، والطريقة التي تمت بها محاكمتهم، والأحكام التي صدرت في حقهم، تفسرها طبيعة النظام السياسي الراهن في مصر، وموقع الصحافة فيه كجزء لا يتجزأ منه، أكثر مما تفسرها قواعد المهنة الصحفية!



فلأن النظام السياسي الراهن في مصر لايزال - من حيث جوهره وخصائصه الهيكلية - نظامًا سلطويا لا ديمقراطيا، برغم الهامش الديمقراطي إياه الذي نتحدث عنه كثيرًا، فإن طبيعته تلك تنعكس علي وضع الصحافة فيه، علي نحو يختلف جذريا عن وضعها في المجتمع الديمقراطي! ففي هذا الأخير، أي المجتمع الديمقراطي، الصحافة من حيث ملكيتها تتمثل في مؤسسات مستقلة «بالمعني الواقعي المتعارف عليه لكلمة مستقلة،

بقدر الإمكان» في حين أنها في المجتمعات الشمولية والسلطوية تكاد تكون مرفقًا حكوميا عامًا أو ملكية عامة تحكمها القواعد البيروقراطية بكل مثالبها في المجتمعات الديمقراطية، الصحافة لا رقابة عليها من رقيب أو وزير للإعلام، ولكنها في المجتمعات اللاديمقراطية تخضع للتوجهات السياسية والمراقبة الأمنية في النظم الديمقراطية. المؤسسات الصحفية نفسها تشكل مجالسها التحريرية وتختار رؤساء تحريرها وفقًا لكفاءتهم وقدراتهم. أما في النظم اللاديمقراطية،

فإن الدولة تختار قيادات المؤسسات الصحفية ورؤساء التحرير وفقًا لعلاقاتهم بمراكز القوي السياسية والجهات الأمنية. في النظم الديمقراطية، حصول الصحفي علي المعلومات حق يقرره القانون ويحميه، وفي النظم اللاديمقراطية، علي الصحفي أن يحتال ويتحايل للحصول علي المعلومات. في النظم الديمقراطية، الصحفي رقيب محايد وصارم علي أداء المؤسسات الحكومية والأهلية، لا تربطه بهم أي علاقة أو منفعة! وفي النظم اللاديمقراطية،

يكاد بعض الصحفيين يكونون مندوبي الجهات التي يغطونها في صحفهم (وليس العكس!) والتي تغدق عليهم أموالها وهداياها، وربما يكونون - بالمرة - مندوبي إعلانات لديها! في النظم الديمقراطية، الصحفي يقيّم أداء السياسيين والمسؤولين التنفيذيين تقييمًا موضوعيا، فيشيد بإنجازاتهم، ويكشف أخطاءهم دون خوف من سجن أو تشريد. أما في النظم اللاديمقراطية، فالصحفي دائمًا يمتدح القادة السياسيين والمسؤولين التنفيذيين، يضخم إنجازاتهم، ويغطي علي أخطائهم، وإن انتقدهم، فإن ذلك يكون غالبًا بقدر محسوب، وتحكمه علاقات قوي، وخطوط حمراء أو صفراء، وإلا فإن الحبس أو التشريد في انتظاره! ولذلك كله، وغيره،،

ليس غريبًا أن الصحافة في المجتمع الديمقراطي هي صحافة مسؤولة، تملك قدرة حقيقية علي أن تحاسب - ذاتيا - أعضاءها الخارجين علي أخلاقيات المهنة، وسلوكياتها المنضبطة. وعلي العكس، فإن «مسؤولية» الصحافة والصحفي في المجتمعات اللاديمقراطية مسألة هلامية لا تخضع للضبط، وتظل دائمًا مسألة «تفعيل مواثيق الشرف» أمنية صعبة بعيدة المنال، وعبارة تتردد موسميا بين حين وآخر!

في ضوء هذه الخصائص للصحافة في النظام السياسي المصري، كنظام لا ديمقراطي، وفي ضوء الخصائص الأعم لذلك النظام، نستطيع أن نفهم وأن نستوعب ما حدث للصحفيين السبعة، وما سوف يحدث لآخرين ينتظرون!

فالجانب الأكبر من التهم الموجهة للصحفيين المعنيين يرتبط بالشائعات التي سرت في مصر في الشهر الأخير، حول صحة الرئيس مبارك، باعتبار أنها «أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة»، و«تكدير الأمن والسلم العام». وهو ما يعكس - تمامًا - حالة «المعلومات» في النظم اللاديمقراطية، وسعي الصحفي للحصول عليها في ذلك المناخ! ألا نعلم جميعًا مدي الكتمان والسرية التي يتم بها التعامل مع مسألة صحة رئيس الجمهورية، مع أنها بالضرورة موضع اهتمام كل مواطن، تمامًا مثل اهتمام أفراد أي أسرة بصحة رب الأسرة؟ إن النتيجة المنطقية التي ترتبت علي ذلك الغموض هي سريان الشائعة تمامًا كما هي الحال في أي مجتمع لاديمقراطي يفتقد الشفافية والوضوح حول قضاياه الحيوية!

والتهم التي تدور حول ألفاظ غامضة من نوعية «تكدير السلم والأمن العام»، وبالمعني الفضفاض السائد في مصر، والتي ترتبط بالدرجة الأولي بسريان حالة الطوارئ، لا تعرفها بالطبع إلا الدول اللاديمقراطية والمتخلفة معًا. وهي في الواقع، أوضاع تتجاوز بكثير في تأثيرها الصحافة والصحفيين، وتهدد حريات التعبير بشكل عام وحقوق التجمع السلمي، مثلما تهدد الأنشطة الطوعية للمواطنين في نقاباتهم وجمعياتهم وجميع مؤسسات المجتمع المدني.

وإذا كان وجود عقوبة الحبس في قضايا النشر، يشكل سبة عار في جبين مصر، فإن ما يلفت النظر هنا، وما يتجاوز قضية حرية التعبير الصحفي، هو هذه القوي العاتية في النظام السياسي، والتي تصر علي استمرار تلك العقوبة، حتي مع الوعد الذي صدر عن الرئيس مبارك بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر بالنسبة للصحفيين وغيرهم من المواطنين، والواردة ضمن مواد قانون العقوبات، وقانون تنظيم الصحافة! وكلنا يعلم مدي الكفاءة التي يتمتع بها الحزب الوطني في الإسراع بإصدار التشريعات التي يريدها، من خلال مجلس الشعب في أي ساعة من الليل أو النهار!

والطريقة التي يتم بها الإبلاغ عن تلك «الجرائم» تثير بدورها تساؤلات عديدة. ففي أغلب الأحيان، يتقدم شخص (أو أشخاص) غالباً ما يكونون غير معروفين، وغالباً أيضاً ما يكونون أعضاء في الحزب الوطني، يدعون بحقوقهم المدنية إزاء ما وقع عليهم من أضرار! كما يظل الباب مفتوحاً - من ناحية أخري - لدعاوي «الحسبة» التي أبقيت في القانون المصري كسيف مصلت في يد الدولة يمكنها أن تستعمله متي تشاء! غير أن ما جاء في نص الحكم علي حمودة وعيسي والإبراشي وقنديل قبل أسبوعين أضاف مبرراً آخر، هو أن المحاميين اللذين رفعا الدعوي إنما قاما بذلك باعتبارهما مفوضين من الأستاذ الدكتور أحمد رسلان، الذي هو موكل بدوره من الرئيس مبارك - بصفته رئيساً للحزب الوطني - في تمثيله في كل ما يتعلق بشؤون الحزب أمام القضاء؟! وهذه كلها - مرة ثانية - سمات وسلوكيات ترتبط بالنظام السياسي، أكثر ما ترتبط بالصحافة، والقواعد التي تنظم عملها!

- وأخيراً، فلنتأمل بعض السطور من الاحكام الأخيرة وفقاً لما نشرته الصحف. ففي أهرام ١٤/٩ وبخصوص الحكم علي الصحفيين الأربعة، جاء.. «أن تلك الأخبار الكاذبة، المحمولة بعبارات السب، تجهض الروح الوطنية للمدعين بالحق المدني، وباقي أعضاء الحزب الوطني، وتفقدهم الثقة في قيادتهم الحزبية المتمثلة في رموز الحزب الوطني الحاكم، وهو أمر يترتب عليه كثير من الأضرار في خفض الحماس العام والدافع الوطني والانتماء للحزب الوطني الذي يرأسه رئيس الدولة، بما يستتبع بالضرورة فقد الانتماء للدولة، والدفاع عن كيانها في جميع المجالات والاتجاهات... الخ». وأنا هنا لن أعلق علي الحكم، ولكنني أطرح فقط - طلباً للفهم - بعض الأسئلة مثل: ما التعريف القانوني - أو حتي السياسي - لكلمة (رموز) الحزب الوطني؟ وما العلاقة بين فقد الانتماء للحزب الوطني وفقد الانتماء للدولة؟

من ناحية ثانية، ووفقاً لما نشرته «الوفد» في ٢٥ سبتمبر ٢٠٠٧ تحت عنوان «وبيان المحكمة حول الحكم»، فقد أصدرت المحكمة بياناً عقب حكمها بحبس الهواري وزميليه، جاء فيه «والمحكمة إذ تؤكد أن الصحافة المصرية بلغت قمة الحرية في عهد السيد الرئيس محمد حسني مبارك، وأصبحت الصحافة في عهده تنقد الوزراء والنواب والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، في مناخ من الديقمراطية، حتي أصبحت حرية الصحافة كرائعة النهار..، يفخر بها كل مصري علي أرض مصرنا الحبيبة.. كل ذلك من أجل مجتمع راق».. الخ. واستمر البيان بعد ذلك بنفس الروح ونفس الأسلوب.

ألا يثير هذا كله تساؤلات جادة «ومحزنة» حول استقلالية القضاء المصري، الذي كان دائماً موضع فخرنا واطمئناننا؟ أولا تعني تلك التطورات كلها أن الأزمة هي أزمة نظام حكم وليست أزمة صحافة؟!



 

اجمالي القراءات 6107
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق